|
العـبودية
مثال ذلك :
اسم (( الفناء )) فإن الفناء ثلاثة أنواع : نوع
للكـاملين من الأنبياء والأولياء ، ونوع
للقاصدين من الأولياء والصالحين ، ونوع
للمنافقين الملحدين المشبهين .
فأما
الأول : فهو الفناء عن إرادة ماسوى الله ،
بحيث لايحب إلا الله ، ولا يعبد إلا إياه
،ولا يتوكل إلا عليه ، ولا يطلب من غيره 0
وهو المعنى الذى يجب أن يقصد بقول الشيخ أبي
يزيد حيث قال : أريدُ أن لا أريد ، أى
المراد المحبوب المرضى 0 وهو المراد
بالإرادة الدينية 0 وكمال العبد ألايريد
ولا يحـب ولا يرضى إلا ما أراده الله ورضيه
وأحبه ، وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب
، ولا يحب إلا مايحبه الله ، كالملائكة
والأنبياء والصالحين .
وهذا معنى قولهم
في قوله : ( إلا من أتى الله بقلب سليم ) .
( سورة الشعراء 89 ) قالوا : هو
السليم مما سوى الله ، أو مما سوى
عبادة الله ، أو مما سوى إرادة الله ، أو مما
سوى محبة الله ، فالمعنى واحد.
وهذا
المعنى إن سمِّيَ فناء ، أو لم يسم هو أول
الإسلام وآخره ، وباطن الدين وظاهره 0
وأما
النوع الثاني : فهو الفناء من شهود السوى .
وهذا يحصل لكثير من السالكين 0 فإنهم لفـرط
انجذاب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ومحبته ،
وضعف قلوبهم عن أن تشهد غير ماتعبد ، وترى غير
ماتقصد ، لا يخطر بقلوبهم غير الله ، بل ولا
يشعرون .
كما قيل في قوله
تعالى : ( وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت
لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها ) .
( سورة القصص 10) قالوا : فارغا من كل شىء ،
إلا من ذكر موسى 0
وهذا
كثيراً مايعرض لمن دهمه أمر من الأمور إما حب
وإما خوف ، وإما رجاء : يبقى قلبه منصرفاً عن
كل شىء ، إلا عما قد أحبه أو خافه أو طلبه ؛
بحيث يكون عند استغراقه في ذلك لا يشعـر بغيره
. فإذا قوى على صاحب الفناء هذا فإنه يغيب
بموجوده عن وجوده ، وبمشهوده عن شهوده ،
وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته ، حتى
يفنى من لم يكن وهو المخلوقات المعبدة ممن
سواه ، ويقى من لم يزل وهو الرب تعالى
والمراد فناؤها في شهود العبد وذكره ، وفناؤه
عن أن يدركها أو يشهدها ، إذا قوى هذا ضعف
المحب حتى يضطرب في تميزه ، فقد يظن أنه هو
محبوبه 0
كما يذكر
أن رجلا ألقى نفسه في اليم فألقى محبة نفسه
خلفه . فقال : أنا وقعت ، فما أوقعك خلفى؟ قال
: غبت بك عنى ، فظننت أنك أنى .
وهذا
الموضع زلَّت فيه أقوام وظنوا أنه اتحاد ،
وأن المحب يتحد بالمحبوب ، حتى لا يكون
بينهما فرق في نفس وجودهما . وهذا ضلال بعيد
، فإن الخالق لا يتحد به شىء أصلا لأنه ( ليس
كمثله شىء وهو السميع البصير ) . (سورة
الشورى 11) وهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم
يولد ولم يكن له كفواً أحد.
بل لا يمكن
أن يتحد شىء بشىء ، إلا إذا استحالا وفسدت
حقيقة كل منهما ، وحصل من أتحادهما أمر ثالث
، لاهو هذا ولا هذا ، كما إذا اتحد الماء
واللبن ، والماء والخمر ، ونحو ذلك . ولكن
يتحد المراد والمحبوب ، والمراد والمكروه ،
ويتفقان في نوع الإرادة والكراهة . فيحب هذا
مايحب هذا ، ويبغض هذا مايبغض هذا ،
ويرضى مايرضى ، ويسخط مايسخط ، ويكره
مايكره ، ويوالى من يوالى ، ويعـادى من
يعادى . وهذا الفناء كله فيه نقص .
