أما بعـد : فقد سئل
شيخ الإسلام علم الأعلام ، ناصر السنة
وقامع البدعة : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية
رحمه الله : عن قوله عز وجل : ( يا أيها الناس
اعبدوا ربكم ) فما العبادة ؟ وما فروعها ؛ هل
مجموع الدين داخل فيها أم لا ؟ وما حقيقة
العبودية ؟ وهل هي أعلى المقامات في الدنيا
والآخـرة ، أم فوقها شيء من المقامات ؟ . وقال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ إلا نُوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) ( الأنبياء:25 ) . وقال تعالى : ( إن هذه امتكم أمةً واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) ( الأنبياء : 25 ) ، كمـا قال في الآية الأخرى ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً ، إني بما تعملون عليم ، وإن هذه أمتـكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ) ( المؤمنون : 51، 52 ) 0 وجعل ذلك لازماً لرسوله إلى المــوت ، كما قال : ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) (سورة الحجر 99) وبذلك وصف ملائكته وأنبياءه 0 فقال تعالى : ( وله من في السموات والأرض ومن عنده لايستكبرون عن عبادته ولايستحسرون ، يسبِّحون الليل والنهار لا يفترون ) (سورة الأنبياء 19،20 ) 0 وقال تعالى : ( إن الذين عند ربك لايستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون ) ( سورة الأعراف 206 ) ، وذم المستكبرين عنها بقوله : ( وقال ربكم ادعونى استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) (سورة غافر 60) ، ونعت صفوة خلقه بالعبودية فقال تعالى : ( عينا يشرب بها عباد الله يفجِّرونها تفجيراً ) (سورة الإنسان 6 ) ، وقال ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً ) ( سورة الفرقان 63-77 ) الآيات 0 ولما قال الشيطان ( رب بمـا أغويتني لأُزَيّـنَنَّ لهـم في الأرض ولأغوينَّهم أجمعين ، إلا عبادك منهم المخلصين ) (سورة الحجر 39،40 ) 0 قال الله تعالى ( هذا صراط علىَّ مستقيم 0 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتَّبعك من الغاوين ) ( سورة الحجر 41و42 )0 وقال في وصف الملائكة بذلك ( وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه 0 بل عباد مكرمون ، لايسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، يعلم مابين أيديهم وماخلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ، وهم من خشيته مشفقون ) (سورة الأنبياء 26-28 )0 وقال تعالى : ( وقالوا اتَّخـذ الرحمن ولداً ، لقد جئتم شيِئاً إدًّا0 تكاد السموات يتفطَّرن منه وتنشقُ الأرض وتخر الجبال هدًّا 0 أن دَعَوْا للرحمن ولداً وماينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً 0 إن كل من في السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبداً 0 لقد أحصاهم وعدَّهم عدًّا 0 وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ) ( سورة مريم 88-95)0 وقال تعالى عن المسيح الذي ادعيت فيه الإِلهية والبنوة ( إن هو إلا عَبْدٌ أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبنى إسرائيل ) ( سورة الزخرف 59) ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (( لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد ، فقولوا عبد الله ورسوله ))0 وقد نعته الله بالعبودية في أكمل أحواله 0 فقال في الإسراء ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ) ( الإسراء 1 ) ، وقال في الإيحاء ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) (سورة النجم 10 ) وقال في الدعوة ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لِبدا ) ( سورة الجن 19 ) ، وقال في التحـدى ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ) ( سورة البقرة 23 )0 فالدين كله داخل في العبادة 0 وقد ثبت في الصحيح أن جبريل لما جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابي ، وسأله عن الإسلام قال (( أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا 0 قال : فما الإيمـان ؟ قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره 0قال : فما الإحسان ؟ قال : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك - ثم قال في آخر الحديث : هـذا جبريل جاء يعلمكم دينكم ))0 فجعل هذا كله من الدين 0
لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب : فهي تتضمن غاية الذل لله ، بغاية المحبة له 0 فإن آخر مراتب الحب : هو التتيم ، وأوله : العلاقة ، لتعلق القلب بالمحبوب ، ثم الصبابة : لانصباب القلب إليه 0 ثم الغرام ، وهو الحب الملازم للقلب ، ثم العشق 0 وآخرها : التتيم ، يقال : تيم الله ، أى عبد الله ، فالمتيم : المعبد لمحبوبه 0 ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابداً له ، ولو أحب شيئاً ولم يخضع له ، لم يكن عابداً له ، كما قد يحب الرجل ولده وصديقه 0 ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى 0 بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شىء ، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شىء ، بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا الله0 وكل ما أحب لغير الله فمحبته فاسدة ، وما عظم بغير أمر الله فتعظيمه باطل 0 قال تعالى : ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادهـا ومساكن ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ) ( سورة التوبة 24 )0 فجنس المحبة تكون لله ولرسوله ، كالطاعة 0 فإن الطـاعة لله ولرسوله ، والإرضاء لله ولرسوله ( والله ورسوله أحق أن يرضوه ) ( سورة التوبة 62 ) ، والإيتاء لله ولرسوله ( ولو أنهم رضوا ما آتاهـم الله ورسوله ) ( سورة التوبة 59 )0 وأما العبادة ومايناسبها : من التوكل والخوف ، ونحو ذلك 0 فلا يكون إلا لله وحده 0 كما قال تعالى : ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ، ونشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله 0 فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) ( سورة آل عمران 64 ) 0 وقال تعالى : ( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ، وقالوا حسبنا الله ، سيؤتينا الله من فضله ورسوله 0 إنا إلى الله راغبون ) ( سورة التوبة 59 )0 فالإيتاء لله وللرسول ،وكقوله : ( وما آتاكم الرسول فخذوه ، ومانهاكم عنه فانتهـوا ) ( الحشر : 7 ) 0 وأما الحسب - وهو الكافي - فهو لله وحده 0 كما قال تعالى ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) (سورة آل عمران 173) ، وقال تعالى : ( يا أيها النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) (سورة الأنفال 64) ، أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين : الله : ومن ظن أن المعنى : حسبك الله والمؤمنون معه 0 فقد غلط غلطاً فاحشاً ، كما قد بسطناه في غير هذا الموضوع 0 وقال تعالى ( أليس الله بكافٍ عبده ) (سورة الزمر 36 ) 0 وتحرير ذلك : أن (( العبد )) يراد به المعبـد الذي عبَّده الله ، فذلَّلهُ ودبره وصـرفه ، وبهـذا الاعتبار : فالمخلوقون كلهم عباد الله : الأبرار منهم والفجار ، والمؤمنون والكفـار ، وأهل الجنة وأهـل النار ، إذ هو ربهم كلهم ومليكهم ، لايخرجون من مشيئته وقدرته ، وكلماته التامات ، التي لايجاوزهن بر ولافاجر 0 فما شاء كان وإن لم يشاءوا 0 وماشاءوا إن لم يشأه لم يكن 0 كما قال تعالى : ( أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون ) ( سورة آل عمران 83 )0 فهو سبحانه رب العالمين ، وخالقهم ورازقهم ، ومحييهم ومميتهم ، ومقلب قلوبهم ، ومصـرف أمورهم ، ولارب لهم غيره ، ولامالك لهم سواه ، ولاخالق لكل شىء ومـدبره ومسخره إلا هو ، سواء اعترفوا بذلك أو أنكروه ، وسواء علموا ذلك أو جهلوه ، لكن أهل الإيمان منهم عرفوا ذلك وآمنوا به وشكروه بعبودية الإلهية : رغباً ورهباً ، بخلاف من كان جاهلا بذلك أو جاحداً له ، مستكبراً على ربه ، لايقر ولايخضع له ، مع علمه بأن الله ربه وخالقه 0 فالمعرفة بالحق إذا كانت مع الاستكبار عن قبـوله والجحد له ، كان عذاباً على صاحبه ، كما قال تعالى : ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) ( سورة النمل )0 وقال تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ) ( سورة البقرة 146 ) 0 وقال تعالى : فإنهم لايكذبونك ، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) (سورة الأنعام 33 )0 فإن اعترف العبد أن الله ربه وخالقه ، وأنه مفتقر إليه محتاج إليه ، عرف العبودية المتعلقة بربوبية الله 0 وهذا العبد يسأل ربه ، ويتضرع إليه ويتوكل عليه 0 لكن قد يطيع أمره وقد يعصيه ، وقد يعبده مع ذلك ، وقد يعبد الشيطان والأصنام 0 ومثل هذه العبودية لاتفرق بين أهل الجنة وأهل النار ، ولايصير بها الرجل مؤمناً 0 كما قال تعالى : ( ومايؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) (سورة يوسف 106) ، فإن المشركين كانوا يقرون أن الله خالقهم ورازقهم وهم يعبدون غيره 0 قال تعالى : ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ) ( سورة الزمر 38 ) ، وقال تعالى : ( قل لمن الأرض ومن فيهـا إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السموات والسبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قبل من بيده ملكوت كل شىء وهو يجير ولايجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قـل فأني تسحرون ) (سورة المؤمنون 84-89 )0
الصفحات التالي 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 السابق
|
|