|
التربية
الأسرية العملية
من خلال سورة يوسف
بقلم
: محمد نور سويد
نستعرض
التربية الأسرية ومشاكلها وحلولها من
خلال سورة يوسف ، والتي تتجلى فيها
الواقعية من خلال أسرة نبوية ، وتظهر
فيها مرونة المعالجة للأخطاء التي تعترض
أفراد الأسرة ، ونرى طموح الآباء ، وصعود
وانحطاط بعض الأبناء ، ونرى المحن والفتن
التي تعترض الأسرة ، كما نرى النصر ،
والجلوس على سدة الحكم بكل تواضع ، ونرى
كيف تهتز أسرة العزيز بالحب الهادر وفي
مقابل ذلك نرى الطهر الكامل ، ونرى
التربية القرآنية تعرض المشهد بلا تهييج
للقارىء في أدق الأمور الجنسية بين
الجنسين ، فلا تتحرك المشاعر الهابطة ،
وإنما تتفاعل المشاعر العليا في
الاستماع وقراءة القصة ، وتلك من معجزة
القصص القرآني ، ونرى حسد الأخوة وغيرة
الكبار من الصغار ، وارتكابهم خطأ كبيرًا
في رمي أخيهم الصغير في الجب للتخلص منه ،
ونرى عفو الصغير عنهم في كبره بعزه وجاهه
وسلطانه ، فلا ينتقم لنفسه فيعفو ، ويصفح
، مقتديًا بوالده الذي عفا عن إخوته
قبلاً ، وهكذا يظهر الحق بعد حياةمريرة
للأسرة ، وتستقر عندما يعرف كل أخ فضل
أخيه ، ويبتعد الكبار عن حسد الصغار ،
ويتعرفون إلى أن سبب ذلك نزغ الشيطان
بينهم ، إلى غير ذلك من المواقف التي
نستعرضها على وجه الإجمال فيما يلي :
عند قراءة سورة يوسف قراءة تربوية نستلهم
النقاط التربوية العملية التالية
تحقيقًا لقوله تعالى .
- في بداية السورة : ( لقد كان في يوسف
وإخوته آياتٌ للسائلين ) [يوسف / 7] .
- وفي نهايتها ( لقد كان في قصصهم عبرة
لأولى الألباب ما كان حديثًا يُفترى ولكن
تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدىً
ورحمة لقومٍ يؤمنون )[يوسف/111] . وهكذا
تنسجم بداية السورة مع ختامها ، في أخذ
العبر والعظات الاعتقادية والتربوية ،
وإليك بعضًا منها :
1 - تسلية وتثبيت قلب سيدنا رسول الله
محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه
المؤمنين ، الذي لم يكن يعرف عن يعقوب
ويوسف شيئًا ، والمعروضتان في التوراة
باللغة السريانية ، لذا جاء التأكيد
بنزول القرآن عربيًا ، لإظهار معجزة
سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ،
بأنه يوحى إليه ، ولتعلم العرب قاطبة كيف
تتنزل القصص الإيمانية بلغتهم ، مع عجزهم
عن المحاكاة للقرآن . ( الر تلك آيات
الكتاب المبين * إنا أنزلناه قرآنًا
عربيًا لعلكم تعقلون * نحن نقص عليك أحسن
القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن
كنت من قبله لمن الغافلين )[ سورة يوسف : 1 ،
2 ، 3] .
