العـبودية

      وكثير ممن يتكلم في الحقيقة فيشهدها ، لا يشهد إلا هذه الحقيقة 0 وهى الحقيقة الكونية التي يشترك فيها وفي شهودها وفي معرفتها المؤمن والكافر ، والبَرُّو والفاجر بل إبليس معترف بهذه الحقيقة وأهل النار0

     قال إبليس ( رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ) (سورة ص 79 ) ، وقال : ( رب بما أغويتنى لأزينن لهـم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ) (سورة الحجر 39 ) ، وقال : ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين ) (سورة ص 82 ) ، وقال ( أرأيتك هذا الذي كَرَّمت علىّ ) (سورة الإسراء 62) 0

      وأمثال هذا من الخطاب الذي يقر فيه بأن الله ربه وخالقه وغيره ، وكذلك أهل النار قالوا : ( ربنـا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين ) ( المؤمنون 106 ) 0

      وقال تعالى عنهم ( ولو ترى إذ وقفوا على ربهم  قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا ) ( سورة الأنعام 30 ) 0

       فمن وقف عند هذه الحقيقة وعند شهودها ، ولم يقم بما أمر الله به من الحقيقة الدينية ، التي هي عبادته المتعلقة بألوهيتة وطاعة أمره وأمر رسوله ، كان من جنس إبليس ومن أهل النار ، فإن ظن مع ذلك أنه من خواص أولياء الله وأهل المعرفة والتحقيق ، الذين يسقط عنهم الأمر والنهي الشرعيان ، كان من شر أهل الكفر والإلحاد 0

     ومن ظن أن الخضر وغيره سقط عنهم الأمر لمشاهدة الإرادة ونحو ذلك ، كان قوله هذا من شر أقوال الكافرين بالله ورسوله ، حتى يدخل في النوع الثاني من معنى العبد ، وهو العبد بمعنى العابد فيكون عابداً لله ، لايعبد إلا إياه 0 فيطيع أمره وأمر رسله ، ويوالى أولياءه المؤمنين المتقين ، ويعادى أعداءه الكافرين والفاسقين 0

     وهذه العبادة متعلقة بألوهيته ، ولهذا كان عنوان التوحيد (( لا إله إلا الله )) بخلاف من يقر بربوبيته ولايعبده 0 أو يعبد معها إلهاً آخر 0

     فالإله : هو الذي يألهه القلب بكمال الحب والتعظيم ، والإجلال والإكرام ، والخوف والرجاء ، ونحو ذلك 0

     وهذه العبادة هي التي يحبها الله ويرضاها ، وبها وصف المصطفين من عباده ، وبها بعث رسله 0 وأمـا العبد : بمعنى المعبَّد ، سواء أقر بذلك أو أنكره ، فذلك المعنى يشترك فيه المؤمن والكافر 0

     وبالفرق بين هذه النوعين يعرف الفرق بين الحقائق الدينية : الداخلة في عبادة الله ودينه وأمره الشرعي التي يحبها ويرضاها ، ويوالي أهلها ويكرمهم بجنته ، وبين الحقائق الكونية التي يشترك فيها المؤمن والكـافر والبر والفاجر ، التي من اكتفى بها ولم يتبع الحقائق الدينية كان من أتباع إبليس اللعين ، والكـافرين برب العالمين ، ومن اكتفى فيها ببعض الأمور دون بعض ، أوفي مقام دون مقام0 أو حال دون حال ، نقص من إيمانه وولايته لله بحسب مانقص من الحقائق الدينية 0

     وهذا مقام عظيم غلط فيه الغالطون ، وكثر فيه الاشتبـاه على السالكين ، حتى زلق فيه من أكـابر الشيوخ المدعين للتحقيق والتوحيد والعرفان ، مالا يحصيه إلا الله الذي يعلم السر والإعلان 0

      ( ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى )

     وإلى هذا أشار الشيخ عبدالقادر رحمه الله تعالى فيما ذكر عنه 0 فبين أن كثيراً من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا ، إلا أنا فإني انفتحت لى فيه روزنة ، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق ،والرجل من يكون منازعاً للقدر ، لامن يكون موافقاً للقدر 0