وأكابر
الأولياء ، كأبي بكر وعمر والسابقين
الأولين من المهاجرين والأنصار لم يقعوا في
مثل هـذا الفناء ، فضلا عمن هم فوقهم من
الأنبياء .
وإنما وقع
شىء من هذا بعد الصحابة ، وكذلك كل ماكان من
هذا النمط مما فيه غيبة العقل وعدم
التمييز لما يرد على القلب من الأحوال . فإن
الصحابة رضى الله عنهم كانوا أكمل وأقوى
مقولا . وأثبت فى الأحوال الإيمانية من أن
تغيب عقولهم ، أو يحصل لهم غشى أو صعق أو سكر
، أو فناء ، أو وَلَهٌ ، أو جنون .
وإنما كان
مبادئ هذه الأمور في التابعين من عبَّاد
البصرة . فإنه كان فيهم من يغشى عليه إذا
سمـع القرآن ، ومنهم من يموت كأبى جهير
الضرير ، وزرارة بن أبي أوفى قاضى البصرة
.
وكذلك صار
في شيوخ الصوفية من يعرض له من الفناء
والسكر مايضعف معه تمييزه ، حتى يقول في تلك
الحال من الأقوال ما إذا صحا عرف أنه غالط
فيه ، كما يحكى نحو ذلك عن مثل أبي يزيد وأبي
الحسن الثورى ، وأبي بكر الشبلي وأمثالهم ،
بخلاف أبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي
والفضيل بن عياض ، بل وبخلاف الجنيد
وأمثالهم ، ممن كانت عقولهم وتمييزهم
يصحبهم في أحوالهم 0 فلا يقعون في مثـل هذا
الفناء والسكر ونحوه ، بل الكُمَّل - من
المؤمنين الذين لايهتدون إلا بهدى الكتاب
والسنة - لا يكون في قلوبهم سوى محبة
الله وإرادته وعبادته . لأن عندهم من سعة
العلم والتمييز مايشهدون به الأمور على
ماهي عليه ، بل يشهدون المخلوقات قائمة
بأمر الله ، مدبرة بمشيئته . بل مستجيبة له ،
قانتة له . فيكون لهم فيها تبصرة وذكرى .
ويكون مايشهدونه من ذلك مؤيداً وممداً لما
في قلوبهم من إخلاص الدين ، وتجريد التوحيد
لله ، والعبادة له وحده لاشريك له .
وهذه
هي الحقيقة التي دعا إليها القرآن ، وقام
بها أهل تحقيق الإيمان والكمل من أهل
العرفان . ونبينا صلى الله عليه وسلم إمام
هؤلاء وأكملهم . ولهذا لما عرج به إلى
السموات وعاين ماهنالك من الآيات , وأوحى
إليه ربه من أنواع المناجاة ما اوحى . أصبح
فيهم وهولم يتغير حاله ، ولاظهر عليه ذلك.
بخلاف ما كان يظهر على موسى من التغشى صلى
الله عليهم أجمعين .
وأما
النوع الثالث : مما قد يسمى فناء : فهو أن
يشهد ألا موجود إلا الله ، وأن وجود الخالق
هـو وجود المخلوق . فلا فرق بين الرب والعبد
، فهذا فناء أهل الكفر والضلال والإلحاد ،
الواقعين في الحلول والاتحاد . وهذا يبرأ
منه المشايخ المستقيمون على هدى الكتاب
والسنة ، كالصحابة والأئمة والمهتـدين .
فإنهم إذا
قال أحدهم ما أرى غير الله ، أو لا أنظر إلى
غير الله ونحو ذلك . فمرادهم بذلك إلا ماأرى
رباً غيره ، ولاخالقاً ولا مدبراً غيره ،
ولا إلهاً لي غيره ، ولا أنظر إلى غيره محبة
له أو خوفاً منه أو رجاء له، فإن العين تنظر
إلى مايتعلق به القلب . فمن أحب شيئاً أو
رجاه أو خافه التفت إليه . وإذا لم يكن في
القلب محبة له ولا رجاء له ، ولا خوف منه ،
ولا بغض له ، ولا غير ذلك من تعلق القلب له :
لم يقصد القلب أن يلتفت إليه ، ولا أن ينظر
إليه ، ولا أن يره . وإن رآه اتفاقا رؤية
مجردة كان كما لو رأى حائطا ونحوه مما ليس
في قلبه تعلق به .