أخرج البخاري عن أبي هريرة قال : كان اهل
الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية
ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم [ لا تصدقوا
أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا
بالله وما أنزل الله ] . قال القرطبي في
تفسره : روي أن اليهود سألوا رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف فنزلت
السورة ؛ وسيأتي تفصيلها . وقال سعد بن
أبي وقاص : أُنزل القرآن على رسول الله
صلى الله عليه وسلم فتلاه عليهم زمانًا
فقالوا : لو قصصت علينا ؛ فنزل : ( نحن نقص
عليك ) [ يوسف / 3] فتلاه عليهم زمانًا
فقالوا : لو حدثتنا ؛ فأنزل : ( الله نزَّل
أحسن الحديث ) [ الزمر / 23] . قال العلماء :
وذكر الله أقاصيص الأنبياء في القرآن
وكررها بمعنى واحد في وجوه مختلفة ،
بألفاظ متباينة على درجات البلاغة ، وقد
ذكر قصة يوسف ولم يكررها ، فلم يقدر مخالف
على معارضة ما تكرر ، ولا على معارضة غير
المتكرر ، والإعجاز لمن تأمل .
وبذلك يتعلم الطفل المسلم
قصص الأنبياء والرسل الواقعية ، بعيدًا
عن الخرافة والأساطير التي تعرض الآن في
الرائي تحت مسمى ( أفلام كرتون ) ، ويكون
الطفل المسلم الوحيد - من بين أطفال
العالم - الذي يتعلم قصص الأنبياء والرسل
بشكلها الصحيح والسليم ، فيتعلم منها
الاعتقاد والسلوك الصحيح ، ويتهيأ منذ
الصغر على مقاومة الباطل ، مستمدًا من
صمود الأنبياء والرسل منارة يهتدي بها في
حياته الطفلية والمستقبلية ، كما تتعلم
الأسرة المسلمة كيف تصبر على مواجهة
الأحداث .
2 - نلاحظ من بداية السورة قرب الأب من
ولده الصغير بحيث يصل لدرجة قص الرؤيا
على والده وهذا يدل على قوة العلاقة
الاتصالية بين الصغير ووالده ، ثم نرى
معرفة الأب لحسد إخوته الكبار ، لذا ينصح
ابنه الصغير يوسف بعدم قص الرؤيا على
إخوته الكبار : ( إذ قال يوسف لأبيه يا
أبتِ إني رأيتُ أحد عشر كوكبًا والشمس
والقمر رأيتهم لي ساجدين * قال يا بُني لا
تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا
إن الشيطان للإنسان عدو مبين )[يوسف/4 ، 5 ].
3 - ثم نرى نصح الأب لابنه الصغيرة بتوقع
مستقبل النبوة له باصطفاء الله تعالى ،
وتعليم الله له تأويل الرؤيا التي سيكون
له شأن كبير فيها ، والتي ستكون سببًا
لخروجه من سجن المستقبل ، والصغير لا
يدري كل ذلك : ( وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك
من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى
آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل
إبراهيم وإسحاق إن ربك عليمٌ حكيم )[يوسف/6]
ومن هنا نرى كلما كان
الأب قريبًا من ابنه ، حصلت بينهما علاقة
قوية ، تمكن الأب من معرفة طبيعة ابنه
ومواهبه ، وبالتالي تمكنه من رسم مستقبله
بما يتوافق مع طبيعته ، فلا يتعثر في
المستقبل . وهذا حصل أيضًا لسيدنا محمد
صلى الله عليه وسلم حيث توقعت أمه وجده
بأن له مستقبلاً رساليًا يقود فيه الأمة .
4 - ثم نرى حسد الإخوة الكبار لأخيهم
الصغير المحبوب لقلب والده أكثر منهم ،
وتواطئهم على التخلص منه ؛ باقتراحات
مختلفة ؛ أعلاها القتل ، وأخفها
الاستبعاد للصغير من وجه أبيه : ( إذ قالوا
ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن
عُصبةٌ إن أبانا لفي ضلال مبين * اقتلوا
يوسف أو اطرحوه أرضًا يخلُ لكم وجه أبيكم
وتكونوا من بعده قومًا صالحين * قال قائل
منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة
الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين
)[يوسف/8 ، 9 ، 10] .