     والذى ذكره الشيخ هو الذي أمر الله به ورسوله 0 لكن كثيراً من الرجال غلطـوا فيه 0 فإنه قـد يشهدون مايقدّر على أحدهم من المعاصى والذنوب ، أو مايقـدّر على الناس من ذلك 0 بل من الكفر ، ويشهدون أن هذا جار بمشيئة الله وقضائه وقدره ، داخل في حكـم ربوبيـته ومقتضى مشيئته ، فيظنون الاستسلام لذلك وموافقته والرضا به ونحو ذلك ديناً وطريقاً وعبادة ، فيضاهئون المشركين الذين قالـوا : ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شىء ) (سورة الأنعام 148 ) 0

     وقالوا : ( أنطعم من لويشاء الله أطعمه ) ( سورة يس 47) 0

     وقالوا : ( لو شاء الرحمن ماعبدناهم ) ( سورة الزخرف 20) ، ولو هدوا لعلموا أن القدر أمرنا أن نرضى به ، ونصير على موجبه في المصائب التي تصيبنا ، كالفقـر والمرض والخوف 0 قال تعالى ( ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ، ومن يؤمن بالله يهد قبله ) ( سورة التغابن 11 ) 0   قال بعض السلف : هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله ، فيرضى ويسلم 0

     وقال تعالى ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن تبرأها ، إن ذلك على الله يسير ، لكيلا تأسوا على مافاتكم ولاتفرحوا بما آتاكم ) ( سورة الحديد 22و23 ) 0

     وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((احتج آدم وموسى، فقال موسى : أنت آدم الذي خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وأسجد لك ملائكته ، وعلمك أسماء كل شىء 0 فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟ فقال: آدم أنت موسى الذى اصطفاك الله برسالاته وبكلامه ، فهل وجدت ذلك مكتوباً علىَّ قبل أن أخلق ؟ قال : نعم 0 قال : فحج آدم موسى ))0

      وآدم عليه السلام لم يحتج على موسى بالقدر ، ظناً أن المذنب يحتج بالقدر ، فإن هذا لايقوله مسلم ولاعاقل ، ولو كان هذا عذراً لكان عذراً لإبليس ؛ وقوم نوح ، وقوم هود ، وكل كافر ، ولاموسى لامَ آدم أيضاً لأجل الذنب ، فإن آدم قد تاب إلى ربه فاجتباه وهدى ، ولكن لامه لأجل المصيبة  التي لحقتهم بالخطيئة ، ولهذا قال : (( فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟ )) فأجابه آدم : إن كان مكتوباً عليَّ قبل أن أخلق 0 فكان العمل والمصيبة المترتبة عليه مقدراً ، وماقدر من المصائب يجب الاستسلام له ، فإنه من  تمام الرضا بالله رباً 0

     أما الذنوب فليس للعبد أن يذنب ، وإذا أذنب فعليـه أن يستغفر ويتوب من المعايب ، ويصبر على المصائب 0 قال تعالى : ( فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك ) (سورة غافر 55 ) 0

     وقال تعالى : ( وإن تصبروا وتتقوا لايضركم كيدهم شيئاً ) (سورة آل عمران 120 ) 0

     وقال : ( وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ) (سورة آل عمران 186) 0

     وقال يوسف : ( إنه من يتق ويصبر فإن الله لايضيع أجر المحسنين ) (سورة يوسف  90 ) 0

      وكذلك ذنوب العباد ، يجب على العبد فيها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب قدرته ، ويجاهد في سبيل الله الكفار والمنافقين ويوالى أولياء الله ، ويعادى أعداء الله ، ويحب في الله ويبغض في الله ، كما قال : ( يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تُلقون إليهم بالمودة ، وقد كفروا بما جـاءكم من الحق ، يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم ، إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلى وابتغاء مرضاتى ، تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنـتم ، ومن يفعله منكـم فقد ضل سـواء السبيل ، إن يَثْقَفُوكُمْ يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ، وودّوا لو تكفـرون 0 لن تنفعكم أرحامُكم ولا أولادكم يوم القيامة يَفْصِل بينكم والله بما تعملون بصـير0 قد كانت لكم أسوة حسنـة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا بُرَءاء مُنكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده ) ( سورة الممتحنة 1-4 ) 0

