اليهود وعيسى عليه السلام : وتتوالى القرون وتمر السنون والإسرائيليون على ما هم عليه من فساد في العقيدة ، وانحطاط في الخلق، واعوجاج في السلوك ، وانحـراف عن شريعة الله وبُعد عن تعاليمه ، وكان أهم ما يعنيهم هو جمع المـال والحرص عليه ، ولم يقتصر هذا الداء على السواد الأعظم منهم بل تجاوزه إلى علمائهم وأحبارهـم الذين دأبوا على أكل أموال الناس بالباطل ، والصد عن سبيل الله بتحريض العـامة ودعوتهم إلى تقديم القرابين والنذور للهيكل ؛ كي يظفروا بمغفرة الله ، كما وسطوا الأحبار والرهبـان بينهم وبين الله كي يغفر لهـم الذنوب والخطايا. وكان هذا الطابع المادي الذي صبغ نفوسهم وحياتهم الخاصة والعامة سبباً في انغماسهم في الحياة المادية وشغفهم بمتع الحياة حتى إن بعضهم أنكر اليوم الآخر وما فيه من حساب وثواب وعقاب ، وكان الانغمـاس في الحياة المادية دافعاً لهم إلى اقتراف الجرائم والتورط في الآثام مما كان سبـباً في تحريم الطيبات عليهم عقوبة لهم ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيراً وأخذهم الربا وقد نُهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتـدنا للكافرين منهم عذاباً أليمـاً ) ( النساء : 160 : 161 ) . 6- بعث عيسى عليه السلام وهم على هذا الحال ، وكان عليه إزاء ذلك أن يبين أمرين : أولاً : أن يوجههم إلى الحياة الروحية بدلاً من الحياة المادية التي انغمسوا فيها . ثانياً : أن يلغي الوساطة بين الله وبين عباده ، فباب الله مفتوح لكل من يطرقه لا يتوقف على راهب ولا حبر . وأيده الله بمعجزات تقطع بأنه رسول الله ذكرها الله في قوله : ( ورسُولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأُنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكـم إن كنتم مؤمنين ومُصدقاً لما بين يدي من التوراة ولأُحل لكم بعض الذي حُرِّم عليـكم وجئتكم بآية من ربكـم فاتقوا الله وأطيعون . إن الله ربّي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ) ( آل عمران : 49 : 51 ) .
8- رأى اليهود أن أمر عيسى سيظهر ، وأن شأنه سيأخذ في العلو والارتفاع ؛ فتحركت في أنفسهم الضغينة وحاولوا أن يوقعوا به ، فادعوا عليه الدعاوي الآتية : * أنه يسعى في إفساد الأمة . * أنه يمنع أن يعطي الجزية لقيصر . * أنه يدعي أنه مسيح ملك . 9- وكانت هذه التهم من أسباب غضب بيلاطس - حاكم فلسطين - عليه فأمر بمحاكمته . وتصور بعض الأناجيل المرحلة التي مر بها عيسى في هذه الفترة ؛ ففي إنجيـل متى بعد أن وصـف القبض على عيسى وتسليمه إلى الوالي بيلاطس ما يأتي : فقال الوالي للشعب : ماذا أفعل بيسوع الذي يدعى المسيح ؟ قال له الجميع : ليصلب . فقال الوالي : وأي شر عمل ؟ فكانوا يزدادون صراخاً قائلين : يصلب . فلما رأي بيلاطس أنه لا ينفع شيء بل بالحرى يحدث شغب أخذ ماء وغسل يديه قدام الجميع قائلاً : إني بريء من دم هذا البار . أبصروا أنتم فأجاب جميع الشعب وقالوا: دمه علينا وعلى أولادنا. حينئذٍ جلد الوالي يسوع وأسلمه للصلب ، فأخذ عسكر الوالي يسوع إلى دار الولاية وجمعوا عليه كل الكتيبة بمفرده وألبسوه رداءً قرمزياً ، ودفروا إكليلاً من شوك ووضعوه على رأسه ، وقصبة في يمينه، وكانوا يجثون قدامه ويستهزئون به قائلين : السلام عليك ملك اليهود ، وبصقوا في وجهه ، وأخذوا القصـبة وضربوه عـلى رأسه ، وبعد ما استهزءوا به نزعوا عنه الرداء وألبسوه ثيابه ومضوا به إلى الصلب ، وأعطوه خلا ممزوجاً بمرارة يشرب ولما ذاق لم يرد أن يشرب . هذه هي رواية الإنجيل . والقرآن يذكر أن المصلوب هو غير عيسى . ولم يكن إيذاؤهم لعيسى وحده ، وإنما تعدى إيذاؤهم إلى الطاهرة الصديقة مريم واتهموها بأقبح ما يتهم به إنسان ، وفي ذلك يقول الله سبحانه : ( فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنـا غُلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يُؤمنون إلا قليلاً . وبكفرهم وقولهم على مريم بهتـاناً عظيماً . وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسُول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتبـاع الظّن وما قتلوه يقيناً . بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً ) ( النساء : 155- 158 ) . مناوأة اليهود للإسلام والمسلمين : 1- وتمر الأيام والأعوام ويرسل الله رسوله محمـداً صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة برسالة عامة شاملة لهداية الناس جميعاً إلى الله وإلى المنهج القويم الذي يصل بالبشر إلى أقصى ما قدر لهم من كمال مادي وأدبي . ولكن قومه الوثنيين يعرضون عن دعوته ويصدون عنا ويضطهدون الرسول ومن آمن معه مما حمل الرسول على أن يهاجر إلى المدينة . 2- وفي المدينة يلتقي الرسول صلوات الله وسلامه عليه باليهود ، فكان أول عمل عمـله أن مد يده الحانية إليهم ، فذكر نبيهم أحسن الذكر ( واذكر في الكتاب موسى إنه كان مُخلصاً وكان رسولاً نبـيا وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجياً ووهبنا له من رحمتنا أخاه هـارون نبياً ) ( مريم : 51- 53 ) وأثنى على أنبيائهم أجمل ثناء : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هُدى ونور يحكم بها النّبيون الذين أسلموا للذين هادُوا والرّبانيُّون والأحبار بما استُحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شُهداء ) . وذكرهم بما منَّ الله عليهم من جـلائل النعم : ( ولقد آتينا بني إسرائيل الكـتاب والحكـم والنُّبوَّة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين . وآتيناهم بينات من الأمر ) ( الجاثية : 16- 17 ) . وتبادل النبي صلى الله عليه وسلم معهم المودة والصلات الطيبة ، وعقد بينهم وبين المؤمنين معـاهدة آمنهم فيها على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وحرياتهم وسائر حقوقهم الدينية والمدنية . 3- وكانت الغاية من ذلك كله أن يتعاون اليهود مع الإسلام باعتبارهم أهل الكتاب لهم دين وكتاب ونبي وتوحيد وشريعة على محاربة الوثنية واستئصالها والقضاء عليها . 4- إلا أن اليهود ما كادوا يرون ظهور الإسلام حتى بدأت فتنتهم بسبب الحسـد ، وانطوائهم على اللؤم والمخـادعة والخيانة والخسـة ، إذ أن هذه الصفات راسخة فيهم ولهذا وصفتهم التوراة " بالشعب الغليظ الرقبة "، ووصفهم الإنجيل " بالخراف الضالة " ، وقال يحيى فيهم: " يا أبناء الأفاعي " ، وقال فيهم القرآن ، وهو من أبلغ ما يوصف به أشرار الناس : ( قُل هل أُنبئكم بشر من ذلك مثُوبة عند الله مَن لعنهُ الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاّغوت أولئك شرٌّ مكانا وأضلٌّ عن سواءِ السبيل ) ( المائدة : 60 ) . 5- وكان أن بدأت حرب الأعصاب وكان من مظاهرها : * إشاعة السوء عن المسلمين . * إظهار الشماتة بهم . * الدس بالمشاركة مع المنافقين . وقد اهتم القرآن بهذه الحرب ، وذكر منها ألواناً متعددة صورتها الآيات القرآنية أجمل تصوير . وقـد انتهت هذه الحروب المريرة باتجاه الإسلام إلى التخلص منهم نهائياً بعد الحرب المسلحة التي انتهت بانتصار حاسم ، فمنهم من قتل ، ومنهم من أجلي عن جزيرة العرب : ( هو الذي أخـرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم ما نعتُهُم حُصونهم من الله فأتاهـم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قُلوبهم الرعب يُخربون بُيُوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ) ( الحشر : 2 ) . الصفحات
|
|