ونستفيد من تلك الآيات
ضرورة كتمان الأب حبه الزائد ، وتفضيله
أحد الأبناء على الآخرين ، وأن يشعر جميع
الأبناء بعدله واقعًا وحسًا ماديًا
ومعنويًا ، كما أخبر الرسول صلى الله
عليه وسلم والد النعمان بن بشير وهو يريد
أن يشهده على وهبه لابنه بستانًا ، ولم
يهب الآخرين فقال له : [ أيسرك أن يكونوا
إليك في البر سواء ؟ قال بلى ، فقال ـ صلى
الله عليه وسلم ـ : فلا إذن ][رواه الشيخان
].
فرجع الأب عن تفضيله أحد أبنائه متبعًا
الهدي النبوي ، فسلمت أسرته من الغيرة
والحسد والعقوق ، وعلى الأب أن يبين
لأبنائه أن أفضلهم عند الله أفضلهم لديه
، وأحبهم لقلبه ، تحقيقًا لقوله تعالى : (
إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ( الحجرات ) .
5 - ثم نرى جلسة أسرية ظاهرها الرحمة
وباطنها المكر والتخطيط لبرنامج الخطة
في استبعاد الصغير من وجه أبيه ، ظنًا
منهم أن يخلوا بأبيهم من بعده ، ونلحظ من
التخطيط أنه محكم العرض ، منسجم لما
يتناسب مع الصغير وهو الفسحة في البر
واللعب الجماعي ، والحب الصادق في ظاهره
ومن جميعهم : ( قالوا يا أبانا ما لك لا
تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون * أرسله
معنا غدًا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون )[يوسف/11
، 12] ومن هنا نرى أهمية لعب الصغير ، فهو
المجال الذي يبني فيه جسمه ، ويمتع به
روحه ، ويغذي به نفسه فهو خير كله ، وهو
مطلب نبوي كذلك ، ليس أدل عليه من لعبه
صلى الله عليه وسلم في صغره مع الأطفال ،
وسماحه لأنس للعب مع أصدقائه ، وتسليمه
على الأطفال وهم يلعبون ، ثم لتلعيبه
سبطيه الحسن والحسين رضي الله عنهما أمام
الناس وفي البيت .ونلاحظ أمرًا آخر يدعو
للتأمل في الكلمة القرآنية وهي كلمة ( لا
تأمنا ) التي فيها حكم الإشمام أثناء
تلاوتها ، والإشمام ضم الفم عند النطق
بالميم دون إظهار حركة الضم عند النطق ،
فالتعبير القرآني يدل على اختلاس حركة
الضمة ، وكأن النطق يدل على اختلاس
الحقيقة في النفوس والتي لا يريد الأبناء
إظهارها أمام والدهم ، والله أعلم .
6 - ثم نرى جواب الأب المناسب للعرض الخادع
، ونلاحظ الحوار الأسري يستمر في عرض
الأحداث ، وتصويرها ، والحجج القوية من
كل طرف : ( قال إني ليحزنني أن تذهبوا به
وأخافُ أن يأكله الذئبُ وأنتم عنه غافلون
* قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبةٌ إنا
إذًا لخاسرون )[يوسف/13 ، 14] ، وهكذا تم لهم
ما أرادوه ، وانخدعوا بتدبيرهم وتخطيطهم
، ونسوا مراقبة الله لهم ، وهو الدرس الذي
سيتعلمونه فيما بعد
ونستفيد كذلك ضرورة
إنشاء الحوار بين الآباء والأبناء ، إذ
هو السبيل لتنمية مهارات الأبناء ، كما
ينشط الآباء في التفكير في مشاكل الأبناء
وحلها ، وأن يدربهم على إقامة الدليل
والبرهان ، وأن يتجاوب معهم لنتائج
الحوار .
7 - ثم نرى أن يعقوب وقع فيما حذر منه
ابنه الصغير يوسف بألا يحدث إخوته برؤياه
فيكيدوا له كيدًا ، وذلك ليعلم المؤمن
بأن عليه الأخذ بالحيطة ، ولكن قد يأتيه
البلاء مما خاف منه ، وخطط لعدم الوقوع
منه ، ليلجأ المؤمن في كل أحواله إلى الله
، وأن يسلم لقضائه .
