|
والعجيب أن اليهود أنفسهم في شك مما في أيديهم من التوراة لأنهم - وإن ادّعوا صحتهـا - لا يستطيعون أن يبرهنوا على صحة ادعائهم ، بل إن علماء الآثار - حتى اليهود منهم - منقسمون بشـأن التوراة إلى فريقين : فريق يرى أن أكثر التوراة محرف وأن بعض شخصياتها خيالية ، بل وتطرق بعضهم إلى إنكار وجود موسى عليه السلام ، وانشقاق البحر له ، وتيه بني إسرائيل في صحراء سيناء ، وتلقّيه الوحي من ربه عز وجل ، وكذا فتح يوشع عليه السلام لبيت المقدس ، وقيـام مملكة داود ، ثم مملـكة سليمان عليهما السلام . ودليلهم عدم وجود أدلة علمية ملموسة على ذلك من خـارج التوراة ، مع أن التوراة كتبت بعد موسى عليه السلام بقرون عديدة ، فلعـل موسى شخصية خيالية اخترعت - بزعم هؤلاء - لتوحيد شعب بني إسرائيل، ويقولون إن خروج بني إسرائيل من مصر لا وجود له في السجلات الفرعونية التي عنيت بتسجيل أحداث أقل أهمية من ذلك بكثير ، وحتى لما احتلت إسرائيـل سينـاء عام 1967م وبقيت فيها حتى عام 1982م ، لم يعثر علماء الآثار الإسرائيليون على أي آثار تدل على فترة التيه، رغم أن صحراء سيناء عثر فيها على آثار تنتمي إلى العصر الحجري ، وأما فتح يوشع عليه السلام لبيت المقدس فلا توجد آثار تدلّ عليه ، وكذلك قيام مملكتي داود وسليمان عليهما السلام ، مع أن الحضارات المجاورة قد سجلت تاريخ ملوكها في آثار لا تزال باقية إلى اليوم . أما الفريق الآخر من علماء الآثار فيرفضون هذا الكلام على أنه مبالغ فيه ، وهم يسلّمون بوقوع التحريف في التوراة واحتوائها على بعض الخرافات ، ولكن لا يصل الأمر إلى إنكـار كل شيء فيهـا ، ويعلّل بعضهم عدم وجود سجلات فرعونية لخروج بني إسرائيل من مصر بأن خروج بني إسرائيل من مصر كان هزيمة ساحقة للفراعنة ، والأمم عادة لا تسجّل هزائمها في حين أن تسجيل اليهود لفترة عبوديتهم في مصر الفرعونية دليل كافٍ على وقوعها ، وأما البحث في صحراء سيناء عن آثار التيه فلعله لم يصـادف المكان الصحيح في صحراء شاسعة ، وأما فتح بيت المقدس وقيام مملكتي داود وسليمان فلا يمكن اعتبـار عدم الدليل على وجوده دليلاً على عدم وجوده ، وهذا بدهي في علم الآثار . ويقول أهل هذا الفريق : إن البحث عن آثار تدل على صدق التوراة من حيث شخصياتها وأحداثها وأماكنها قائم على قدم وساق منذ فتح المستشرق إدوارد روبنسون - من معهد الوحدة اللاهوتي بنيويورك - باب التنقيب عن الآثار بفلسطين ما بين عام 1837 وعام 1852م ، وتعرف على مئات المواقع الأثرية بسؤاله عرب فلسطين في تلك الفترة ثم توالت حملات التنقيب التي كانت مهمتها في غاية الصعوبة والتعقيد ، ولكنها لم تخلُ من بعض النتائج ولا سيما في السنوات الأخيرة : ففي عام 1979م اكتشفت لفافاتان صغيرتان من الفضة في معبد يهودي قديم ترجعـان إلى عام 600 ق.م - أي قبل هدم هيكل سليمان والسبي البابلي - وقد وجد محفوراً عليها بعض ا لتبريكات من سفر العدد من العهد القديم مما يدل عملياً على وجود التوراة قبل هذا التاريخ . وفي عام 1986م قراءة ما حفر على بعض قطـع الفخـار الصغيرة التي جمعت من أيدي عرب فلسطين عام 1975م وتبيّن أن المحفور عليها إنما هو ختم باروخ من نيريا وهو الكاتب الذي سجل بعض ما قاله النبي إرميا عن يوم القيامة وهذا دليل على وجود هاتين الشخصيتين . وفي العام نفسه اكتشفت نسخة من التوراة ترجع إلى عام 600 ق.م تصف أحداثاً وقعت بعـد موسى عليه السلام بقرون ، مما يدل قطعاً على أن التوراة - الموجودة- ليست كلمـة الله ، وإنمـا هي كتاب تعرض للتحريف والزيادة . وفي عام 1990م تمت قراءة بعض النقوش الفرعونية على عمود ميرينبتاح بأحد معـابد الأقصر بمصر تسجل انتصار الفرعون ميرينبتاح على بني إسرائيل وتحويل بلادهم إلى خراب ، وهذا يـدل على وجود بني إسرائيل من ألف سنة قبل الميلاد ، وفي عام 1993م اكتشفت في شمال إسرائيل حجر بازلتي منقوش عليه اسم داود ملك إسرائيل ، ثم اكتشفت مخطوطة كتبت في القرن التاسع قبل الميلاد تحمـل