وصوّرهم القرآن في مشهد آخر وهو عبادتهم للعجل وعكوفهم عليه ، قال جل شأنه عن السامري الذي صنع لهم هذا التمثال : ( فأخرج لهم عجلاً جسدًا له خوارٌ فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي * أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضرًا ولا نفعـًا ) [طه/88 ، 89] .

     وعندما حاول هارون ـ عليه السلام ـ ردهم عن هذا الانحراف قالوا له : ( قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ) [طه/91] ، وعلى الرغم أن موسى ـ عليه السلام ـ لم يغب عنهم أكثر من أربعين يومـًا ، وهم الذين شاهدوا معه كل الآيات والمعجزات ، ثم يجحدون بكل آية ، ولا تخضع نفوسهم لها كما تخضع النفوس ، ويطلبون ما لا تطلبه النفوس في موقفهم ، ويرغبون فيما لا ترغب إليه العواطف السوية في أحوالهم ، وعندما يحذرهم موسى من غضب الله ـ على فعلتهم ـ يقومون بتقديم اعتذار ليس له حجة ولا مبرر عقلي سليم .

ويحكي صاحب " الظلال " الشهيد " سيد قطب " ـ رحمه الله ـ في هذا الرد بقوله : " … عندئذ يعتذرون بذلك العذر العجيب الذي يكشف عن أثر الاستبعاد الطويل ، والتخلخل النفسي والسخف العقلي ( قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ) [طه/87] ، فلقد كان الأمر أكبر من طاقتنا ! ( ولكنا حُمِّلنا أوزارًا من زينة القوم فقذفناها ) [طه/87] ، وكانوا قد حملوا معهم أكداسـًا من حلي المصريات كانت عاريّة عند نسائهم فحملنها معهنَّ ، فم يشيرون إلى هذه الأحمال ، ويقولون " لقد قذفناها ، خلصـًا منها لأنها حرام ، فأخذها السامري فصاغ منها عجلاً " .

     وإذا كان المقدس الكامل قد انهار في تصورهم ، فهو إما أب أو صنم أو عجل ـ هذه صوره في حياتهم الدينية لنفوسهم المنحرفة والمريضة ـ فلا ضير إذن أن يدعوا أن لمقدسهم هذا يدًا مغلولة ، إن النفس التي ترسم لنفسها إلهـًا ، حتى وإن كان غير الله المنزه سبحانه ، فإنها تحاول تنزيهه ، وهو بالطبع ليس كذلك ، إلا أن التصور اليهودي لا لهم ليس فيه هذا الفرض الذي رأيناه عند عبدة الأوثان والأشخاص … إلخ ، الذين كانوا يضعون ويوسمون معبودهم بأعلى الصفات وأكملها ، وهذا ما تقتضيه السوية النفسية ، فالمعبود دائمـًا في صورة من التنزيه والكمال ، ولا يمكن وصفه بغير ذلك ، إلا أنهم يؤكد خروجهم عن السوية الإنسانية كلها لم يفعلوا ذلك ، وادعوا أن لله يدًا مغلولة ( غلت أيديهم) ، قال تعالى : ( وقالت اليهود يدُ الله مغلولةٌ غُلَّتْ أيديهم ولعنوا بما قالوا ) [المائدة/64] .

     وننتقل إلى الانحراف الديني الثاني ، وهو تجرؤهم الكبير والفاضح على العبث بكلام الله ، والإقدام على تحريفه بلا وازع من دين أو ضمير أو أخلاق ، وكتابة ما ليس من عند الله ، والادعاء أنه من عند الله ، يقول الله تعالى : ( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام الله ثم يحرِّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلون )[البقرة/75] .

      فهذه حالة من العبث بكلام الله ، وهو التحريف من بعد ثبوت العلم والفهم لهذا الكلام ، وقد كان علماء اليهود يحرّفون التوراة ، فيجعلون الحرام حلالاً ، والحلال حرامـًا اتباعـًا لأهوائهم ( من بعد ما عقلوه ) ، أي عرفوه وعلموه ، وهذه سمة " للعناد " في الحق الذي يؤدي إلى هلاك صاحبه ، ودليل أيضـًا كما يذكر القرطبي ـ رحمه الله ـ على البعد عن الرشد ، فالعالم بالحق المعاند فيه بعيد عن الرشد ؛ لأنه علم الوعد والوعيد ، ولم ينهه ذلك عن عناده ، و " العناد " أ و " الخلفة " ، هي رغبة الإنسان في المخالفة لمجرد المخالفة ، وإن كان ذلك حيلة نفسية ، تعد مؤشرًا على المرض النفسي في حالة استمرارها ، فإن الأمر يعد أخطر إذا كان ذلك العناد مع الله سبحانه وتعالى ، ويكون هدفه هو تحريف كلام وقلبه وتزييفه ، فإذا كان لهذه الشخصية هذه " الجرأة المهلكة " على الله سبحانه وتعالى ، فكيف لها أن تتعايش متوافقة اجتماعيـًا مع البشر الآخرين ؟!!

إن الرغبة في تجسيد " الإله " وإعطائه الصفات البشرية ، " بنوة ـ إغلال في البر أو البسط " والتجرؤ عليه " بتحريف كلامه وتبديله " كل ذلك يعد مظهرًا من مظاهر الانحرافات العقدية للشخصية اليهودية ، ودليلاً على انحرافها عن " السوية النفسية " من جانب آخر ، ومعبرًا عن مكونات الشخصية اليهودية ، القلق ، والتوتر ، والاضطراب ، حب التخريب ، الحقد ، … إلخ .

 

مجلة " الدعوة "   

العدد : 1787 . محرم 1422هـ

 

أهل السنة و الجماعة

 
كتاب العبودية
تعريفات هامة في العقيدة
خصائص أهل السنة والجماعة

مزيد من العناوين

 

جغرافيا الأديان

 
أبو الأنبـــياء إبراهيـــم عليه السلام
سيدنـــــا موسى عليه الســــــلام
نبي الله سليمان عليه السلام 
نبيّ الله هود عليه السلام
 

فتاوي العقيدة

 

السحر وطريقة علاجه

حكم إتيان الكهان

التعلق بالأنبياء والصالحين

الاستهزاء بشعائر الدين  

مزيد من العناوين

 

الديانات الكبرى

 
مقدمة محور الديانات
مدخل إلى دراسة الأديان
اليهودية

مزيد من العناوين

 

العقائد الشعبية

 

مقدمة حول العقائد الشعبية

** النشـرة

مزيد من العناوين

 

الفرق المخالفة

 
مقدمة عامة
 الزيـديـة
 الأحـباش

مزيد من العناوين

 
الإلحـــــاد
 

 

 

الشبكة الإسلامية - العقيدة-الشخصية اليهودية .. رؤية نفسية قرآنية2