الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الرجم للحر المحصن ثابت بالقرآن والسنة

السؤال

شيخنا الجليل: أنا في حيرة من أمري، لأنني أعرف ـ طيلة عمري ـ أن عقوبة الزانية والزاني المحصنين: هي الرجم، ولكن بعد أن شاهدت فيلما عن الرجم وتصورت عملية الرجم شعرت أنها فعلا عملية دموية جداً وليس بها رأفة ليس بالزانية أو الزاني فهم لا يستحقون الرأفة، ولكن بمن ينفذون هذا الحكم! فكيف يقف البشر ويمسكون بحجارة وينهالون بها عليها ـ أو عليه ـ حتى يقتلوه؟ وهذا الوقت قد يأخذ ساعات! إنه أمر عنيف ويخلع الرحمة من القلوب مما جعلني أفكر هل حقاً ربنا أمرنا بهذا؟ أو أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو من أمرنا بهذا؟ تذكرت حديث رجم الغامدية، لكنني تذكرت أول قاعدة في الفقه وهي أن أول مصدر من مصادر التشريع هو القرآن، وثاني مصدر هو الأحاديث النبوية بشرط أن لا تعارض نصا قرآنيا واضحا، كما الله وعدنا بحفظ القرآن, إلا أن الأحاديث منها الضعيف، ومنها الموضوع، ومنها ما دسه اليهود وسط الكتب، إلا أن هناك أيضاً الصحيح والحسن، لكن إذا توفر الحكم في القرآن فإن الأمر منته، فمسكت كتاب الله ـ المصدر الأول للتشريع ـ لأتدبر هذا الأمر وطبعاً ذهبت إلي سورة النور فهي التي تكلمت في هذا الشأن بوضوح وكانت البداية وكأنني أقرؤها لأول مرة، بسم الله الرحمن الرحيم: سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فالله لم يتكلم في أول أي سورة عن نفس السورة كمثل هذه، فالله يقول: أنزلناها وفرضناها ـ تدبر معني: فرضناها ـ وأنزلنا فيها آيات بينات ـ والله حينما يقول أن الآيات بينات، فهي لا تحتاج لتوضيح من سنة ولا فقه ولا أي شيء فهو رب العزة ـ لعلكم تذكرون ـ ثم ابتدأ الله تبارك وتعالي بحد من حدوده: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وهنا الأمر واضح جداً لم يفرق الله بين المحصنات وغير المحصنات ـ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ـ وهنا العذاب هو الجلد، والمعروف أن العذاب يختلف عن الموت ثم حينما ننظر للآية: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ـ فهنا الحديث عن المحصنة التي يتهمها زوجها وليس له شهداء، أليس معني العذاب هنا مثل ما في الآية: 2؟ ثم حينما أذهب إلي سورة النساء في حالة الجارية التي تزني بعد زواجها قال تعالي: فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.نصف ما على المحصنات من العذاب ـ فهل هناك نصف رجم؟ أليس معنى نصف هنا أن حد الله يمكن عده وتقسيمه؟ 50 جلدة بدل من 100 جلدة، كما أن هناك آيات تتكلم عن المرأة الزانية وكأنها حية بعد تنفيذ حد الله فيها ويكون لها بعض العقوبات الأخرى: الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
سورة النور.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا.
سورة النساء.
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا.
سورة الطلاق.
أليس كل هذا كاف بأن نأخذ حكم المسألة من القرآن؟ أرجوك شاركني التفكير أو وضح لي الأمر إن كان عندي لبس.ونسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فمصدر الأحكام في الإسلام: القرآن والسنة ـ فعن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ـ ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع. رواه أبو داود.

فالسنة حجة بإجماع المسلمين وقد حفظها الله بتقييض العلماء الراسخين الذين وضعوا قواعد قبول الأحاديث وميزوا بين الصحيح والضعيف، وانظر في هذا الفتوى رقم: 28205.

والسنة الثابتة لا يمكن أن تعارض القرآن، فكلاهما وحي من عند الله يجب علينا اتباعه، وانظر الفتوى رقم: 72354.

واعلم أن حكم الرجم للحر المحصن ثابت بالقرآن والسنة والإجماع، فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال عمر: إن الله قد بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف. متفق عليه.

وأما السنة: فأحاديث الرجم للزاني المصحن ثابتة في كتب الحديث التي أجمعت الأمة على صحتها.

وأما الإجماع: فقال النووي: أجمع العلماء على أن الرجم لا يكون إلا على من زنى وهو محصن ـ وسبق بيان صفة المحصن ـ وأجمعوا على أنه إذا قامت البينة بزناه وهو محصن يرجم.

وأما حد الزنا المذكور في سورة النور: إنما هو للأحرار غير المحصنين، وذلك لورود تخصيص حكم الإماء بالآية التي في سورة النساء، فحد الأمة المحصنة إذا زنت نصف حد الحرة البكر ـ أي خمسين جلدة ـ وحكم المحصنين الأحرار مخصوص بالآية التي نسخت تلاوتها، وللفائدة راجع الفتوى رقم: 33579.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني