|
|
مسؤولية التربية " 1 "
الشيخ فاروق الرحماني
** الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه
، وبدأ خلق الإنسان من طين ، ثم جعل نسله
من سلالة من ماء مهين ، ثم سواه ونفخ فيه
من روحه وجعل لكم السمع والأبصار
والأفئدة قليلاً ما تشكرون ، وأشهد أن لا
إله إلا اله وحده لا شريك له ؛ خلق فسوّى ،
وقدّر فهدى .
وإنما المقصود ألا يضعف الوالدان أمام
الواجب وألا يستسلما للعاطفة أمام
المصلحة الكبرى .
فماذا تنتظر من طفل تمنع الشفقة أباه أن
يردَّ له خوفًا من صراخه فينطبع في نفسه
أن الصراخ والبكاء هما الوسيلة إلى
الوصول إلى ما يريد . ولذا نجد كثيرًا من
أجيال المسلمين اليوم في عدد من بلاد
الإسلام لا يجدون في والديهم إلا الإفراط
في التدليل والشفقة ، أو في الإهمال
واللامبالاة ؛ ففرّخ ذلك الميوعة والضعف
والإنهزامية واللامبالاة .
إن تعويد الطفل على ضبط رغباته ، والتحكم
في شهواته منذ صغره ، وتكلف المشقة التي
يحتملها في التعود على بعض العبادات قبل
بلوغه التكليف قد جاء الشرع به ؛ فهو يؤمر
بالصلاة لسبعٍ ، ويُضرب عليها لعشر ، كما
يؤمر بالصوم حتى يتعوده عند بلوغه .
يقول ابن القيم - رحمه الله - في المودود
بأحكام المولود " :
(وينبغي لوليه أن يجنبه .. الكسل والبطالة
والدعة والراحة ، بل يأخذه بأضدادها ،
ولا يريحه إلا بما يجمّ نفسه وبدنه للشغل
، فإن للكسل والبطالة عواقب سوء ، ومغبة
ندم ، وللجد والتعب عواقب حميدة ، إما في
الدنيا وإما في العقبى ، وإما فيهما ؛
فأروح الناس أتعب الناس ، وأتعب الناس
أروح الناس ، فالسيادة في الدنيا
والسعادة في العقبى ، لا يُوصَلُ إليها
إلا على جسر من التعب .
تصورات مغلوطة :
* يخطىء من يظن أن حُسْن التربية يقتصر
على الطعام الطيب ، والشراب الهنيى
والكسوة الفخمة ، والدراسة المتفوقة ،
ولا يبالون بالتربية على الخُلُق الكريم
والتدين الصادق .
* ويخطىء من الآباء من يتوهم أن المدرسة
هي المكلفة بحمل هذه المسؤولية وحدها بعد
أن وضعهم في مدرسة - ولو كانت مدرسة تقوم
بهذا العبء وتقدره -
* ويخطىء كذلك من يعتقد أن مرحلة الطفولة
ليست ذات تأثير كبير في الإنسان ،
وتكونيه النفسي .
يا معشر الآباء والأمهات .. انتبهوا ...
إننا لا نجد تعبيراً عن أهمية وخطورة
التربية المنزلية في المراحل الأولى
أبلغ من قوله صلى الله عليه وسلم : [ كل
مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه
أو ينصرانه أو يمجسانه ] .
فمن أهم المهمات أن يغتنم الأبوان مرحلة
الصِّغر التي يكون الطفل فيها سهلاًا
سلسًا لينًا مُطيعًا ، ليجنيا ثمرة ذلك
في ولدٍ صالحٍ ، يأخذ بأيدهما إلى الجنة
حين ينقطع عمل ابن آدم إلا من ثلاث :
[ علم يُنتفع به ، أو صدقةٍ جارية ، أو
ولدٍ صالحٍ يدعو له ] .
قال الغزالي - رحمه الله : -
" والصبي أمانة عند والديه ، وقلبه
الطاهر جوهرة نفيسة ساذَجة خالية من كل
نقش وصورة ، وهو قابلٌ لكل ما يُنقش ،
ومائلٌ لكل ما يُمال إليه ، فإن عُوِّد
الخبر وعُلِّمَه نشأ عليه وسُعِدَ في
الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه كل
مُعلمٍ له ومؤدب " .
* إن الطفل يستطيع أن يميز بدءًا من
الخامسة من عمره ، بل وقبل ذلك ، وهو في
هذه السن وحتى يبلغ الحُلُم يكون أطوع ما
يكون ، فإذا ضُيِّعتْ هذه الفرصة وتُركت
هذه الصفحة البيضاء اسودّت بفعل
المؤثرات السلبية المحيطة ، وأصبح القلب
الأبيض أسود منكوسًا عنيدًا لا يعرف
معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشرب من
هواه ، وحينئذٍ يستيقظ الأبوان فزعين :
ماذا جرى ؟! .. مَنْ هذا الشيطان ؟! .. أين
ذهب القلب البرىء ؟! ..
وماذا نفعل ؟ّ! .. كيف نقوّمُهُ ؟!
ولكن هيهات هيهات فقد شبَّ عن الطوق ،
وخرج من دفْ المهد ، ويبس منه العظم
والرأس ، وصدق فيه قول من قال :
إن الغصون إذا قوَّمتها اعتدلت
ولن
تلين إذا قوّمتها الخُشُبُ
ومن قال :
إن الغلامَ مطيعٌ من يُؤدبه
ولا
يُطيعكَ ذو سنِّ بتأديبِ
هل التربية هي التدليل ؟
مُرَكب النقص في الشخصية سببه أحد أمرين :
الإفراط في التدليل ، أو الإفراط في
الإذلال والكبت ؛ أما التدليل فلأن الطفل
كثير الخطأ ، محتاج إلى ضبط سلوكه بصفة
مستمرة ، تكون في كثير من الأحيان على
خلاف مزاجه ، كما ان رغبات الطفل لا حدود
لها ولا بد من فطامه عن السيء منها كما
يُفطم عن ثدي أمه حين يكون أحبَّ شيء إليه
.
إنك بالواقع والتجربة تجد الطفل المدلل
الذي يجابه الحياة حين يصير رجلاًا ، إن
كان سعيد الحظ ، واسع الرزق ، أعفته
المسؤوليات ومواجهة المشكلات ، وإن
اضطرته أقداره إلى الصراع من أجل حياته
فإنه قلما يكون ناجحًا موفقًا معتمدًا
على نفسه .
ولا أدل على ذلك من المشهد المتكرر حينما
يولد طفل جديد على الطفل الذي كان
متربعًا على عرش الأمومة وحده ، نجده
يتعرض لصدمة نفسية إن لم يكن قد أُعدَّ
إعدادًا حكيمًا لمثل هذا الموقف الصعب ،
وإلا فسرعان ما يكظم في نفسه انفعال
الاستياء ، ويعمد إلى التبول في الفراش
والتأتاة ، وغيرؤ ذلك من أعراض الكبت
الناجم عن المذلة النفسية التي قُدِّرت
له .
كما يخطىء من يظن أن القسوة الشديدة هي
مقصود التربية ؛ فيتجرد الأبوان من
الشفقة والحنان - وليس ذلك ممكنًا أصلاً
عند الأسوياء - فإن البهيمة ترفع رجلها عن
ولدها خشية أن تصيبه وإنما يرحم الله من
عباده الرحماء .
|
|
|