|
الشخصية اليهودية .. رؤية نفسية قرآنية اليهود تجرءوا على الله ، فكيف يمكن معايشتهم ؟!
والتاريخ الإنساني يشهد بعدم " السوية النفسية " للشخصية اليهودية ، وبكم الانحرافات النفسية عن " المنحنى النفسي للسوية " ، التي يجب أن تكون عليها أية شخصية إنسانية متفاعلة مع الشخصيات الإنسانية الأخرى . " السوية النفسية " تعني التوافق النفسي الاجتماعي ، والتوافق النفسي يتمثل في تحقيق المواءمة بين الشخص وذاته ، ويعني ذلك أن يكون الفرد راضيـًا عن نفسه متقبلاً لها مع التحرر النسبي من التوترات ومشاعر القلق ، أما التوافق الاجتماعي فيعني المواءمة بين الشخص وغيره من الناس ، وتتمثل في تحقيق قدر من العلاقات الاجتماعية التي تتسم بالأخذ والعطاء في صورة إيجابية ، بما يحقق التقليل الاجتماعي لهذه الشخصية السوية . والسطور القادمة حديث عن أهم الاضطرابات والاختلالات النفسية التي تعاني منها الشخصية اليهودية ، ولقد آثرنا " النموذج النفسي " الذي قدمه القرآن الكريم لبيان هذه الانحرافات ، وذلك لأنه يقدم لنا الجذور التربوية والنفسية لهذه الشخصية في صورة متكاملة ، والتي يمكن معها للقارئ الكريم إسقاط هذه الرؤية على الواقع المعاصر عن طريق الاستدعاء الذهني للأحداث والمواقف المعاصرة ، كما أن القرآن الكريم هو الكتاب المقدس الذي لم تمتد إليه يدٌ لتحريفه أو العبث به ، وسوف نقوم بتقسيم " النموذج النفسي " للشخصية اليهودية ـ كما صوّرها القرآن الكريم ـ ثلاثة أقسام من خلالها الانحرافات النفسية المتجذرة في هذه الشخصية . 1- الانحرافات الدينية : يصور القرآن الكريم هذه الانحرافات الدينية في موقفين يعبران عمَّا تتجه إليه النفسية اليهودية . أحدهما : الإدعاء ببنوتهم لله تعالى ، بقوله تعالى : ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه )[المائدة/18] ، وقال تعالى : ( وقالت اليهود عزيرٌ ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله )[التوبة/30] ، فمكونات هذه الشخصية تتجه نحو التجسيد المادي لمقدساتها الروحية ، ولم ترضَ تنزيه " الله " عن هذا التجسيد ، فرأت فيه الأب لهم ولأنبيائهم . يقول الأستاذ الشهيد " سيد قطب " ـ رحمه الله ـ في ذلك : " … زعموا لله سبحانه أبوّة ، على تصور من التصورات ، إلا أن تكون أبوّة الجسد فهي أبوّة الروح ، وهي أيـًا كانت تلقي ظلاً على عقيدة التوحيد ، وعلى الفصل الحاسم بين الألوهية والعبودية ، كي تتوحّد الجهة التي يتوجه إليها العباد كلهم بالعبودية ، وتتوحّد الجهة التي تشرّع للناس ، وتضع لهم القيم والموازين والشرائع والقوانين والنظم والأوضاع ، دون أن تتداخل الاختصاصات بتداخل الصفات والخصائص ، وتداخل الألوهية والعبودية ، فالمسألة ليست مسألة انحراف عقدي فسحب ، إنما هي كذلك فساد الحياة كلها بناء على هذا الانحراف " (في ظلال القرآن:6/866) . فإذا كانت النزعة الدينية في الشخصية الإنسانية ترمي إلى البحث عن إلهٍ كامل ـ بعيد عن فكرة التجسيد والتي تحط من هذا الكمال ـ فإن الشخصية اليهودية تقف في ذلك عند مرحلة الطفولة التي لا تؤمن إلا بما هو مادي ومحسوس ، ولو كان ذلك على حساب الفطرة الإنسانية السوية ، لذلك قالوا لنبي الله موسى ـ عليه السلام ـ بعد أن نجّاهم الله سبحانه وتعالى من فرعون وضرب لهم طريقـًا في البحر يبسـًا يمرون عليه ، ثم أغرق فرعون وجنوده ، ومروا على قومٍ يعكفون على أصنامٍ لهم : ( قالوا يا موسى اجعل لنا إلهـًا كما لهم آلهة ) [الأعراف/138] ، فبعد هذه الآية المعجزة التي تقف أمامها ـ النفس الإنسانية ـ موقف خشوع وخضوع، وزيادة إيمان بالله الذي نجاهم ، نراهم حين أتوا على قومٍ يعبدون الأصنام يقولون لموسى ـ عليه السلام ـ ( اجعل لنا إلهـًا كما لهم آلهة ) ، فما كان رده إلا أن قال لهم : ( إنكم قومٌ تجهلون ) [الأعراف/138] ، وحقـًا وصفهم ، فالجهل ـ في اللغة ـ نقيض العلم ، ويصفهم الرازي أيضـًا بأن من يطلب ذلك ينتفي عنه حتمـًا ـ صفة العقل التي تميّز الإنسان عن باقي الكائنات ، فيقول في تفسيره لهذه الآية : " … واعلم أن من المستحيل أن يقول العاقل لموسى : ( اجعل لنا إلهـًا كما لهم آلهة ) ؛ لأن الذي يحصل يجعل موسى وتقديره " لا يمكن أن يكون خالقـًا ومدبرًا ومن شك في ذلك لم يكن كامل العقل والأقرب أنهم طلبوا من موسى أن يعيّن لهم أصنامـًا وتماثيل للعبادة " .
|
|