والمشايخ
والصالحون رضي الله عنهم يذكرون شيئاً من
تجريد التوحيد وتحقيق إخلاص الـدين كله ،
بحيث لا يكون العبد ملتفتا إلى غير الله ، ولا
ناظراً إلى ماسواه : لا حباً له ولا خوفاً منه
ولا رجاء له ، بل يكون القلب فارغاً من
المخلوقات . خالياً منها ، لا ينظر إليها إلا
بنور الله . فبالحق يسمع ، وبالحق يبصر ،
وبالحق يبطش ، وبالحق يمشي ، فيحب منها مايحبه
الله ، ويبغض منها مايبغضه الله ، ويوالي
منهـا ما والاه الله ، ويعادي منها ماعاداه
الله ، ويخاف الله فيها ولايخافها في الله ،
ويرجو الله فيها ولا يرجوها في الله .
فهذا هو
القلب السليم الحنيف المسلم المؤمن المحقق
الموحد العارف بمعرفة الأنبياء والمرسلين
وبحقيقتهم وتوحيدهم .
فهذا
النوع الثالث - الذي هو الفناء في الموجـود -
هو تحقيق آل فرعـون ومعرفتهم وتوحيدهم
كالقرامطة وأمثالهم . من كل من يدين بوحدة
الوجود الذين نطق عنهم الحلاج وابن عربي
وابن الفارض وابن سبعين والعفيف التلمساني
.
أما
النوع الذي عليه أتباع الأنبياء فهو التحقيق
المحمود الذي يكون صاحبه به ممن أثنى الله
عليهم من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين ،
وجنده الغالبين .
وليس مراد
المشايخ والصالحين بهذا القول : أن أراه
بعينى من المخلوقات : هو رب الأرض والسموات
، فإن هذا لا يقوله إلا من هو في غاية الضلال
والفساد : إما فساد العقل ، وإما فساد
الاعتقاد . فهو متردد بين الجنون والإلحاد .
وكل المشايخ الذين يقتدى بهم في الدين
متفقون على ما اتفـق عليـه سلف الأمة
وأئمتها ، ومن أن الخالق سبحانه مباين
للمخلوقات ، وليس في مخلوقاته شىء من ذاته ،
ولا في ذاته شىء من مخلوقاته . وأنه يجب
إفراد القديم عن الحادث ، وتمييز الخالق عن
المخلوق .
وهذا
في كلامهم أكبر من أن يمكن ذكره هنا . وهم قد
تكلموا على مايعرض للقلوب من الأمراض
والشبهات ، وأن بعض الناس قد يشهد وجود
المخلوقات ، فيظنه خالق الأرض والسموات ،
لعدم التمييز والفرقان في قلبه - بمنزلة من
رأى شعاع الشمس فظن أن ذلك هو الشمس التي في
السماء . وهــم قد يتكلمون في الفرق والجمع
ويدخل في ذلك من العبارات المختلفة نظير ما
دخل في الفناء .
فإن العبد إذا شهد
التفرقة والكثرة في المخلوقات يبقى قلبه
متعلقاً بها مشتتاً إليها وتعلقه بها إما
خوفاً ، وإما رجاء . فإذا انتقل إلى الجمع
اجتمع قلبه على توحيد الله وعبادته وحده
لاشريك له فالتفت قلبه إلى الله بعد
التفاته إلى المخلوقين . فصارت محبته لربه ،
وخوفه من ربه ، ورجاؤه لربه واستعانته بربه
وهو في هـذا الحال قد لايسع قلبه النظر إلى
المخلوق ، ليفرق بين الخالق . فقد يكون
مجتمعاً على الحق معرضاً عن الخلق ، نظراً
وقصداً . وهو نظير النوع الثاني من الفناء .