اسم بيت داود وملك إسرائيل ، ورغم أنها تسجل انتصار ملك إحدى الشعوب المجاورة إلا أنهـا تدل على وجود مملكة داود التي قامت في القرن العاشر قبل الميلاد . وفي عام 1994 قام عالم الآثار الفرنسي " أندريه ليمير " بقراءة حجر من عصر المؤابيين - أحد الشعوب السامية القديمة - كان قد اكتشف عام 1868 ثم نقل إلى متحف اللوفر بفرنسا مهشماً حيث أعيد ترميمه ، وبتلفيق كلماته استطاع ليمير أن يقرأ ما معناه أن الملك المؤابي " ميشا " يحتفل بانتصـاره على اليهود ، وجاء في ثنايا الكلمات عبارة " بيت داود " مما يدل عملياً أيضاً على وجود داود ومملكته . وقد اكتشف مؤخراً شمال غربي القدس كهف تاريخي وجد بداخلة 23 تابوتاً تحـوي عظامـاً ، ووجد كذلك صندوق صخري مكتوب عليه اسم "حاسمونيان " الذي قيل إنه من اليهود المكابيـين . ثم اتضح خطأ هذا القول فيما بعد . ولا يخفى أن هذه الاكتشافات تدل على نشاط إسرائيل في البحث عن الآثار اليهودية لأن ذلك يمثل أهمية كبيرة عندهم ، إما للبرهنة على مصداقية التوراة التي تمثل أساس دينهم ، وإما لإثبات تاريخهم القديم في أرض فلسطين التي اغتصبوها ، والغريب أنهم يعتدون على المقدسات الإسلامية بحجـة البحث عن الآثار اليهودية المزعومة ، مما يمثل تهديداً خطيراً للآثار الإسلامية الحالية ، ويكفـي دليـلاً على ذلك اعتقادهم أن هيكل سليمان يقع تحت المسجد الأقصى وزعمهم أن تابون العهد الذي يحـوي بعض آثار موسى وهارون موجود في النتوء الصخري تحت قبة الصخرة . ومع التسليم بأهمية التنقيب عن الآثار في أرض يقدسها اليهود والنصارى ويقدسها أيضاً المسلمون حيث أنها الأرض التي عاش فيها إبراهيم وإسحق ويعقوب وداود وسليمان وعيسى عليهم الصلاة والسلام وهي كذلك الأرض التي أُسري بنبينا محمد عليه الصلاة والسلام إليهـا ، إلا أن التنقيب عن آثار مشكوك فيها لا يصح أن يكون على حساب آثار قائمة بالفعل ، وإلا فالأمر عدوان سافر على مقدسات المسلمـين مما يستدعي وقفة حازمة من المسلمين الذين يبدو أنهم لا يهتمون كثيراً بمقدساتهم ولا بتاريخهم ، كما ينطق بذلك حاضرهم ( المجيد ) . نقول لهؤلاء الحكام إن اكتشافكم أدلة على الأرض تدل على فتح يوشع للأرض المقدسة أو على قيام مملكتي داود وسليمان عليها السلام لا يعني أي حق ديني لكم في أرض فلسطين الإسلامية لأنه أمـر نؤمن به مسبقاً ، فهو ثابت في أصول ديننا ، أما الوراثة الدينية فقد انقطعت بينكم وبين أنبيائكم ، إذ لا ميراث بين مؤمن وكافر، وإنمـا الميراث قد انتقل إلى الأمة التي تدين بدين الحق الذي جـاء به هـؤلاء الأنبياء عليهم السلام ، ألا وهو دين الإسلام الذي هو دين جميع الأنبياء من لدن آدم عليه السلام حتى محمد صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله وليّ المؤمنين ) ( آل عمران : 68 ) وأما الحق التاريخي فهو ثابت لبني كنعان قبلكم وبذلك تتهـاوي حجة الحق الديني والحق التاريخي لليهود في أرض فلسطين . وأما جماهير اليهود والنصارى التي تدين في جزء من عقيدتهـا بالتوراة فنحن نسلّم بأهمية التوراة بالنسبة لهم ، ونعلم أن من الصعب عليهم أن يسمعوا ما يقوله علماء الآثار بأن التوراة محرفة ، وفيها كثير من الأساطير ، لأن هذا يعني إلغاء تاريخهم وتقاليدهم ، ولكن لا بد من قبول الحقيقة مهما كانت مراراتها، وهي أن التوراة محرفة كما أن الإنجيل محرف ، ولا يوجد ما يشهد لهما بالصحة في بعض جزئياتها إلا شيء واحد : وهو القرآن الكريم الذي سلم - بحفظ الله تعالى - من التحريف. والذي يخبر اليهود والنصارى عن الحق الذي حادوا عنه ، والذي يصدّق بعض ما في كتبهم ، والذي يحترم جميع الأنبياء ، ويصفهم في مكانهم اللائق بهم ، فهل لكم أن تتأملوه بعدل وإنصاف وتجرّد . إن من يؤمن بالقرآن يجده دليلاً كافياً شافياً على ما يلهث علماء الآثار اليوم لإثباته من حقائق التوراة التي يسلّمون ابتداء بأنها محرّفة في جانب كبير منها فلماذا السير في طريق معلوم أنه مسدود .
التايم 18/12/1995م |
|