معنى كلام الفقهاء: إن العمل صحيح مع الإثم

29-5-2012 | إسلام ويب

السؤال:
كثيرا ما نقرأ في كلام الفقهاء والأصوليين قولهم إن الفعل صحيح مع الإثم، فأريد أن أعرف كيف تجتمع هاتين العبارتين في العمل الواحد.
ومثال ذلك يقولون الصلاة في مسجد فيه قبر صحيحة مع ارتكاب محرم، أو يقولون مثلا مسابقة الإمام عمدا في غير تكبيرة الإحرام أو التسليم تحرم مع صحة الصلاة، أو الصلاة في أرض مغصوبة وغيرها، فلو أمكن توضيح أكثر لهذه المسألة مع بيان هل ارتكاب المحرم يفسد العمل أم لا؟.

الإجابــة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فهذه المسألة هي التي يعبر عنها الأصوليون بمسألة انفكاك الجهة، وذلك أن الشيء الواحد يستحيل أن يكون واجبا حراما طاعة ومعصية من وجه واحد، لكنه قد يكون طاعة من وجه ومعصية من وجه، وقد أوضح العلامة الأمين الشنقيطي ـ رحمه الله ـ هذا البحث فقال في مذكرة الأصول تعليقا على قول الموفق: فيستحيل أن يكون الشيء الواحد واجبا حراما طاعة ومعصية من وجه واحد إلا أن الواحد بالجنس ينقسم إلى واحد بالنوع وإلى واحد بالعين أي بالعدد.. إيضاح معنى كلامه رحمه الله أن الوحدة ثلاثة أقسام، وحدة بالجنس، وحدة بالنوع، وحدة بالعين، أما الوحدة بالجنس أو النوع فلا مانع من كون بعض أفراد الواحد بهما حراما وبعضها حلالا بخلاف الوحدة بالعين فلا يمكن أن يكون فيها بعض الأفراد حراما وبعضها حلالا، مثال الوحدة بالجنس: وحدة البعير والخنزير، لأنهما يشملهما جنس واحد هو الحيوان فكلاهما حيوان فهما متحدان جنساً ولا إشكال في حرمة الخنزير وإباحة البعير، ومثال الوحدة بالنوع السجود فإنه نوع واحد فالسجود لله والسجود للصنم يدخلان في نوع واحد هو اسم السجود ولا إشكال في أن السجود للصنم كفر ولله قربة، كما قال تعالى: لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ {فصلت:37} ومثال الوحدة بالعين عند المؤلف ـ رحمه الله: الصلاة في الأرض المغصوبة فلا يمكن عنده أن يكون بعض أفرادها حراما وبعضها مباحا، وإيضاح مراده أن المصلي في الدار المغصوبة إذا قام إلى الصلاة شغل بجسمه الفراغ الذي هو كائن فيه وشغله الفراغ المملوك لغيره بجسمه تعدياً غصب فهو حرام، فهذا الركن الذي هو كائن فيه في ركوعه، وإذا سجد شغل الفراغ الذي هو كائن فيه في سجوده وهكذا، وشغل الفراغ المملوك لغيره تعدياً غصب، فلا يمكن أن يكون قربة، لامتناع كون الواحد بالعين واجبا حراما قربة معصية لاستحالة اجتماع الضدين في شيء واحد من جهة واحدة فيلزم بطلان الصلاة المذكورة، ومنع هذا القائلون بصحة الصلاة في الأرض المغصوبة وهم الجمهور، قالوا: الصلاة في الأرض المغصوبة فعل له جهتان والواحد بالشخص يكون له جهتان هو طاعة من إحداهما ومعصية من إحداهما، فالصلاة في الأرض المغصوبة من حيث هي صلاة قربة ومن حيث هي غصب معصية، فله صلاته وعليه غصبه، فيقول من قال ببطلانها: الصلاة في المكان المغصوب ليست من أمرنا فهي رد للحديث الصحيح: من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد ـ فيقول خصمه الصلاة في نفسها من أمرنا فليست برد وإنما الغصب هو الذي ليس من أمرنا فهو رد.

ثم قال الشنقيطي رحمه الله: اعلم أن حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة أن المنهي عنه إما أن تكون جهة النهي فيه منفردة، أعنى أنه لم تكن له جهة أخرى مأمور به منها كالشرك بالله والزنا، فإن النهي عنهما لم يخالطه أمر من جهة أخرى وهذا النوع واضح لا إشكال في أنه باطل على كل حال، وأما أن يكون له جهتان: جهة مأمور به منها وجهة منهي عنه منها وهم يقولون في مثل هذا إن انفكت جهة الأمر عن جهة النهي، فالفعل صحيح وإن لم تنفك عنها الفعل باطل لكنهم عند التطبيق يختلفون، فيقول الحنبلي: الصلاة في الأرض المغصوبة منهي عنها من جهة الغصب مأمور بها من جهة الصلاة إلا أن الجهة هنا غير منفكة، لأن نفس الحركة في أركان الصلاة عين شغل الفراغ المملوك لغيره تعدياً، وذلك عين الغصب، فأفعال الصلاة لا تنفك عن كونها غصباً، والصلاة يشترط فيها نية التقرب وتلك الأفعال التي هي شغل الفراغ المملوك لغيره غصب لا يمكن فيه نية التقرب، إذ لا يمكن أن يكون متقربا بما هو عاص به، أما إذا انفكت الجهة فالفعل صحيح كالصلاة بالحرير فإن الجهة منفكة لأن لبس الحرير منهي عنه مطلقا في الصلاة وغيرها، فالمصلي بالحرير صلاته صحيحة وعليه إثم لبسه الحرير، فيقول المالكي والشافعي مثلا: لا فرق البتة بين الصلاة في المكان المغصوب وبين الصلاة بالحرير، فالغصب أيضا حرام في الصلاة وفي غيرها، فصلاته صحيحة وعليه إثم غصبه، ويقول المالكي مثلا: مثال الجهة غير المنفكة، صوم يوم العيد أو الفطر، لأن الصائم فيهما معرض عن ضيافة الله، لأن الإعراض عنهما هو الامتناع عن الأكل والشرب فلا يمكن انفكاك الجهة فيقول الحنفي: الجهة منفكة أيضا، لأن الصوم من حيث إنه صوم قربة ومن حيث كونه في يوم العيد منهي عنه فالجهة منفكة، ولذا لو نذر أحد أن يصوم يوم العيد فنذره عنده صحيح منعقد ويلزمه صيام يوم آخر غير يوم العيد بناء على انفكاك الجهة عنده. انتهى محل الغرض من كلامه رحمه الله.

والخلاصة أن الأمثلة التي ذكرتها وغيرها مما وقع فيه الخلاف بين أهل العلم، فمن تصور انفكاك جهة الأمر عن جهة النهي صحح الفعل مع ثبوت الإثم لارتكاب النهي، ومن لم يتصور الانفكاك حكم ببطلان العبادة كما هو قول الحنابلة في الصلاة في المقبرة والأرض المغصوبة، وقول بعض العلماء في تعمد مسابقة الإمام، وجميع النظائر المختلف فيها تجري هذا المجرى، فهذا منشأ اختلاف العلماء في مثل هذه المسائل، وقد بان لك من كلام العلامة الأمين ـ رحمه الله ـ مأخذ من قال بالصحة ومن قال بالبطلان.

والله أعلم.

www.islamweb.net