قال صلى الله عليه وسلم ((
اجعلوها فر ركوعكم )) ولما نزل قوله ( سبح اسم
ربك الأعلى ) قال ((أجلعوها في سجودكم )) فشرع
لهم أن يقولوا في الركوع : (( سبحان ربي
العظيم )) وفي السجــود ((سبحان ربي الأعلى ))
وفي الصحيح (( أنه كان يقول في ركوعه : سبحان
ربي العظيم وفي سجـوده ، سبحان ربي الأعلى ))
وهذا معنى قوله (( اجعلوها في ركوعكم
وسجودكم )) باتفاق المسلمين . فتسبيح اسم ربه
الأعلى وذكر اسم ربه ونحو ذلك : هو بالكلام
التام الفيد ، كما في الصحيح عنه صلى الله
عليه وسلم أنه قال : (( أفضل الكلام بعد
القرآن : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله
إلا الله ، والله أكبر )) .
وفي
الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((
كلمتان خفيتان عل اللسان ثقيلتان في
الميزان ، حبيبتان إلى الرحمن :
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم )) .
وفي
الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (( من
قال في يومه مائة مرة : لا إله إلا الله وحده لا
شريك له . له الملك وله الحمد وهو على كل شىء
قدير : كَتَب الله له حرزاً من الشيطان يومه
ذلك ، حتى يمسى ، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به
إلا رجل قال مثل ماقال أو زاد عليه . ومن قال في
يومه مائة مرة : سبحان الله وبحمده سبحان الله
العظيم حُطَّتْ عنه خطاياه ، ولو كانت مثل زبد
البحر )).
وفي
الموطأ وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال (( أفضل ماقلته أنا والنبيون من قبلى
: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك
وله الحمد ، وهو على كل شىء قدير )) .
وفي سنن
ابن ماجة وغيره عنه صلى الله وسلم أنه قال :
(( أفضل الذكر : لا إله إلا الله . وأفضل
الدعاء الحمد لله )) .
ومثل هذه
الأحاديث كثيرة في أنواع ما يقال من الذكر
والدعاء .
وكذلك
مافي القرآن من قوله تعالى : ( ولا تأكلو مما لم
يذكر اسم الله عليه ) . ( سورة الأنعام 121 ).
وقوله : (
فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه
) . (سورة المائدة 4 ) إنما هو قول : بسم الله ،
وهذا جملة تامة ، إما اسمية على أظهر قولى
النحاة ، أو فعلية . والتقدير : ذبحى باسم الله
، أو أذبح باسم الله .
وكذلك قول
القارئ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) فتقديره
: قراءتى باسم الله ، أو أقرأ باسم الله ،
ومن الناس من يضمر في مثل هذا : ابتدائي باسم
الله ، أو : ابتدأت باسم الله . والأول أحـسن
. لأن الفعل كله مفعول باسم الله ، وليس مجرد
ابتدائه .
كما أظهر المضمر
في قوله ( اقرأ باسم ربك الذى خلق ) .
( سورة العلق 1) وفي قوله: ( باسـم الله
مجريها ومرساها ) . ( سورة هود 41 ) .
وفي قول النبى صلى الله عليه
وسلم (( من كان ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها
أخرى . ومن لم يكن ذبح فليذبح باسم الله )) ،
ومن هذا قول النبى صلى الله عليه وسلم في
الحديث الصحيح لربيبه عمر بن أبي سلمة ((
ياغلام ، سم الله وكل بيمينك ، وكل مما يليك
)) فالمراد أن يقول : باسم الله ، ليس المراد :
أن يذكر الاسم مجرداً .
وكذلك
قوله في الحديث الصحيح لعدى بن حاتم : ((
إذا أرسلت كلبك المعلّم ، وذكرت اسم الله
فكل )) وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم (( إذا
دخل الرجل منزله ، فذكر اسم الله عند دخوله
، وعند خروجه ، وعند طعامه ، قال الشيطان :
لا مبيت لكم ولا عشاء )) وأمثال ذلك كثير .
وكذلك
ماشرع للمسلمين في صلاتهم وأذانهم وحجهم
وأعيادهم من ذكر الله تعالى ، إنما هو بالجملة
التامة . كقول المؤذن (( الله أكبر ، الله أكبر
أشهد أن لا إله إلا الله . أشهد أن محمداً رسول
الله )) وقول المصلى (( الله أكبر ، سبحان ربى
العظيم . سبحان ربى الأعلى ، سمع الله لمن حمده
. ربنا ولك الحمـد . التحيات لله )) وقول الملبى
(( لبيك اللهم لبيك )) وأمثال ذلك .
