ابتليت بمعصية النظر إلى المحرمات، فهل هذه عقوبة إلهية؟

2018-07-03 01:47:01 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم.

أنا شاب متزوج، عانيت منذ فترة كبيرة من الوسواس في كل شيء، وأنا ملتزم -ولله الحمد- أصلي وأصوم وأقرأ القرآن، والله ابتلاني ابتلاءات كثيرة، وهذا يدل على محبة الله لي.

لكن إذا كان الله يحبني، فلماذا أقع دائما في معصية النظر إلى المحرمات رغم التزامي الشرعي؟ دعوت ربي كثيرا أن يبعدني عن المعاصي، إذا الله سبحانه وتعالى أحب عبدا يهدي قلبه ويبعد عنه شر الدنيا، وإذا كان لا يحبني وغاضب علي، فلماذا ابتليت؟ ولو أن الله غاضب علي فسوف أبتعد عن الطاعات!

أسئلة كثيرة تدور في رأسي، ولكني تعبت، أحس أن الله لا يسمعني، وأبكي من شدة الضعف، وهل كلما أذنبت يبتليني الله؟ ولماذا وأنا أحبه وأعمل الطاعات كاملة ما عدا هذا الذنب؟ وأرى كثيرا من الناس حولي يرتكبون الذنوب أكثر مني، ومع ذلك يعيشون في سعادة.

أرجو الإفادة جزاكم الله كل خير، وجعله في ميزان حسناتكم.


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Mohamed حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا وسهلا بك -أخي الكريم- وكان الله في عونك، والجواب على ما ذكرت:
بداية أنت على خير كثير، وما تعاني منه أمر يسير ويحتاج منك إلى شيء من الصبر واتباع ما سأذكره لك.

موضوع الوسواس إذا حرصت على علاجه سيزول عنك كل ما ذكرت من المعاصي، لأنه هو الدافع لها، مع أنك حريص على تركها وتتوب ولكن تعود مرة أخرى.

وقبل الخوض في علاج الوسواس لا بد أن تعلم أن الوسواس يأتي إما من مس أو عين أو سحر، أو من اكتئاب نفسي بسبب ضغوط الحياة ومشكلاتها، وأنت بحاجة ماسة إلى قراءة الرقية الشرعية من قراءة الفاتحة وآية الكرسي والمعوذات ونحو ذلك، كما أنه يمكن أن تذهب إلى طبيب نفسي حتى ينظر هل لديك اكتئاب يمكن علاجه.

ومما ننصح به لعلاج الوسوسة:
عليك أن تعلم أن للخلاص من الوسواس طريقين: طريق عام وطريق خاص:
أما الطريق العام: فيكون بكثرة الذكر وقراءة القرآن والاستغفار وحضور مجالس العلم؛ فإن الذاكر لله تعالى ينصرف عنه الشيطان، وتزول عنه الوسوسة، قال ابن تيمية: "والوسواس يعرض لكل مَن توجَّه إلى الله، فينبغي للعبد أن يَثبُت ويصبر ويلازم ما هو فيه من الذكر والصلاة، ولا يضجر؛ لأنه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد الشيطان، ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 76]، وكلما أراد العبد توجهًا إلى الله بقلبه، جاء الوسواس من أمور أخرى، فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق، كلما أراد العبد أن يسير إلى الله أراد قطْعَ الطريق عليه"، ومن العلاج العام للوسوسة الالتجاء إلى الله تعالى بالدعاء بصِدق وإخلاص، كي يُذهِب عنك هذا المرض.

أما العلاج الخاص للوسوسة:
فقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته" رواه البخاري برقم 3276، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا، خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل: آمنت بالله. وفي رواية: يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ فيقول: الله ثم ذكر بمثله. وزاد: ورسله " رواه مسلم برقم 1349

ويمكن أن نستخلص طريقة علاج الوسواس من هذين الحديثين وذلك بالآتي:
* قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم عندما يطرأ عليك الوسواس.
* ثم قل آمنت بالله ورسوله، أو قل آمنت بالله ورسله.
* اترك الاستطراد في الوسواس فلا تلتفت لما جاء فيه، واشتغل بأي أمر نافع لك في دينك أو دنياك، ولقد أحسنت بتعمد الإهمال له، ولهذا اجتهد في تعمد تركه، ولا تلتفت مطلقا لما يقول لك، قال ابن حجر الهيتمي: "للوسواس دواء نافع هو الإعراض عنه جملة، وإن كان في النفس من التردُّد ما كان، فإنه متى لم يلتفتْ لذلك، لم يثبت، بل يَذهَب بعد زمن قليل، كما جرَّب ذلك الموفَّقون، وأما مَن أصغى إليها، فإنها لا تزال تزداد به حتى تخرجه إلى حيز المجانين، بل وأقبح منهم، كما شاهدناه في كثير ممن ابتلوا بها، وأصغوا إليها وإلى شيطانها".

