لكل حيوان من العقل ما يناسب الحكمة التي من أجلها خلقه الله تعالى

1-7-2012 | إسلام ويب

السؤال:
هل ثبت في الكتاب أو السنة أن الله اختص البشر بالعقل دون باقي الحيوانات ولهذا كلفهم بالتكاليف الشرعية؟ وإذا ثبت هذا فكيف نوفق بينه وبين إنكار الهدهد على قوم بلقيس عبادتهم للشمس وإنكاره هذا لا يصدر إلا من ذي عقل، وأيضا إعذار النملة لسليمان عليه السلام وإعذارها لا يصدر إلا عن ذي عقل؟ كما أننا نرى بعض الحيوانات بالتدريب تفهم وتصدر أفعالا ذكية؟.

الإجابــة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالعقل الذي هو مناط التكليف اختص الله به البشر دون سائر أنواع الحيوان، وقد ذكر أهل العلم للتكليف شروطا فكان أولها الحياة، وثانيها ـ كما قال الزركشي في البحر المحيط: كونه من الثقلين الإنس والجن والملائكة فيخرج البهائم والجمادات، وحكى القاضي وغيره الإجماع عليه، وحكى صاحب المعتمد عن أهل التناسخ، أن فرائض الله تجب على جميع الحيوانات، وأن جميعها عقلاء مكلفون لفرائض الله، وعن آخرين تكليف الجبال والأشجار والحيطان والحجر والمدر، ورد بإجماع الصحابة على خلاف ذلك. اهـ.

ولهذا، فإن البهائم ليست من أهل النعيم في الجنة أو العذاب في النار، وراجعي في ذلك ما أحيل عليه في الفتوى رقم: 52557.

وأما العقل الذي هو غريزة وتمييز وإدراك ونوع فهم، فلكل حيوان منه ما يناسب الحكمة التي من أجلها خلقه الله تعالى، كما قال تعالى:قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى {طه: 50}.

وقال سبحانه: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى {الأعلى:1ـ3}. 

ومما يدل على هذا الإدراك والفهم قوله تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ {النحل: 68}.

وراجعي الفتوى رقم: 108452.

فالعقل الذي يميز الإنسان، غير العقل الذي يشاركه فيه الحيوان، وقد اختلف الناس في العقل الذي يميز الإنسان عن الحيوان فذكروا في تعريفه عشرات الأقوال، واختار الآمدي: أنه العلوم الضرورية التي لا خلو لنفس الإنسان عنها بعد كمال آلة الإدراك وعدم أضدادها، ولا يشاركه فيها شيء من الحيوانات، وحكاه عن القاضي أبي بكر. اهـ. من البحر المحيط.

وقال الماوردي في أدب الدنيا والدين: اعلم أن بالعقل تعرف حقائق الأمور ويفصل بين الحسنات والسيئات، وقد ينقسم قسمين: غريزي ومكتسب، فالغريزي هو العقل الحقيقي، وله حد يتعلق به التكليف لا يجاوزه إلى زيادة ولا يقصر عنه إلى نقصان، وبه يمتاز الإنسان عن سائر الحيوان، فإذا تم في الإنسان سمي عاقلا وخرج به إلى حد الكمال ... وأما العقل المكتسب فهو نتيجة العقل الغريزي وهو نهاية المعرفة، وصحة السياسة، وإصابة الفكرة وليس لهذا حد؛ لأنه ينمو إن استعمل وينقص إن أهمل. اهـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية: النزاع بين الناس في فرعين:
أحدهما: أن العقل الذي هو الإنسان ما هو؟

الثاني: أن ما يعنيه المتفلسفة بلفظ العقل هل له وجود أم لا؟ وقد ذكروا في كتب الأصول النزاع في ذلك جملة، كما يذكره القاضي أبو بكر الباقلاني والقاضي أبو الطيب والقاضي أبو يعلى وأبو الوفاء بن عقيل وأبو المعالي الجويني وأبو الخطاب وأبو الحسن بن الزاغوني والقاضي أبو بكر بن العربي المعافري وأكثر أهل الكلام، فإن هؤلاء يختارون أن العقل الذي هو مناط التكليف: هو ضرب من العلوم الضرورية كالعلم باستحالة اجتماع الضدين، وكون الجسم في مكانين، ونقصان الواحد عن الاثنين، والعلم بموجب العادات فإذا أخبره مخبر بأن الفرات يجري دراهم لا يجوز صدقه، ومن أخبر بنبات شجرة بين يديه وحمل ثمرة وإدراكها في ساعة واحدة لا ينتظر ذلك ليأكل منها، وإذا أخبر بأن الأرض تنشق ويخرج منها فارس بسلاح يقتله لا يهرب فزعا، فإذا حصل له العلم بذلك كان عاقلا ولزمه التكليف. اهـ.

وفيه أيضا: العقل إذا أطلق فإنما يراد به عقل التكليف، وهو ما به يمكن التمييز والاستدلال على ما وراء المحسوس ويخرج به صاحبه عن حد المعتوهين وتسمية العقلاء عاقلا، وهذا قول أبي الحسن، وإنما قاله لأن النحل تراه ينسج أشكالا مسدسة يعجز عنها كثير من العقلاء، وكذلك غير النحل من البهائم والجعل، فلهذا قال: العاقل من تسميه العقلاء عاقلا، والعقل المقيد يتناول جنس العلم فلهذا قال الشافعي رحمة الله عليه: الحمام أعقل الطائر، عنى به أكيس الطير. اهـ.

هذا ولابد من التنبه لكون الكائنات كلها حتى الجمادات تسبح بحمد الله تعالى، فلها نوع إدراك يناسب خلقها وراجعي في ذلك الفتاوى التالية أرقامها: 38708، 65325، 38736.
والله أعلم.

www.islamweb.net