نشأة علم الأديان الكتابة في الأديان وتفصيل عقائــــد الناس ، وعباداتهم ، وكذلك عقــــد المقارنات بين الأديان أول ما نشأ نشأ في بيئة إسلامية ، إذ المسلمون هم أول من كتب في هذا النـوع من العلم وأفرده بالتصنيف . وقد استوحوا هذا من القرآن الكريم الذي ورد فيه كثير من عقائد الناس وعباداتهم السابقة واللاحقة لوقت نزوله ، فقد ورد فيه التفصيل في عقـــــائد اليهود وانحرافاتهـــم ، وعقيدة النصارى وانحرافهم ، كما أرجع بعض العبادات الفاسدة والأديان المنحرفة بعضها إلى بعض ، وبين شيههم التى يستندون إليها ، ورد عليها ، وبين خطــــأهم وضلالــــهم ، ودعاهم إلى قبول الحق والإذعان له . بل عقد القرآن الكريم المقارنات بين الحق والباطل ، ودعىإلى تمييز الحق ومعرفته بانظر السليم ، فقال سبحانه : أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار " يوسف : 39 ، وقد قص القرآن قصص الأنبــــياء ، ومحاوراتهــم لقومهم ، وكيف بينوا لهم عوار الباطل وزيفه . وإنما عرض القرآن ذلك لما فيه من بيان الحق ونصرته ، وبيان أن طريق الدعوة هو الإقناع وحرية المشاعر ، والسمو بها فوق التقليد العمى والتبعية ففتح مجال المقارنة أمام العقل ليكون الاختيار الصحيح . فاستوحى علماء المسلمين من ذلك أن الكتابة في الأدسان منهج دعوي فكتبوا في هذا العلم كتبا عديدة كان من أوائلها : " المقالات في أصول اديانات " : للمسعودي ت : 346هـ . " تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة " : لأبي الريحان البيروني ت : 404 هـ . " الفصل في الملل والأهواء والنحل " : لابن حزم ـ ت : 456 . " اعتقادات فرق المسلمين والمشركين " : للرازي ـ ت: 606 . " الجوب الصحيح لمن بدل دين المسيح " : لشيخ الغسلام ابن تيمية ـ ت : 728 . وغيرها كثير مما أرسى به المسلمون قواعد هذا العلم ، حيث أوردوا ما يعتقـــده أصـحاب الديانات ، وما يتعبدون به مع التأصيل في البعض ، والاكتفاء بالعرض في البعض الآخر . فكانوا بذلك السابقين لغيرهم في وضع أصول وقواعد هذا العلم . وأما الغربيون فلم يعرف عنهم الاعتناء بهذا العلـــم إلا في العصور المتأخــــرة ، بعدما يسمى بعصر لنهضة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين .فأرسلوا البعوث من رجال دينهم إلى الشرق والغرب ، وإلى بلاد الهنــــد والصــين للاطـــلاع على دياناتهم ، وهذه البعوث لم تكن في الحقيقة إلا مقدمات للاستعمار .
