|
أ.د. عبدالعظيم الديب .
، فقد يكون الإنسان أباً عطوفاً شفوقاً مع أبنائه خاصة ، يستنفذون طاقة حنانه ، وجهد شفقته ، وآخر بره ، فلا يبقى لغيرهم شيء ، أما نبي الرحمـة صلى الله عليه وسلم فقد كانت الأبوة فيه كاملةً شاملة فاض برها وحنانها وشفقتها على أبنـاء المسلمين جميعـاً ، وسعدوا بها ، وتَفيّـؤوا ظلالها ، كانت أبوة سخية معطاءة ، بارة حانية ، تُعلم الآباء كيف يكون البر ؟ وكيف تكون الرحمة ؟ وكيف يكون الحنان ؟ بل كيف تكون الأبوة، وما زال وسيظل يرنّ في آذان البشرية أخبار تلك الأبوة الكاملة الشاملة ، حيث سجلتـها الأحاديث الصحيحة سطوراً من نور يهدي الإنسانية إلى سنة خير البرية . عليه الصلاة وأزكى السلام . كان صلى الله عليه وسلم يفرح بأطفـال المسلمين ، ويهنئ بميلادهم ، ويباركهم ، ويسعد إذ يأتونه بهم يُحنـكهم ، ويسميهم ، ويبين للمسلمين كيف يستقبـلون أبناءهم ، ويحثهم على الفرحة بهم ، والاحتفال بمقدمهم ، ويدعوهم للعقيقة عنهم يوم سابعهم ، ويشهد هذه الولائم تنويهاً بها، وإعلاءً لشأنها وللمناسبة التي أقيمت من أجلها . عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها حملت عبد الله بن الزبير بمكة ، قالت : فخرجت وأنا متـم - أي في آخر أيام الحمل - فقدمت المدينة ، فنزلت بقبـاء ، فولدت بقُباء ، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوضعه في حجـره ، ثم دعا بتمرة ، فمضغها ، ثم تفل في فيه ، فكان أول شيء دخل جوفه ريقُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم حنّكه بالتمرة ( التحنيك: هو أن يمضغ التمرة حتى تلين ، ثم يدلك بها حنك الصبي ، داخل فمه ، حتى ينزل إلى جوفه شيء منه ) ثم دعا له ، فبرّك عليه ، وكان أولَ مولود في الإسلام . وفي رواية أخرى زيادة : ففرحوا به فرحاً شديداً ، لأنهم قيل لهم : إن اليهـود قد سحرتكم فلا يولد لكم. رواه الشيخان . وفي الصحيحين أيضاً عن عائشة رضي الله عنها ، نحو هذا الحديث ، وفيه وسمـاهعبد الله . ولا يقولن قائل : إن هذا يدخل في باب ملاطفة النبي صلى الله عليه وسلم لأبنائه ، وآل بيتـه ، فإن أسماء أخت عائشة زوجه ، والزبـير زوج أسماء ابن صفية بنت عبد المطلب ، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يقولن قائل ذلك، فإن هذا لم يكن لابن أسمـاء وحدها ، والأخبار عن فعله عليه الصلاة والسـلام ذلك بغير عبد الله بن الزبير لا تقف عند حصر . وكأني بأصحابه رضوان الله عليهم قـد عرفوا حبّه عليه الصلاة والسـلام لذلك وسعادته به ، فكانوا يحرصون عليه ، ويهتمون به ، بل وجدوا _ هم أيضاً _ خيراً في ذلك لأبنائهم ، وبركة عليهم ، يشهد لذلك مارواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال : ولدت أم سُليم - زوج أبي طلحة ، وأم أنس- غلاماً ، فقال أبو طلحة: ( احفظيه أي لا يتناول شيئاً ، كما صرح بذلك في رواية أخرى عند البخاري أيضاً حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وسلم ) ، وفي الـرواية الأخـرى أن الذي طلب حفظه من أن يتناول شيئاً هي أم سليم ، ولا مانع أن يكون الطلب بالمحافـظة على الغلام من أن يتناول شيئاً قد كان كل منهما جميعاً - من أبي طلحة وأم سليم - ، وتكررت الرواية من أنس رضي الله عنه . قال أنس : وأرسلت أم سليم - معه أي الصبي - بتمرات ، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : أمعه شيء؟ قالوا : نعم . تمرات ، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فمضغها ثم أخذ من فيه فجعلها في فم، الصبي وحنّكه به ، وسماه عبد الله . وهذا الحديث أخرجه "مسلم " بزيادة فجعل الصبي يتلمظه فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : حُب الأنصار التمر . فهنا نجد حرص كل من أبي طلحة ، وزوجته أم سليم على أن يكون أول ما يدخل جوفَ الصبي من ريقُ النبي صلى الله عليه وسلم . ولا يفوتنا أن نسجل ما ظهر من تلطف الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومداعبته، حين علق على تلمظ الطفل يتلمظ ، أي يحرك لسانه في فمه ، ليتتبع ما فيه من تمر قائلاً : حُب الأنصار التمر . |
|