8 - وبعد تمام مؤامرة الإخوة بإلقاء أخيهم
الصغير في الجب للتخلص منه ، جاء النصر
المبين من الله تعالى للصغير وهو في الجب
، انزل الله عليه الطمأنينة بالعودة إلى
إخوته ، ومباشرة الوحي بالنزول على
الصغير بأنه في رعاية الله تعالى ، وأن
الله تعالى فوق كيد المعتدين حتى لو
كانوا إخوته ، الذين نسوا الله في تلك
اللحظات ، ونسوا يوم كشف حقيقة خداعهم
لأبيهم وأخيهم : ( فلما ذهبوا به وأجمعوا
أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه
لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون )[يوسف
/15] .
9 - ثم يبين القرآن الحجج الباطلة عبر
دموع التماسيح الكاذبة ، والأدلة
المادية المزيفة ، وأمام كل الحجج التي
ظاهرها الحق وباطنها الباطل ، نرى موقف
النبي يعقوب ، وهو الدرس الأول المستفاد
لكل مؤمن ، فيأتي جوابه بالتوكل على الله
والاستعانة به على كل تلك الحجج الباطلة :
( وجاءوا آباءهم عشاء يبكون * قالوا يا
أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند
متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا
ولو كنا صادقين * وجاءوا على قميصه بدم
كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبرٌ
جميل والله المستعان على ما تصفون )[يوسف/16
، 17 ، 18] .
ونرى أن الحجج الباطلة
ابتدأت مما حذر منه الأب أبناءه ، وذلك
حتى يصدقهم أبوهم ، لذلك أحسوا أن حجتهم
العقلية ضعيفة : ( وما أنت بمؤمن لنا ولو
كنا صادقين ) فأتبعوه بالدليل المادي
القميص المضرج بدماء الكذب ، ونلحظ أن
الأب أحس بمكر أولاده ، وإن الأمر كان
خطة مبيتة من أولاده : ( قال بل سولت لكم
أنفسكم أمرًا ) ثم يبين أن الأمر يحتاج
للصبر الجميل لمواجهة حدث قتل ابنه ،
ويظهر أن الله قادر على كشف الحقيقة
وهنا يعلمنا القرآن
كيفية مواجهة الأحداث الأسرية والعامة
برفع شعار : ( فصبر جميل
والله المستعان على ما تصفون ) وبذلك
تزداد نفس المؤمن قوةً على مواجهة الكرب
والحزن والتآمر على العباد ، وضرورة
ابتعاد الآباء عن إظهار عنتريات فارغة ،
أو تسويفات كلامية ، أو خطب رنانة ، أو
تسويد مقالات مهترئة ، فيكشف القرآن
منهجاً جديدًا ألا وهو تفويض كشف الحقيقة
لله تعالى ، والصبر الجميل بلا ضجر ولا
ملل ولا سآمة ، أو إظهار الاستياء من قدر
الله تعالى ، لذا يأتي شعار ( فصبر جميل
والله المستعان على ما تصفون ) ذكرًا
يردده المؤمن صغيرًا وكبيرًا ، في حياته
اليومية في كل آن ، كلما عرض له عارض أو
طارىء .
10
- ثم ترينا الآيات رعاية الله تعالى
للصغير المرمي في الجب بيد إخوته ، لا بيد
أعدائه ، وترينا الآيات دقائق تفصيلية من
قدرة ورحمة الله تعالى ، وتمكينه لعبده ،
وأنه في الرعاية الإلهية في كل آن ، وهو
هدف إيماني من إيراد القصص القرآني ، كيف
يربي القرآن المؤمن بالقصة الواقعية
العملية : ( وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم
فأدلى دلوه قال يا بُشرى هذا غلام وأسروه
بضاعة والله عليم بما يعملون * وشروه
بثمنٍ بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من
الزاهدين ، وقال الذي اشتراه من مصر
لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو
نتخذه ولدًا * وكذلك مكنا ليوسف في الأرض
ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب
على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون *
ولما بلغ أشده آتيناه حكمًا وعلمًا ،
وكذلك نجزي المحسنين )[يوسف/19 ـ 20] .