ثم إن هذا العلم تطور ، فأصبح يبحث في نشــــأة التدين عند الإيسان ، وأوجه التشابه بين الديانات ، وساعدهم على ذلك التنقيب عن الآثار وتعلم اللغات القديمة ، فأفادوا من ذلك معرفة ما عليه عبادات الأقوام القديمة ، فأكـــملوا ما بدأه المسلمـــون - مع الفــــــارق أن المسلمين يتمــــيزون عنهم بأن لهـــم أصــلا يرجعون إليه فيصحـحون على ضوئه النتائج الخاطئة التي قد تتولد من النظر في العقائد القديمة - أعني بهذا الأصـــــل الوحي الإلهي ، القرآن الكريم ، والسنة المطهرة . التوحيد أولا قبل الشرك يزعم الملحدون أن الشرك كان أسبق في الوجود على الأرض من التوحيد ، وهو قول مبني على إنكارهم للخالق جل وعلا ، وزعمهم أن الإنسان إنما وجد من الطبيعة حيث كان أنيميا ، ثم تطور بفعل الرطوبة حتى وصل بعد أزمان عديدة إلى صورة القــــرد ، ثم تطور فصار القرد إنسانا ، فزعموا أن هذا الإنسان - وكان في هذا الوقت في طـــــور الطــــفولة البشرية - أخـــذ يبحث عن إله يعبـــده ، فتوجـــه إلى عبــادة الآباء والأجــداد والأشجار ، والحيوانات الضخمة ، والشمس والقمر ، إلى غير ذلك من الأشياء التي يستعظمـــــها في نفسه ، ثم بدأ هذا الإنسان يتطور في عقله وأحاسيسه ، فبدأ يتخلى عن كثير من الآلهــــة التي كان يعبدها حتى توصل في عهد الفراعنةإلى التوحيد - ولا يعني ذلك عندهم عــــبادة الله وحده لا شريك له ، وإنما عبادة " رع " الذي يرمز له بقرص الشمس . وظاهر من هذا القول أن أصحابه يزعمون أن الأديان من صنـــع البشر ، وليست من قبل الله سبحانه وتعالى ، والعجيب أن يوافقهم على هذا القول بعض المفكرين والمنتسبين للإسلام . ونحن المسلمين - ومعنـــا أصحاب الديانات السمـــاوية غالبا - لا نشك في بطلان هذا الكلام ، ونعتقد اعتقادا جازما أن التوحيد هو الأصل ؛ فإن أول الخلق آدم عليه السلام كان نبيا ، وقد ظل بنوه على التوحيد إلى عشرة قرون بعده ، ثم بدأ الشرك يدب في قوم نوح ، فأرسل الله تعالى إليهم نوحا عليه السلام يدلهم على الله ، ويدعوهم للعـــــــودة إلى الدين الصحيح ، والفطرة السوية ، ثم والى الله تعالى على عباده الرسل ، كلما خبا نور التوحيد وظهر الشرك في أمة أرسل الله إليها رسولا أو نبيا يجدد لها دينها ، ويعيدها إلى ربهـــــا سبحانه . ومعنى هذا أن الناس بدؤوا موحـــــدين ثم احتالتهم الشياطــــين فتقلبوا بعد ذلك بــين الإيمان والشرك ، ولــكن البداية كانت التوحيــد . وهذا الكلام هو الذي توصل إليه بعـــض الباحثين ك " آدمسون هيوبل " المتخصص في دراسة الملل البدائية حيث يقـول : " لقــد مضى ذلك العهد الذي كان يتهم الرجل القديم بأنه غير قادر على التفكير فيما يتعلق بالذات المقدسة أو في الله العظيم ، ولقد أخطأ " تيلور " حين جعل التفكير الديني الموحد نتيجــة للتقدم الحضاري والسمو المــعرفي ، وجعل ذلك نتـــيجة لتطـــور بدأ من عبــــادة الأرواح والأشباح ، ثم التعدد، ثم أخيرا العثور على فكرة التوحيد " . ونحن في إثبات هذا الأمر - وهو أن التوحيد سبق الشرك على الأرض - لا نعتمد على قول آدمسون أو غيره - وإنما كان ذكر كلامه من باب الاستئناس للراغبين في ذلك - وإنما اعتمادنا على كلام ربنا وسنة نبينا وآثار سلفنا . قال الله تعالى : " كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه " البقرة : 213. قال ابن عبــاس رضي الله عنه : " كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعــث الله النبيين مبشرين ومنذرين " . الطبري 2\334 . ويؤيد هذا قوله تعالى : " وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا " يونس : 19 . هذه كانت عجالة عن علم الأديان وتطوره ، وبعض المسائل الت تتعلق به . نسأل الله أن ينفعنا والقارئين ، إنه خير مأمول ، وأكرم مسؤول .
بتصرف من كتاب " دراسات في الأديان " الصفحات
|
|