مصير من مات قبل رد المسروق وهل تقبل الصدقة قبل رده

16-10-2014 | إسلام ويب

السؤال:
لديّ مشكلة أريد لها حلاً، ولم أجد لذلك سبيلا، وهذه المشكلة ترهقني كثيرا.
أنا فتاة أبلغ من العمر خمسة عشر سنة، منذ سنتين كنت أدرس في مدرسة إعدادية، وكنت في أوقات الفراغ أذهب لجدتي بسبب بعد منزلنا عن موقع دراستي، غرّني الشيطان يوما ومددت يدي إلى مال جدّتي وسرقت وصرت لا أستغني عن الأموال، فكلّما احتجت لشيء ذهبت وأخذت من مالها من دون أن تدري، وبعد مرور سنتين غيرت المدرسة، وأصبحت أدرس في الثانوية، وبفضل الله ثمّ بفضل الوسط تغيرت وهداني الله إلى الصواب ـ بحمد الله ـ وعلمت أن التوبة من السرقة لا تكون إلا بردّ المظالم لأهلها، وأنا لا زلت أدرس حاليا وليس لي مصدر مال إلا مصروفي الزهيد جدّاً، والمبلغ الذي سرقته فوق طاقتي، وأحاول أن أجمّع من مصروفي لكن هذا سيأخذ وقتا طويلا، ولا أستطيع إخبار أحد بالأمر فإنّ ذلك سيتسبب في مفاسد كبيرة لا حول ولا قوة لي بها.
سؤالي: إن أنا متّ الآن قبل أن أقضي ديني هل سيعاقبني ربّي مع أني أنوي إرجاع المال لكن ليس لي سبيل بذلك؟.
وهل أنا بعد أن سترني الله ولم يعلم أحد بأمري ثمّ تبت إلى الله يقع عليّ حدّ السرقة ويجب أن تقطع يدي؟.
وهل أنا إن تصدقت بصدقة الآن لن تقبل مني حتى أردّ ديني؟ وإن اشتريت شيئا بمالي الخاص ليس ضروريا لي أكون آثمة لأنّي لم أدّخر المال لأردّ الدين؟.
وجزاكم الله خيرا

الإجابــة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

 فنسأل الله أن يتقبل توبتك ويمحو حوبتك، وكما ذكرت فإن التوبة من حقوق الخلق لا بد فيها من التحلل من صاحب الحق، بطلب العفو والسماح منه، أو برد الحق إليه، لكن لا يشترط في رد الأموال المسروقة إلى أصحابها إعلامهم بذلك، بل يكفي إيصالها إليهم بأي طريق، كما سبق بيانه في الفتوى: 64078. ومن تاب من السرقة وعزم على رد المال إلى صاحبه ثم مات قبل أن يتم ذلك فيرجى أن يتحمل الله عز وجل عنه، كما في الفتوى رقم: 114435، والفتوى رقم: 170689. وإن كان الأبرأ لذمتك أن تستسمحي جدتك، ولو بطريق غير مباشر، بأن توصلي إليها خبر السرقة ورغبة السارق في عفوها، دون أن تعلم أنك أنت التي سرقت منها.

وأما بالنسبة لحد السرقة: فإن المشروع لمن وقع فيما يوجب الحد أن يستر نفسه، وألا يسعى في إقامة الحد على نفسه، كما بيناه في الفتوى رقم: 219334. وإقامة الحد ليست من شروط التوبة أصلا.

وأما الصدقة:  فاعلمي أن المال الذي سرقته بمنزلة الدين الحال، ورده واجب ومقدم على صدقة التطوع، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المدين لا يجوز له الصدقة بما يحتاج إليه في قضاء دينه، فكذلك من عليه حقوق لا يجوز له الصدقة بما يحتاج إليه في رد الحقوق، كما بيناه في الفتوى رقم:  222262.

وأما عن قبول الصدقة قبل رد المسروق: فهي مقبولة إن استجمعت شروط القبول، فقد سئل ابن عثيمين: هل تصح صدقة المدين؟ فأجاب: الصدقة من الإنفاق المأمور به شرعا، والإحسان إلى عباد الله إذا وقعت موقعها، والإنسان مثاب عليها، وكل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة، وهي مقبولة سواء كان على الإنسان دين أم لم يكن عليه دين، إذا تمت فيها شروط القبول، بأن تكون بإخلاص لله عز وجل، ومن كسب طيب، ووقعت في محلها، فبهذه الشروط تكون مقبولة بمقتضى الدلائل الشرعية، ولا يشترط أن لا يكون على الإنسان دين، لكن إذا كان الدين يستغرق جميع ما عنده فإنه ليس من الحكمة ولا من العقل أن يتصدق، والصدقة مندوبة وليست بواجبة، ويدع دينا واجبا عليه، فليبدأ أولا بالواجب ثم يتصدق، وقد اختلف أهل العلم فيما إذا تصدق وعليه دين يستغرق جميع ماله: فمنهم من يقول: إن ذلك لا يجوز له؛ لأنه إضرار بغريمه، وإبقاء لشغل ذمته بهذا الدين الواجب، ومنهم من قال: إنه يجوز، ولكنه خلاف الأولى، وعلى كل حال فلا ينبغي للإنسان الذي عليه دين يستغرق جميع ما عنده أن يتصدق حتى يوفي الدين؛ لأن الواجب مقدم على التطوع .اهـ. من مجموع فتاواه .

وكذلك بقية التصرفات كالشراء وغيره قبل رد الحقوق: إن كانت تؤثر على رد الحقوق فلا يبعد القول بعدم جوازها، بناء على قول بعض العلماء بحرمة تصرف المدين بما يضر الغرماء، جاء في شرح المنتهى:  وَتَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ صَحِيحٌ نَصًّا, وَلَوْ اسْتَغْرَقَ دَيْنُهُ جَمِيعَ مَالِهِ; لأَنَّهُ رَشِيدٌ غَيْر مَحْجُورٍ عَلَيْهِ; وَلأَنَّ سَبَبَ الْمَنْعِ الْحَجْرُ فَلا يَتَقَدَّمُ سَبَبُهُ، وَيَحْرُمُ إنْ أَضَرَّ بِغَرِيمِهِ, ذَكَرَهُ الآمِدِيُّ الْبَغْدَادِيُّ. اهـ.

وراجعي الفتوى رقم: 179181.

فالواجب عليك المبادرة برد المال المسروق إلى جدتك، وألا تقدمي عليه صدقة أو تصرفا آخر يؤثر على رد الحق الذي في ذمتك.

والله أعلم.

www.islamweb.net