إنه درس إيماني برعاية الله
لكل خطوة ، وأن أكثر الناس غافلون عن قدرة
وعلم ومشيئة الله تعالى ، فهم أرادوا
أمرًا ، والله تعالى أراد غيره ، ( والله
غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعملون
) .
11- ثم يذكر القرآن فتنة الشاب المراهق
الجميل ، في أعنف مشهد يحصل لشاب وسيم ،
أُوتي شطر الحسن ، خلوق بريء ، أمين طاهر
عفيف ، فينجيه الله من ذلك المكر ،
بأعجوبة دقيقة خفيت على كثير من الناس ،
وذلك بفضل لجوئه إلى الله واستنجاده به
بقوله : (معاذ الله ) : ( وراودته التي هو
في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت
هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي
إنه لا يفلح الظالمون * ولقد همَّت به
وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك
لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من
عبادنا المخلصين )[يوسف/23 ، 24] ، وأتت كلمة
( هيت ) ومخارج حروفها بدءًا من الهاء
ومخرجها من الجوف مرورًا بوسط الحلق
بالياء ثم الثنايا بالتاء ، ليدل على مدى
تمكن حبها منه . ولكن المؤمن لا يخون الله
ولا رسوله ولا من ائتمنه على عرضه ، وآواه
في بيته . ولقد هم بدفعها عنه ، فرأى برهان
ربه : لو أنه دفعها فسوف يستخدم دفعه لها
حتى تبتعد عنه من جهة صدرها سيكون دليلاً
ضده بأنه هو البادىء ، فلجأ إلى الهروب ،
مما أدى لأنت تلقي القبض عليه من قميصه من
الخلف ، فيكون ذلك دليل تبرئته من التهمة
.
( واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا
سيدها لدى الباب قالت ما جزاءُ من أراد
بأهلك سوءًا إلا أن يُسجن أو عذاب أليم *
قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من
أهلها إن كان قميصه قُد من قبل فصدقت وهو
من الكاذبين * وإن كان قميصه قُد من دبر
فكذبت وهو من الصادقين * فلما رأى قميصه
قُد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن
عظيم * يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك
إنك كنت من الخاطئين )[يوسف/25 ـ 29] ، ثم
ينكشف الأمر في المجتمع ، الذي يتتبع
عورات الناس وبخاصة الأسر الحاكمة ،
الأمر الذي يدعو كل أسرة إلى الاهتمام
بتربية نفسها كبارًا وصغارًا ، وأن وقع
الفضيحة ألم وعذاب كبير ، فأعدت امرأة
العزيز خطة في استدراج تلك النسوة اللاتي
تكلمن عنها ، وكن من طبقتها : ( وقال نسوةٌ
في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن
نفسه قد شغفها حبًا إنا لنراها في ضلال
مبين * فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن
وأعتدت لهن متكئاً وآتت كل واحدة منهن
سكينًا ، وقالت أخرج عليهنَّ فلما رأينه
أكبرنه وقطعن أيديهنَّ وقلن حاش لله
ماهذا بشرًا إن هذا إلا ملكٌ كريم * قالت
فذلكن الذي لُمتنني فيه ولقد راودته عن
نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره
ليسجنن وليكونًا من الصاغرين )[يوسف/30 ـ 32]
، وبعد أن سمع الفتى ذلك التهديد والوعيد
، إذ كان بامرأة العزيز وحدها ؛ فإذا
بالمؤامرة تزداد من تلك النساء جميعًا ،
فلا يزداد الشاب المؤمن إلا ثباتًا ،
ويلجأ إلى الله في أن يعصمه الله من مكرهن
، وطلب من الله أخف الضررين ، وتأتي
استجابة الدعاء مباشرة لعبده المضطر
يوسف ـ عليه السلام ـ ، بحرف الفاء الذي
