وخاصّةُ
الله يعلمون مع ذلك أن الله أمر بطاعته وطاعة
رسوله 0 ونهى عن معصيته معصية رسوله ، وأنه
لايحب الفساد 0 ولايرضى لعباده الكفر ، وأن
على الخلق أن يعبدوه فيطيعوا أمره ويستعينوا
به على ذلك ، كما قال في فاتحة الكتاب: ( إياك
نعبد وإياك نستعين ) 0 فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله العابدين لله 0 وكل ذلك من العبادة 0 وهؤلاء الذين يشهدون الحقيقة الكونية - وهي ربوبيته تعالى لكل شىء ويجعلون ذلك مانعاً من اتباع أمره الدينى الشرعى : على مراتب في الضلال 0 فغلاتهم يجعلون ذلك مطلقاً عاماً ، فيحتجون بالقـدر في كل مايخالفون فيه الشريعة، وقول هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى ، وهو من جنس قول المشـركين الذين قالوا : ( لوشاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شىء ) ( سورة الأنعام 148 )0 وقالوا : ( لوشاء الرحمن ماعبدناهم ) ( سورة الزخرف 20 )0
وهؤلاء من
أعظم أهل الأرض تناقضاً ، بل كل من احتج
بالقدر فإنه متناقض 0 فإنه لايمكن أن يقر كل
آدمى على مايفعل ، فلابد إذا ظلمة ظالم ، أو
ظلم الناس ظالم وسعى في الأرض بالفساد وأخذ
يسفك دماء الناس ويستحل الفروج ، ويهلك
الحرث والنسل ونحو ذلك من أنواع الضرر التي
لاقوام للناس بهـا : أن يدفع هذا القدر ، وأن
يعاقب الظالم بما يكف عوانه وعدوان أمثاله 0
فيقال له : إن كان القدر حجة فدع كل أحد يفعل
مايشاء بك وبغيرك 0 وإن لم يكن حجة بطل أصل
قولك : إن القدر حجة 0 ومنهم صنف يَدّعون التحقيق والمعرفة ، ويزعمون أن الأمر والنهى لازم لمن شهد لنفسه فعلاً وأثبت له صنعاً 0 أما من شهد أفعاله مخلوقة ، أو أنه مجبور على ذلك ، وأن الله هو المتصرف فيه كما يحرك سـائر المتحركات ، فإنه يرتفع عنه الأمر والنهى ، والوعد الوعيد 0
وقد
يقولون : من شهد الإرادة سقط عنه التكليف ،
ويزعمون أن الخضر سقط عنه التكليف لشهود
الإرادة 0
وقد
يفرقون بين من يعلم ذلك علماً ، وبين
مايـراه شهوداً ، فلا يسقطون التكليف عمن
يؤمن بذلك ويعلمه فقط ؟ ولكن يسقطونه عمن
يشهده فلا يرى لنفسه فعلاً أصلا 0 وهؤلاء
لايجعلـون الجبر وإثبات القدر مانعاً من
التكليف على هذا الوجه 0 وسبب ذلك : أنه ضاق نطاقهم عن كون العبد لايؤمر بما يُقَدَّر عليه خلافه 0 كما ضاف نطاق المعتزلة ونحوهم من القدرية عن ذلك 0 ثم المعتزلة أثبتت الأمر والنهى الشـرعيين ، دون القضـاء والقدر اللذين هما إرادة الله العامة وخلقه لأفعال العباد 0 وهؤلاء أثبتوا القضاء والقدر ونفوا الأمر والنهي في حق من شهد القدر ، إذ لم يمكنهم نفي ذلك مطلقاً 0 وقول هؤلاء : شر من قول المعتزلة ، ولهذا لم يكن في السلف من هؤلاء أحـد ، وهؤلاء يجعلون الأمر والنهى للمحجوبين الذين لم يشهدوا هذه الحقيـقة الكونية ، ولهذا يسقطون عمن وصـل إلى شهود هذه الحقيقة الأمر والنهى ، ويقولون : إنه صار من الخاصة ، وربما تأولوا على ذلك قوله تعالى : ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) ( سورة الحجر 99 ) ، فاليقين عندهم هو معرفة هذه الحقيقة 0 وقول
هؤلاء : كفر صريح ، وإن وقع فيه - بالتقـليد -
طوائف لم يعلموا أنه كفـر ، فإنه قد علم
بالاضطرار من دين الإسلام ، أن الأمـر والنهي
لازمان لكل عبد مادام عقـله حاضراً إلى أن
يمـوت ، لا يسقطان عنه لابشهوده القدر
ولابغير ذلك ، فمن لمن يعرف ذلك عُرِّفه
وبُيِّن له ، فإن أصر على اعتقاد سقوط الأمر
والنهى فإنه يقتل كفراً ، وقد كثرت مثل هذه
المقالات في المستأخرين 0
وكما قال تعالى عنهم ( سيقول
الذين أشركوا لوشاء الله ما أشركنا ولا
آباؤنا ولا حرمنا من شىء ) (سورة الأنعام 148)0 وكذلك في سورة الأعراف في قوله : ( يابنى آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكـم من الجنـة ( إلى قوله ) وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ، والله أمـرنا بهـا، قل إن الله لا يأمر بالفحشـاء أتقولون على الله مالا تعلمون قل أمر ربى بالقسط ، وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد (إلى قوله ) وكلـوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لايحب المسرفين . قل من حرَّ م زينة الله التي أخرج لعباده ، والطيبات من الرزق ( إلى قوله ) قل إنما حرَّم ربى الفواحش ماظهر منها وما بطن ، والإثم والبغي بغير الحـق ، وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطاناً ، وأن تقولوا على الله مالا تعلمون ) ( سورة الأعراف 27-33 )0 وهؤلاء
قد يسمون ما أحدثوه من البدع :حقيقة ، كما
يسمون مايشهدون من القدر حقيقة وطريق
الحقيقة عندهم : هو الرياضة والسلوك الذي لا
يتقيد صاحبه بأمر الشارع ونهيه ، ولكن بما
يراه هو ويذوقه ويجحده في قلبه الضال الغافل
عن الله ، ونحو ذلك 0 وإذا
حُقِقَ على هؤلاء مايزعمونه من العقليات
المخالفة للكتاب والسنة وُجِـدَت جهليات
واعتقادات فاسدة ، وكذلك أولئك الصوفية إذا
حقق عليهم مايزعمونه من حقائق أولياء الله ،
المخالفة للكتاب والسنة ، وجدت من الأهواء
التي يتبعها أعداء الله لا أولياؤه 0
فأهل
الإيمان لم من الذوق والوجد مثل مابينه
النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث
الصحيـح : (( ثلاث من كنَّ فيه وجد حلاوة
الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما
سواهما ، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله
، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن
أنقذه الله منه ، كما يكره أن يلقى في النار
))0
قال تعالى : ( أم
لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به
الله ) ( سورة الشورى 21 )0 الصفحات التالي
1
2
3 4
5
6
7
8
9
10
السابق
|
|