العـبودية

Art_1_copy.gif (54432 bytes)

     وأما المؤمنون بالله ورسوله عوامهم وخواصهـم الذين هم أهـل القرآن كما قال النبى صلى الله عليه وسلم : ( إن لله أهلين من الناس 0 قيل : من هم يارسول الله ؟ قال : أهل القرآن 0 أهـل الله وخاصته )) فهؤلاء يعلمون أن الله ربُ كل شىء ومليكُه وخالقُه ، وأن الخالق سبحانه مباينٌ للمخلوق ، ليس هو حالُّ فيه ولامتحد به ، ولا وجوده وجوده 0 والنصارى إنما كَفَّرهم الله إذ قالوا بالحلول واتحـاد الرب بالمسيح خاصة 0 فكيف من جعل ذلك عاماً في كل مخلوق ؟0

      وخاصّةُ الله يعلمون مع ذلك أن الله أمر بطاعته وطاعة رسوله 0 ونهى عن معصيته معصية رسوله ، وأنه لايحب الفساد 0 ولايرضى لعباده الكفر ، وأن على الخلق أن يعبدوه فيطيعوا أمره ويستعينوا به على ذلك ، كما قال في فاتحة الكتاب: ( إياك نعبد وإياك نستعين ) 0
     ومن عبادته وطاعته ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب الإمكان ، والجهاد في سبيـله لأهـل الكفر والنفاق ، فيجتهدون في إقامة دينه مستعينين به ، مزيلين بذلك ماقدر من السيئات ، دافعين مـا قد يخاف من آثار ذلك ، كما يزيل الإنسان الجوع الحاضر بالأكل ويدفع به الجوع المستقبل ، وكذلك إذا آن أوان البرد دفعه باللباس ، وكذلك كل مطلوب يدفع به مكروه ، كما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلـم : (( يارسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ، ورقى نسترقى بها ، وتقي نتقي بها ، هل ترد من قدر الله شيـئاً ؟ فقال : هي من قدر الله ))0 وفي الحديث : (( إن الدعاء والبلاء ليلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض ))0

     فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله العابدين لله 0 وكل ذلك من العبادة 0

      وهؤلاء الذين يشهدون الحقيقة الكونية - وهي ربوبيته تعالى لكل شىء ويجعلون ذلك مانعاً من اتباع أمره الدينى الشرعى : على مراتب في الضلال 0 فغلاتهم يجعلون ذلك مطلقاً عاماً ، فيحتجون بالقـدر في كل مايخالفون فيه الشريعة، وقول هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى ، وهو من جنس قول المشـركين الذين قالوا : ( لوشاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شىء ) ( سورة الأنعام 148 )0

     وقالوا : ( لوشاء الرحمن ماعبدناهم ) ( سورة الزخرف 20 )0

     وهؤلاء من أعظم أهل الأرض تناقضاً ، بل كل من احتج بالقدر فإنه متناقض 0 فإنه لايمكن أن يقر كل آدمى على مايفعل ، فلابد إذا ظلمة ظالم ، أو ظلم الناس ظالم وسعى في الأرض بالفساد وأخذ يسفك دماء الناس ويستحل الفروج ، ويهلك الحرث والنسل ونحو ذلك من أنواع الضرر التي لاقوام للناس بهـا : أن يدفع هذا القدر ، وأن يعاقب الظالم بما يكف عوانه وعدوان أمثاله 0 فيقال له : إن كان القدر حجة فدع كل أحد يفعل مايشاء بك وبغيرك 0 وإن لم يكن حجة بطل أصل قولك : إن القدر حجة 0
      وأصحاب هذا القول الذين يحتجون بالحقيقة الكونية لايطردون هذا القول ولايلتزمونه ، وإنمـا هم يتبعون آراءهم وأهواءهم ، كما قال فيهم بعض العلماء : أنت عند الطاعة قدرى : وعند المعصية جبري0 أى مذهب وافق هواك ، تمذهبت به 0

      ومنهم صنف يَدّعون التحقيق والمعرفة ، ويزعمون أن الأمر والنهى لازم لمن شهد لنفسه فعلاً وأثبت له صنعاً 0 أما من شهد أفعاله مخلوقة ، أو أنه مجبور على ذلك ، وأن الله هو المتصرف فيه كما يحرك سـائر المتحركات ، فإنه يرتفع عنه الأمر والنهى ، والوعد الوعيد 0

     وقد يقولون : من شهد الإرادة سقط عنه التكليف ، ويزعمون أن الخضر سقط عنه التكليف لشهود الإرادة 0
      فهؤلاء : يفرقون بين العامة والخاصة الذين شهدوا الحقيقة الكونية ، فشهدوا أن الله خالق أفعال العباد  وأنه مريد ومدبر لجميع الكائنات 0