يفيد السرعة والمباشرة فورًا : ( فاستجاب
له ربه فصرف عنه كيدهن )[يوسف/34] : ( قال ربِ
السجن أحبُ إليّ مما يدعونني إليه وإلا
تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من
الجاهلين * فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن
إنه هو السميع العليم )[يوسف/33 ، 34] ، ثم
نرى أن مجلس العزيز بدأ يفكر في الأمر لكي
يتدارك ألم الفضيحة بين الناس ، فوجد بعد
المداولة : ( ثم بدا لهم من بعد ما رأوا
الآيات ليسجننه حتى حين )[يوسف/35] ، فترينا
الآيات أن علاج شغف الحب يكون بالإبعاد
بين المتحابين ؛ واليأس من حصول الزواج
بينهما
12 - ثم تبين الآيات التربية السجينة
للداعية ، وتبين الدعوة إلى الله وعبادته
التي خلق الإنسان من أجلها فهي معه أينما
ذهب وأينما حل وارتحل ، سفرًا وحضرًا ،
سجنًا وحرية ، صحة ومرضًا ، غنى وفقرًا ،
وفي كل أحوال المؤمن الزمانية والمكانية
يستمر بالدعوة إلى الله ، وما الدعوة إلى
الله تعالى إلا دعوة المجتمع والأسر
والأفراد ، إلى التربية الصحيحة بعبادة
الله وحده ، والاستقامة على منهج الله
تعالى وتشريعه ، فيتنظف المجتمع من أدران
المخدرات ، والايدز ، ويتخلص المجتمع
من حقد المرابين مصاصي دماء الشعوب ،
وآكلي ثمرات جهودهم ، ويتطهر المجتمع
والأسرة من أكل أموال بعضهم بعضًا
بالباطل .
هكذا يعلمنا القرآن عبر قصة يوسف موقفه
في السجن : ( ودخل معه السجن فتيان قال
احدهما إني أراني أعصر خمرًا وقال الآخر
إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل
الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من
المحسنين * قال لا يأتيكما طعامٌ ترزقانه
إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما
ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قومٍ لا
يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون *
واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب
ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من
فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر
الناس لا يشكرون * يا صاحبي السجن أأرباب
متفرقون خيرٌ أم الله الواحد القهار * ما
تعبدون من دونه إلا أسماءً سميتموها أنت
وآباؤكم ما انزل الله بها من سلطان إن
الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ،
ذلك الدين القيم ولكن أكثر لا يعلمون * يا
صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا
وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه ،
قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان )[يوسف/36 ـ
41] ، وهكذا عرض يوسف السجين لزملائه في
السجن دليل الوحدانية لله تعالى ، وسبق
ذلك إظهار نبوءته لهم بنوعية الطعام الذي
يأتيهما ، كما قام على خدمتهم بتفسير
منامهما وحلمهما ، ويعطي لهما رأيه بكل
يقين ، وأن تفسير المنام هو فتوى ، لا
يجوز دفعها إلا من المفتي العالم بها .
وبذلك يتعلم الولد أن الثبات على الإيمان
قد يدفع ثمنه من فترات حياته ، فيقضيها في
السجن في سبيل الله تعالى ، فلا يتذمر
لقضاء الله تعالى ، ويستمر في دعوته لله
رب العالمين ، ويرى في سجن سيدنا يوسف
وسيدنا محمد وأصحابه المؤمنين الصغار
والكبار في شعب مكة ثلاث سنين قدوة حسنة .