 

     وقال تعالى : ( لاتجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادَّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ) ( سورة المجادلة 22 )0

     وقال : ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين ) ( سورة القلم 35 ) 0

     وقال : ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض 0 أم نجعل المتقين كالفجـار ) ( سورة ص 28 ) 0

     وقال تعالى : ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ، سواء محياهم ومماتهم ساء مايحكمون ) ( سورة الجاثية 21 )0

     وقال تعـالى : ( وما يستوى الأعمى والبصـير ولا الظلمـات ولا النور ، ولا الظل  ولا الحرور ، ومايستوى الأحياء ولا الأموات ) (سورة فاطر 19-22 )0

     وقال تعالى : ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلماً لرجل ، هل يستويان مثلا  ) ( سورة الزمر 29 ) 0

     قال تعالى : ( ضرب الله مثلا عبداً مملوكا لايقدر على شىء - إلى قوله - وهو على صراط مستقيم  ) (سورة النحل : 75و76 )0

     وقال تعالى : ( لايستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة ، أصحاب الجنة هم الفائزو ن ) (سورة الحشر 20 ) 0

     ونظائر ذلك فيما يفرق الله فيه بين أهل الحق وأهل الباطل ، وأهل الطاعة وأهل المعصية ، وأهـل البر وأهل الفجور ، وأهل الهدى وأهل الضلال ، وأهل الغى وأهل الرشاد ، وأهل الصدق وأهل الكذب 0

     فمن شهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الدينية سوى بين هذه الأجناس المختلفة التى فرق الله بينها غاية التفريق ، حتى تؤول به هذه التسوية إلى أن يسوى بين الله وبين الأصنام 0 كما قال الله تعالى عنهم : ( تالله إن كنا لفى ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين ) (سورة الشعراء ) 0

      بل قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن سووا الله بكل موجود ، وجعلوا مايستحقه من العبادة والطاعة حقاً لكل موجود إذ جعلوه هووجود المخلوقات ، وهذا أعظم الكفر والإلحاد برب العالمين ، وهؤلاء يصل بهم الكفر إلى أنهم لايشهدون أنهم عباد الله ، لابمعنى أنهم مُعبَّدون ، ولابمعنى أنهم عابدون 0 إذ يشهدون أنفسهم هي الحق ، كما صـرح بذلك طواغيتهم كابن عربي صاحب الفصـوص وأمثاله من الملحدين المفترين ، كابن سبعين وأمثاله ، ويشهدون أنهم العابدون والمعبودون ، وهذا ليس بشهود للحقيقة ، لا الكونية ولا الدينية ، بل هو ضلال وعمى عن شهود الحقيقة الكونية ، حيث جعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق ، وجعلـوا كل وصف مذموم وممدوح نعتاً للخالق والمخلوق ، إذ وجود هذا هو وجود هذا عندهم 0

الصفحات

التالي  1  2  3  4  5  6  7  8  9  10    السابق

 

 

أهل السنة و الجماعة

 
كتاب العبودية
تعريفات هامة في العقيدة
خصائص أهل السنة والجماعة

مزيد من العناوين

 

جغرافيا الأديان

 
أبو الأنبـــياء إبراهيـــم عليه السلام
سيدنـــــا موسى عليه الســــــلام
نبي الله سليمان عليه السلام 
نبيّ الله هود عليه السلام
 

فتاوي العقيدة

 

السحر وطريقة علاجه

حكم إتيان الكهان

التعلق بالأنبياء والصالحين

الاستهزاء بشعائر الدين  

مزيد من العناوين

 

الديانات الكبرى

 
مقدمة محور الديانات
مدخل إلى دراسة الأديان
اليهودية

مزيد من العناوين

 

العقائد الشعبية

 

مقدمة حول العقائد الشعبية

** النشـرة

مزيد من العناوين

 

الفرق المخالفة

 
مقدمة عامة
 الزيـديـة
 الأحـباش

مزيد من العناوين

 
الإلحـــــاد