     وقد يفرقون بين من يعلم ذلك علماً ، وبين مايـراه شهوداً ، فلا يسقطون التكليف عمن يؤمن بذلك ويعلمه فقط ؟ ولكن يسقطونه عمن يشهده فلا يرى لنفسه فعلاً أصلا 0 وهؤلاء لايجعلـون الجبر وإثبات القدر مانعاً من التكليف على هذا الوجه 0
      وقد وقع في هذا طوائف من المنتسبين إلى التحقيق والمعرفة والإسلام 0

     وسبب ذلك : أنه ضاق نطاقهم عن كون العبد لايؤمر بما يُقَدَّر عليه خلافه 0 كما ضاف نطاق المعتزلة ونحوهم من القدرية عن ذلك 0

     ثم المعتزلة أثبتت الأمر والنهى الشـرعيين ، دون القضـاء والقدر اللذين هما إرادة الله العامة وخلقه لأفعال العباد 0 وهؤلاء أثبتوا القضاء والقدر ونفوا الأمر والنهي في حق من شهد القدر ، إذ لم يمكنهم نفي ذلك مطلقاً 0

     وقول هؤلاء : شر من قول المعتزلة ، ولهذا لم يكن في السلف من هؤلاء أحـد ، وهؤلاء يجعلون الأمر والنهى للمحجوبين الذين لم يشهدوا هذه الحقيـقة الكونية ، ولهذا يسقطون عمن وصـل إلى شهود هذه الحقيقة الأمر والنهى ، ويقولون : إنه صار من الخاصة ، وربما تأولوا على ذلك قوله تعالى : ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) ( سورة الحجر 99 ) ، فاليقين عندهم هو معرفة هذه الحقيقة 0

      وقول هؤلاء : كفر صريح ، وإن وقع فيه - بالتقـليد - طوائف لم يعلموا أنه كفـر ، فإنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام ، أن الأمـر والنهي لازمان لكل عبد مادام عقـله حاضراً إلى  أن يمـوت ،  لا يسقطان عنه لابشهوده القدر ولابغير ذلك ، فمن لمن يعرف ذلك عُرِّفه وبُيِّن له ، فإن أصر على اعتقاد سقوط الأمر والنهى فإنه يقتل كفراً ، وقد كثرت مثل هذه المقالات في المستأخرين 0
      وأما المتقدمون من هذه الأمة 0 فلم تكن هذه المقالات معروفة فيهم 0 وهذه المقالات : هي محادة  لله ورسوله ، ومعاداة له ، وصد عن سبيله ومشاقة له ، وتكذيب لرسله ، ومضادة له في حكمـه ، وإن كان من يقول هذه المقالات : قد يجهل ذلك ، ويعتقد أن هذا الذي هو عليه طريق الرسول وطريق أوليـاء الله المحققين ، فهو في ذلك بمنزلة من يعتقد أن الصلاة لاتجب عليه لاستغنائه  عنها بما حصـل له من الأحـوال القلبية ، أو أن الخمر حلال له ، لكونه من الخواص الذين لايضرهم شرب الخمر ، أو أن الفاحشة حلال له  لأنه صار كالبحر لاتكدره الذنوب ونحو ذلك 0
      فلا ريب أن المشركين الذين كذبوا الرسل يترددون بين البدعة المخالفة لشرع الله ، وبين الاحتجاج بالقدر على مخـالفة أمر الله ، فهؤلاء الأصناف فيهم شبه من المشركين ، لأنهم إما أن  يبتدعوا ، وإما أن يحتجوا بالقدر ، وإما أن يجمعوا بين الأمرين ، كما قال تعالى عن المشركين : ( وإذا فعلوا فاحشـة  قالوا وجدنا عليها آباءنا والله امرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون ) (سورة الأعراف 28) 0

         وكما قال تعالى عنهم ( سيقول الذين أشركوا لوشاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شىء ) (سورة الأنعام 148)0
          وقد ذكر عن المشركين ما ابتدعوه من الدين ، الذي فيه تحليل الحرام عبادة الله بما لم يشرع الله في مثل قوله تعالى ( وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ، وأنعام حرمت ظهورها ، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه ) (سورة الآنعام 138) إلى آخر السورة 0

     وكذلك في سورة الأعراف في قوله : ( يابنى آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكـم من الجنـة  ( إلى قوله ) وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ، والله أمـرنا بهـا، قل إن الله لا يأمر بالفحشـاء أتقولون على الله مالا تعلمون قل أمر ربى بالقسط ، وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد (إلى قوله ) وكلـوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لايحب المسرفين  . قل من حر‍َّ م زينة الله التي أخرج  لعباده ، والطيبات من  الرزق ( إلى قوله ) قل إنما حرَّم ربى الفواحش ماظهر منها وما بطن ، والإثم والبغي بغير الحـق ، وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطاناً ، وأن تقولوا على الله مالا تعلمون ) ( سورة الأعراف 27-33 )0