13 - ثم تأتي قصة رؤيا الملك ، وتبدأ قصة
يوسف بالعد التنازلي من البلاء ، ونرى من
بداية السورة ووسطها ونهايتها التركيز
على علم تفسير الرؤيا ، وأنه وهبي من الله
لا كسبي من الإنسان ، وذلك فضل من الله
تعالى يعطيه من شاء من عباده .
ففي أولها : ( وكذلك يجتبيك
ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم
نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمَّها
على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك
عليم حكيم )[يوسف/6] .
وفي وسطها : ( ولنعلمه من
تأويل الأحاديث )[يوسف/21] .
وفي نهايتها : ( رب قد آتيتني
من الملك وعلّمتني من تأويل الأحاديث )[يوسف/101]
فلنستعرض رؤيا الملك ، وكيف انكشف خطأ
امرأة العزيز في الوقت الذي أراده الله
أن يظهر : ( وقال الملك إني أرى سبع بقراتٍ
سمانٍ يأكلهنَّ سبع عجاف وسبع سنبلاتٍ
خضرٍ وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني
في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون * قالوا
أضغاث أحلامٍ وما نحن بتأويل الأحلام
بعالمين * وقال الذي نجا منهما وادكر بعد
أمةٍ أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون * يوسف
أيها الصِّدِّيقُ أفتنا في سبع بقراتٍ
سمانٍ يأكلهنَّ سبعٌ عجافٌ وسبعَ
سنبلاتٍ خضرٍ وأخرَ يابساتٍ لَعلِّي
أرجع إلى الناس لعلَّهم يعلمون * قال
تزرعون سبع سنين دأبـًا فما حصدتم فذروه
في سنبله إلا قليلاً ممَّا تأكلون * ثم
يأتي من بعد ذلك سبعٌ شدادٌ يأكلنَ ما
قدمتم لهنَّ إلاَّ قليلاً ممَّا تحصنون *
ثم يأتي من بعد ذلك عامٌ فيه يُغَاثُ
الناس وفيه يعصرون * وقال الملك ائتوني به
فلمَّا جاءه الرسولُ قال ارجع إلى ربك
فاسأله ما بالُ النِّسوةِ اللآتي قطَّعن
أيديهنَّ إن ربي بكيدهنَّ عليم * قال ما
خطبكنَّ إذ راودتنَّ يوسف عن نفسه قلن
حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امراة
العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن
نفسه وإنه لمن الصادقين * ذلك ليعلم أني
لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد
الخائنين * وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة
بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم )[يوسف/43
ـ 53] .
وهكذا يفسر يوسف رؤيا الملك
تفسيرًا اقتصاديـًا ، ويعلِّمنا أن نعمة
الله قد تتقدم البلاء أو العجز الاقتصادي
، فعلى الدولة والمجتمع والأسرة والفرد
أن يتعلم أن ما يرده من نعمة مالية أو
غيرها قد تكون لتشمل ما يتأخر من أحداث ،
فالإدارة الاقتصادية للدولة والمجتمع
والأسرة والفرد مطلوب ، حتى لا يقع العجز
الاقتصادي الذي لا يبقي ولا يذر ، ومن هنا
وجب على الأسرة أن تربي أفرادها على
الإدارة الاقتصادية ، مصداقـًا لقول عمر
" اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم
" .
كما ندرك أهمية تعبير الرؤيا للصغير
والكبير ، والحاكم والمحكوم ، وكما ورد
أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين
جزءًا من النبوة ، وقد كان النبي ـ صلى
الله عليه وآله وسلم ـ يلتفت إلى أصحابه
بعد صلاة فجر كل يوم فيسأله أصحابه عن
رؤياهم ليفسرها لهم ، حتى أفرد البخاري
وغيره باب تعبير الرؤيا ، مما يدل على
أهمية الاعتناء بهذا العلم .
|