ولكن بعد ذلك الفــرق الثاني . وهو أن يشهـد
أن المخلوقات قائمة بالله مدبرة بأمره ،
ويشهد كثرتها معدومة بوحدانية الله سبحانه
وتعالى ، وأنه سبحانه رب المخلوقات ،
وإلهها ، وخالقها ، ومالكها . فيكون مع
اجتماع قلبه على الله إخلاصاً ومحبة وخوفاً
ورجـاء واستعانة وتوكلا على الله وموالاة
فيه ومعاداة فيه ، وأمثال ذلك : نظراً إلى
الفرق بين الخالق والمخـلوق ، مميزاً بين
هذا وهذا ، يشهد في تفرق المخلوقات كثرتها ،
مع شهادته أن الله رب كل شىء ومليكه وخالقه
، وأنه هو الله لا إله إلا هو 0
وهذا
هو الشهود الصحيح المستقيم ، وذلك واجب في
علم القلب وشهادته وذكره ومعرفته ، وفي حال
القلب وعبادته ، وقصده وإرادته ، ومحبته
وموالاته وطاعته . وذلك تحقيق شهادة أن لا
إله إلا الله . فإنها تنفى عن القلب ألوهية
سوى الحق . وتثبت في قلبه ألوهية الحق .
فيكون نافياً لألوهية كل شىء من المخلوقات
، بحيث يكون عالماً بالله تعالى ذاكراً له
عارفاً به .
وهو مع ذلك
عالم بمباينته لخلقه وانفراده عنهم وتوحده
دونهم . ويكون محباً لله معظماً له ، عابداً
له راجياً له خائفاً منه ، موالياً فيه
معادياً فيه . مستعيناً به ، متوكلا عليه ،
ممتنعاً عن عبادة غيره ، والتوكل عليه ،
والاستعانة به ، والخوف منه والرجاء له ،
والموالاة فيه والمعاداة فيه ، والطاعة
لأمره ، وأمثـال ذلك مما هو من خصائص
إلهية الله سبحانه وتعالى .
وإقراره
بألوهية الله تعالى دون ماسواه يتضمن إقراره
بربوبيته وهو أنه رب كل شىء ومليكه وخالقه
ومدبره فحينئذ يكون موحداً لله . وذلك يبين أن
أفضل الذكر (( لا إله إلا الله )) كما رواه
الترمذى وابن أبي الدنيا وغيرهما مرفوعاً إلى
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال (( أفضل
الذكر : لا إله إلا الله . وأفضل الدعاء : الحمد
لله )) وفي الموطأ وغيره عن طلحة بن عبد الله بن
كثير أن النبى صلى الله عليه وسلـم قال (( أفضل
ماقلت أنا والنبيون من قبلى : لا إله إلا الله
وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو
على كل شىء قدير )) 0
ومن زعم أن
هذا ذكر العامة ، وأن ذكر الخاصة : وهو الاسم
المفرد ، وذكر خاصة الخاصة : ((هو)) الاسم
المضمر فهو ضال مضل ، واحتجاج بعضهم على ذلك
بقوله ( قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ) . (
سورة الأنعام 91) من أبين غلط هؤلاء ، بل
من تحريفهم للكلم عن مواضعه . فإن الاسم ((
الله )) مذكور في الأمر بجواب الاستفهام في
الآية قبله وهو قوله ( من أنزل الكتاب الذي
جاء به موسى نوراً وهدى للناس (إلى قوله) قل
الله ) أى الله هو الذي أنزل الكتاب الذي جاء
به موسى . فالاسم (( الله )) مبتدأ ، خبره قد دل
عليه الاستفهام . كما في نظائر ذلك . تقول :
من جارك ؟ فيقول : زيد .
وأما
الاسم المفرد مظهراً أو مضمراً . فليس بكلام
تام ، ولا جملة مفيدة ، ولا يتعلق به إيمان ولا
كفر ، ولا أمر ولا نهى . ولم يذكر ذلك أحد من
سلف الأمة . ولا شرع ذلك رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، ولا يعطى القلب بنفسه معرفة
مفيدة ، ولا حالا نافعاً . وإنما يعطيه تصوراً
مطلقاً لا يحكم عليه بنفـى ولا إثبات . فإن لم
يقترن من معرفة القلب وحاله مايفيد بنفسه
وإلا لم يكن فيه فائدة . والشريعة إنما تشـرع
من الأذكار مايفيد بنفسه . لا ماتكون الفائدة
حاصلة بغيره .
وقد وقع
بعض من واظب على هذا الذكر بالاسم المفرد ،
وبهو ، في فنون من الإلحـاد وأنواع من
الاتحاد : كما قد بسط في غير هذا الموضع .