وبعد مرور وقت لعلاج الوسوسة ستجد أن مسألة النظر إلى الحرام تستطيع تركها، وتتغلب على نفسك بعد أن تكون قادرا على السيطرة عليها، ومما يمكن أن ننصحك به حتى تتغلب على هذه المعصية:
1- عليك معرفة أسباب النظر، والعمل على تجاوزها والالتزام الأكيد بطرق الخلاص.
2- ثم عليك سرعة التوبة إلى الله تعالى بإخلاص وصدق والعزم المؤكد من القلب على ترك هذا الأمر، ثم عليك الإكثار من الاستغفار والذكر وقراءة القرآن والمحافظة على الصلاة، والإكثار من قول لا حول ولا قوة الا بالله؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل.
3- وعليك أيضا الإكثار من الدعاء والتضرع إلى الله بطلب العفة، والبعد عن النظر الحرام في كل وقت وخاصة في ساعات الاستجابة.
4- وعليك كذلك السعي الجاد إلى التغيير بقرار شجاع مع الاستعانة بالله تعالى، وذلك بتغيير العادات التي تدفع إلى مشاهدة الحرام.
5- وأشغل النفس بكل نافع ومفيد، ويجب عليك إبعاد الأجهزة الإلكترونية المهيجة للحرام.
6- ومن أقوى العلاج لترك النظر إلى الحرام استشعار عظمة الله ومراقبته في كل حال، وأنه مطلع عليك وسيحاسبك على كل نظرة حرام، فقد أوصى لقمان الحكيم ابنه كما حكى الله عنه قال تعالى: "يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ" سورة لقمان اية 16.
7- ثم اعلم النظر الحرام مع كونه إثم ومعصية فهو سبب للانحراف أكثر ووسيلة إلى الفاحشة فيجب الحذر منه، أو قد يكون وسيلة لسوء الخاتمة والإقلاع عنه ضرورة ومهمة، حتى لا تقع فيما يضرك أو تسؤ خاتمتك والعياذ بالله.

وأخيرا اعلم إذا تبت من ذنب فالله غفور رحيم، وعليك أن تحسن الظن بالله، وأن الله يقبل توبتك ويغفر لك، ثم إذا عدت إلى الذنب مرة أخرى فهذا ذنب جديد عليك أن تسارع إلى التوبة مرة أخرى، ولا تفكر في الذنب الأول لأنه قد محي عنك بالتوبة، ولا داعي للحزن ولا للقلق، فالله مطلع على حالك، وهو معين لك على طاعته، وهو الذي يوفقك إلى الرجوع إليه كلما أذنبت، فبما أنك تسارع إلى التوبة في كل مرة فأنت علي خير عظيم، واطمئن بأنك حالك سيتغير إلى الأفضل -بإذن الله تعالى- وما تراه على الناس الآخرين من السعادة هي مسألة نسبية حتى أيضا أنت سعيد لأنك مقبل على الله مكثر من الطاعات تتوب إذا أذنبت، والذين فعلوا ذنوبا أكثر منك وترى عليهم السعادة هذه ليست سعادة، وإنما ارتكاسة فأصبحوا لا يتألمون ولا يحزنون من وقوع المعاصي منهم، بل قد يفرحون بذلك، وهذه علامة على ضعف الإيمان؛ لأن المؤمن يشعر بالندم والاستياء إذا وقع في معصية، ويسارع إلى التوبة، وهذا هو الفرق بينك وبينهم، فعن أبي أمامة الباهلي قال رجلٌ : يا رسولَ اللهِ ما الإيمانِ؟ قال: إذا سرَّتْك حسنتُك وساءتْك سيئتُك فأنت مؤمنٌ قال: يا رسولَ اللهِ فما الإثمُ؟ قال: إذا حاك في صدرِك شيءٌ فدَعْه" رواه أحمد.

وفقك الله لمرضاته.

www.islamweb.net