                   وهؤلاء قد يسمون ما أحدثوه من البدع :حقيقة ، كما يسمون مايشهدون من القدر حقيقة  وطريق الحقيقة عندهم : هو الرياضة والسلوك الذي لا يتقيد صاحبه بأمر الشارع ونهيه ، ولكن بما يراه هو ويذوقه ويجحده في قلبه الضال الغافل عن الله ، ونحو ذلك 0
     وهؤلاء لايحتجون بالقدر مطلقـاً 0 بل عمدتهم اتبـاع آرائهم وأهوائهم وجعلهم مايرونه ومايهوونه حقيقة 0 ويأمرون باتباعها دون اتباع أمر الله ورسوله ، نظير بدع أهل الكلام من الجهمية وغيرهم ، الذين يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المخالفة للكتاب والسنة حقائق عقليـة يجب اعتقادهـا دون مادلت عليـه السمعيات ، ثم الكتاب والسنة ، إما أن يحـرفوا القول فيهما عن مواضعه ، وإما أن يعرضوا عنه بالكلية ، فلا يتدبرونه ولا يعقلونه ، بل يقولون : نفوِّض معناه إلى الله ، مع اعتقادهم نقيض مدلوله 0

      وإذا حُقِقَ على هؤلاء مايزعمونه من العقليات المخالفة للكتاب والسنة وُجِـدَت جهليات واعتقادات فاسدة ، وكذلك أولئك الصوفية إذا حقق عليهم مايزعمونه من حقائق أولياء الله ، المخالفة للكتاب والسنة ، وجدت من الأهواء التي يتبعها أعداء الله لا أولياؤه 0
     وأصل كل ضلال من ضل : إنما هو بتقديم قياسه على النص المنزل من عند الله وتقديم اتباع الهوى على اتباع أمر الله 0 فإن الذوق والوجد ، ونحو ذلك : هو بحسب مايحبه العبد ويهواه 0 فكل محبٍ له ذَوْقٌ ووجد بحسب محبته وهواه 0

     فأهل الإيمان لم من الذوق والوجد مثل مابينه النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث الصحيـح : (( ثلاث من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه ، كما يكره أن يلقى في النار ))0
     وأما أهل الكفر والبدع والشهوات ، فكل بحسبه 0  
     قيل لسفيان بن عينة : ما بال أهل الأهواء لهم محبة شديدة لأهوائهم ؟ فقال : أنسيت قوله تعـالى :   ( وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ) ( سورة البقرى 93 ) أو نحو  هذا من الكلام 0
     فعباد الأصنام يحبون آلهتهم ، كما قال تعالى ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله ، والذين آمنوا أشد حُبّاً لله ) ( سورة البقرة 165) 0
         وقال : ( فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتَّبعون أهواءهم ومن أضلّ ممن اتبع هواه بغير هـدى من الله ) ( سورة القصص 50 ) 0
        وقال : ( إن يتبعون إلا الظن وماتهوى الأنفس ، ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) (سورة النجم 23)0
        ولهذا يميل هؤلاء ويغرمون بسماع الشعر والأصوات والآلات الموسيقية التي تهيج المحبة المطلقة التي لاتختص بأهل الإيمان ، بل يشترك فيها محب الرحمن ، ومحب الأوثان ، ومحب الصلبان ، ومحب الأوطان ، ومحب الإخوان ، ومحب المردان ، ومحب النسوان ، وهؤلاء هم الذين يتبعون أذواقهم ومواجيدهم من غير اعتبار لذلك بالكتاب والسنة ، وما كان عليه سلف الأمة 0
     فالمخالف لما بعث الله به ورسوله من عبادته وحده وطاعته وطاعة رسوله لايكون متبعاً لدين شرعه الله أبداً ، كما قال تعالى : ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون، إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً (إلى قوله) والله ولى المتقين ) ( سورة الجاثية 18و19) ، بل يكون متبعاً لهواه بغير هدى من الله 0

     قال تعالى : ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله ) ( سورة الشورى 21 )0
      وهم في ذلك تارة يكونون على بدعة يسمونها حقيقة ، يقدمونهـا على ماشرعه الله ، وتارة يحتـجون بالقدر الكونى على الشريعة ، كما أخبر الله عن المشركين كما تقدم 0

الصفحات

التالي  1  2  3  4  5  6  7  8  9  10    السابق

 

 

أهل السنة و الجماعة

 
كتاب العبودية
تعريفات هامة في العقيدة
خصائص أهل السنة والجماعة

مزيد من العناوين

 

جغرافيا الأديان

 
أبو الأنبـــياء إبراهيـــم عليه السلام
سيدنـــــا موسى عليه الســــــلام
نبي الله سليمان عليه السلام 
نبيّ الله هود عليه السلام
 

فتاوي العقيدة

 

السحر وطريقة علاجه

حكم إتيان الكهان

التعلق بالأنبياء والصالحين

الاستهزاء بشعائر الدين  

مزيد من العناوين

 

الديانات الكبرى

 
مقدمة محور الديانات
مدخل إلى دراسة الأديان
اليهودية

مزيد من العناوين

 

العقائد الشعبية

 

مقدمة حول العقائد الشعبية

** النشـرة

مزيد من العناوين

 

الفرق المخالفة

 
مقدمة عامة
 الزيـديـة
 الأحـباش

مزيد من العناوين

 
الإلحـــــاد