ومايذكر
عن بعض شيوخ من أنه قال : أخاف أن أموت بين
النفى والإثبات : حال لايقتدى فيهـا
بصاحبها . فإن ذلك من الغلط مالا خفاء به إذ
لو مات العبد في هذا الحال لم يمت إلا على
ماقصده ونواه ، إذ الأعمال بالنيات : وقد
ثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر
بتلقـين الميت (( لا إله إلا الله )) وقال ((من
كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ))
ولو كان ماذكره محظوراً لم يلقن الميت كلمة
يخاف أن يموت في أثنائها موتاً غير محمود ،
بل كان يلقن ما اختاره من ذكر الاسم المفرد .
والذكر
بالاسم المضمر المفرد أبعد عن السنة وأدخل في
البدعة . وأقرب إلى إضلال الشيطان . فإن من قال
: ياهو ، ياهو ، أو هو هو ، ونحو ذلك لم يكن
الضمير عائداً إلا إلى مايصوره قلبه . والقلب
قد يهتدى وقد يضل . وقد صنف صاحب الفصوص كتاباً
سماه كتاب الهو . وزعم بعضهم أن قوله (
ومايعلمـ تأويله إلا الله ) معناه : ومايعلم
تأويل هذا الاسم الذى هو الهو .
هذا
، وإن مما اتفق المسلمون بل العقلاء على أنه
من أبين الباطل ، فقد يظن هذا من يظنه من هؤلاء
، حتى قلت مرة لبعض من قال شيئاً من ذلك : لو
كان هذا كما قلته لكتبت الآية : وما يعلم تأويل
((هو)) منفصلة .
ثم كثيراً مايذكر
بعض الشيوخ أنه يحتج على قول القائل (( الله
)) بقوله ( قل الله ، ثم ذرهم ) ويظن أن الله
أمر نبيه بأن يقول الاسم المفرد وهو غلط بل
تحريف باتفاق أهل العلم . فإن قوله ( قل الله
) معناه : الله الذى أنزل الكتاب الذي جاء به
موسى . وهو جواب لقوله ( قل من أنزل الكتاب
الذي جـاء به موسى نوراً وهدى للناس ،
تجعلونه قراطيس تبدونها ، وتخفون كثيراً ،
وعلمتم مالم تعلموا أنتم ، ولا آباؤكم قل
الله )
، ( سورة الأنعام 91) أى الله الذى أنزل
الكتاب الذي جاء به موسى . والكلام رد لقول
من قال من المكذبين لرسول الله : ( ما أنزل
الله على بشر من شىء ) فقال : ( من أنزله ، ثم
ذر هؤلاء المكـذبين في خوضهم يلعبون .
ومما يبين
ماتقدم : ماذكره سيبوبه وغيره من أئمة النحو
: أن العرب يحكون بالقول ماكان كلاماً، لا
يحكون به ما كان قولا . فالقول لايحكى به إلا
كلام تام ، أو جاءت بعد القول ، فالقول لا
يحكى به اسم ، والله تعالى لا يأمر أحدكم
بذكر اسم مفرد ، ولا شرع للمسلمين ذكراً
باسم مفرد ومجرد ، والاسم المجرد لا يفيد
شيئاً من الإيمان باتفاق أهل الإسلام ، ولا
يؤمر به في شىء من العبادات ، ولا في شىء من
المخاطبات .
ونظير من اقتصر
على الاسم المفرد : مايذكر أن بعض الأعراب
مرَّ بمؤذن يقول : (( أشهد أن محمدٌ رسول الله
)) فقال : ماذا يقول هذا ؟ هذا الاسم ، فأين
الخبر عنه الذى يتم به الكلام ؟ وما في
القرآن من قوله ( واذكر اسم ربك وتبتل إليه
تبتيلا ) . ( سورة المزمل 8 ) 0
وقوله : ( سبح اسم ربك الأعلى ) . (
سورى الأعلى آية 1 ) .
وقوله : ( قد أفلح من تزكى . وذكر
اسم ربه فصلى ) . ( سورة الأعلى 14و15 ) .
وقوله : ( فسبح باسم ربك العظيم )
. ( سورة الواقعة 74 ) و نحو
ذلك لايقتضى ذكره مفرداً .
بل في السنن أنه
لما نزل قوله ( فسبح باسم ربك العظيم ) . ( سورة الواقعة 74و96-والحاقة 52 ).
الصفحات
التالي
1
2
3
4
5
6
7
8
9 10
السابق
|
|
|