فجميع
ماشرعه الله من الذكر إنما هو كلام تام ، لا
اسم مفرد ؟ لا مظهر ولا مضمر . وهذا هو الذي
يسمى في اللغة كلمة ؟ كقوله (( كلمتان خفيفتان
على اللسان ثقيلتان في الميزان ، حبيبتان إلى
الرحمـن : سبحان الله وبحمده ، سبحانه الله
العظيم )) .
وقوله : ((
أفضل كلمة قالها شاعر : كلمة لبيد : ألا كل
شىء ماخلا الله باطل )) .
ومنه قوله تعالى (
كبرت كلمة تخرج من أفواههم ) .
( سورة الكهف 5 ) الآية : وقوله : ( وتمت كلمة
ربك صدقاً وعدلا ) . ( سورة الأنعام 115 )،
وأمثال ذلك مما استعمل فيه لفظ (( الكلمة ))
من الكتـاب والسنة . بل وسائر كلام العـرب .
فإنما يراد به الجملة التامة ، كما كانوا
يستعملون الحرف في الإسم فيقولون : هذا حرف
غريب . أى لفظ الاسم غريب .
وقسم
سيبويه الكلام إلى اسم وفعل وحرف ، جاء
لمعنى ليس باسم ولا فعل . وكل من هذه الأقسام
يسمى حرفاً . لكن خاصة الثالث أنه حرف جاء
لمعنى ليس باسم ولا فعل . وسمى حرف الهجـاء
باسم الحرف . وهي أسماء . ولفظ الحرف يتناول
هذه الأسماء وغيرها .
كما قال
النبى صلى الله عليه وسلم (( من قرأ القرآن
فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات ، أما أنى لا
أقول : ألم حرف ، ولكن ألف حرف ، ولام حرف ،
وميم حرف )) . وقـد سأل الخليـل بن أحمـد
أصحابه عن النطق بحرف الزاى من زيد فقالوا :
زاى . فقال : جئتم بالاسم . وإنما الحرف (( ز )) .
ثم إن
النحاة اصطلحوا على أن هذا المسمى في اللغة
بالحرف يسمى كلمة . وأن لفظ الحرف يخص لما
جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل ، كحروف الجر
ونحوها . وأما ألفاظ حروف الهجاء فيعبر تارة
بالحرف عن نفس الحرف من اللفظ ، وتارة باسم
ذلك الحرف . ولما غلب هذا الاصطلاح صار
يتوهم من اعتاده أنه هكذا في لغة العرب .
ومنهم من يجعل لفظ الكلمة في اللغة لفظاً
مشتركاً بين الاسم مثلا ، وبين الجملة . ولا
يعرف في صريح اللغة من لفظ (( الكلمة )) إلا
الجملة التامة .
والمقصود
هنا : أن المشروع في ذكر الله سبحانه هو ذكره
بجملة تامة ، وهو المسمى بالكلام . والواحد
منه بالكلمة . وهو الذى ينفع القلوب ويحصل
به الثواب والأجر . ويجذب القلوب إلى الله
ومعرفته ومحبته وخشيته ، وغير ذلك من
المطالب العالية ، والمقاصد السامية .
وأما
الاقتصار على الاسم المفرد مُظهَراً أو
مضمراً فلا أصل له ، فضلا عن أن يكون من ذكر
الخاصة والعارفين ، بل هو سيلة إلى أنواع من
البدع والضلالات ، وذريعةٌ إلى تصورات وأحوال
فاسدة من أحوال أهل الإلحاد وأهل الاتحاد ،
كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضوع .
فصــــل
وجماع
الدين أصلان : ألا نعبد إلا الله . ولا نعبده
إلا بما شرع ، لا نعبده بالبدع .
كما قال تعالى (
فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحاً
ولا يشرك بعبادة ربه أحداً )،
( سورة الكهف 110 ) وذلك تحقيق الشهادتين
شهادة أن لا إله إلا الله ، وشهادة أن
محمداً رسول الله .
ففي
الأولى : أن لا نعبد إلا إياه . وفي الثانية
أن محمداً هو رسوله المبلغ عنه . فعلينا أن
نصدق خبره ونطيع أمره .
وقد
بين صلى الله عليه وسلم لنا مانعبد الله به .
ونهانا عن محدثات الأمور ، وأخبر أنها ضلالة ،
قال تعالى ( بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله
أجره عند ربه ، ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون ) (
سورة البقرة 112 ) .
وكما أننا مأمورون أن لانخاف
إلا الله ، ولانتوكل إلا على الله ولانرغب
إلا إلى الله ، ولا نستعين إلا بالله
وأن لاتكون عبادتنا إلا لله ، فكذلك نحن
مأمورون أن نتــبع الرسول ونطيعـه ، ونتأسى
به .
فالحلال
ماحلله ، والحرام ماحرمه . والدين ماشرعه .
قال تعالى : ( ولو
أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ، وقالوا
حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله
إنا إلى الله راغبون ) .
( سورة التوبة 59 ) فجعل الإيتاء لله
وللرسول .
كما قال : ( وما
آتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا )
. ( سورة الحشر 7 ) .
وجعل التوكل على الله وحده
بقوله : ( وقالوا حسبنا الله ) . ( سورة آل
عمران 173 ) .
ولم يقل ورسوله .
كما قال في وصف
الصحابة رضى الله عنهم : ( الذين قال لهم
الناس إن الناس قـد جمعوا لكـم فاخشوهم
فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم
الوكيل ) . ( سورة آل عمران 173 ) .
ومثله قوله : ( يا أيها النبى
حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) . ( سورة
الأنفال 64 ) .
أى حسبك وحسب المؤمنين كما قال :
( أليس الله بكـاف عبده ) . ( سورة الزمر 36 ) ،
ثم قال : ( وقالوا حسبنا الله سيؤتينا
الله من فضله ورسوله ) . ( سورة التوبة 59 )
فجعل الإيتاء لله وللرسول .
وقدم ذكر الفضل
لله ، لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء
والله ذو الفضل العظيم ، وله الفضل على
رسوله وعلى المؤمنين . وقال : (( إنا إلى الله
راغبون ) . ( سورة التوبة 59 ) .
فجعل الرغبة إلى الله وحده . كما
في قوله : ( فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب )
( الشرح 7 ، 8 ) .
وقال النبى صلى الله عليه وسلم
لابن عباس : (( إذا سألت فاسأل الله ، وإذا
استعنت فاستعن الله )) والقرآن يدل على مثل
هذا في غير موضع .
فجعل العبادة
والخشية والتقوى والطاعة لله ولرسوله ، كما
في قول نوح عليه السلام ( أن اعبدوا الله
واتقوه وأطيعون ) .
( سورة نوح 3 ) وقوله ( ومن يطع الله ورسوله
ويخشى الله ويتَّقه فأولئك هم الفائزون ) . (
سورة النور 52 ) وأمثال ذلك .
فالرسل
أَمروا بعبادته وحده والرغبة إليه والتوكل
عليه وطاعته والطاعة لهم ، فأضل الشيطان
النصارى وأشباهم ، فأشركوا بالله وعصوا
الرسول ، فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً
من دون الله والمسيح أبن مريم ، فجعلوا يرغبون
إليهم ويتوكلون عليهم ، ويسألونهم مع معصيتهم
لأمرهم ، ومخالفتهم لسنتهم . وهدى الله
المؤمنين المخلصين لله أهلَ الصراطِ
المستقيمِ ، الذين عرفوا الحق واتبعوه فلم
يكونوا من المغضوب عليهم ولا من الضالين .
فأخلصوا دينهم لله وأسلموا وجوههم لله .
وأنابوا إلى ربهم ، وأحبوه ورجوه وخافوه
وسألوه ، ورغبوا إليه ، وفوضوا أمورهم إليه ،
وتوكلوا عليه ، وأطاعوا رسله ، وعزروهم
ووقروهم ، وأحبوهم ووالوهم ، واتبعوهم
واقتفوا آثارهم ، واهتدوا بمنارهم .
وذلك
هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين
والآخرين من الرسل ، وهو الدين الذي لا يقبل
الله من أحد ديناً إلا إياه . وهو حقيقة
العبادة لرب العالمين .
فنسأل
الله العظيم أن يثبتنا عليه ، ويكمله لنا
ويميتنا عليه ، وسائر إخواننا المسلمين .
والحمد
لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله
وصحبه وسلم .
الصفحات
التالي
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
السابق