الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ارتكاب الواعظ بعض الأخطاء لا يبرر تركه له

السؤال

أنا شاب في الأربعينات أصيل إحدى قرى الشمال الشرقي للبلاد التونسية، ولدت وترعرعت في عائلة متدينة على يدي أب من حفظة القرآن وممن تلقوا بعض علوم الدين واللغة العربية في الزيتونة (رحمه الله وجعل قبره روضة من رياض الجنة). وأنا الآن أب لأربعة أطفال أربيهم على عبادة الله عزّ وجلّ واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بمساعدة زوجة متدينة أسأل الله أن يبارك لي فيهم وأن يهب لي منهم قرة أعين.
بعد الثورة تنحى الإمام الخطيب من موقعه بمسجد البلدة وقد كان معروفا بحماسه الشديد للرئيس المخلوع لدرجة أنه كان يبكي بكاء المساند له في خطبة الجمعة يوم هروبه وقبل إعلان ذلك. فحصل شغور امتدّ لثلاثة أسابيع ولم يتقدم أحد لسده. عندها تقدمت للإمامة ليس لأني عالم دين ولكن لسد ثغرة مع استعدادي المعلن للتنازل عن المهمة لمن يرى في نفسه الكفاءة. وفي الأثناء اعتمدت المنهج التالي :
بما أني لست عالما مؤهلا للقول برأيه في الدين فالأمثل أن أعتمد الأمانة والدقة في النقل وأعرض المواضيع بأدلتها الشرعية بداية بالآيات القرآنية ثم الأحاديث الصحيحة وقول الأئمة المقتدى بهم من أصحاب المذاهب ثم العلماء المعاصرين الملتزمين بسنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وحرصت طيلة السنة ونصف التي قضيتها على المنبر أن أحث الناس على اتباع سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم وأن أبتعد عن التكلم بالهوى أو بما أختاره من آراء العلماء بل تقديم كل الحلول الفقهية التي لا تتعارض مع السنة حرصا على عدم التضييق على الناس بمذهب أو بقول وعمدت إلى اتباع طريق الدعوة باللين وبالصبر. وخارج المسجد حرصت أن أكون قدوة في سلوكي وهو ما أنا عليه بالفعل ولله الحمد لأني تربيت على الخوف من الله وزاد خوفي مع تحمل هذه المسؤولية .. إلا من شيء واحد وهو عادة التدخين التي علقت بي منذ المراهقة ولم أستطع التغلب عليها مع تعدد محاولاتي، ربما لأني لم أسع لتركه بنية العبادة بل بنية ترك المباح حتى لا يعتدّ الناس بعملي فقد قمت بعديد البحوث عن التدخين وأعلم أن العديد من أهل العلم يحرمونه والبعض يقولون بكراهته علما وأني لما علقت بي هذه العادة السيئة في الثمانينات كان قول العلماء حينها بجوازه وقلة مع كراهته. ثم إن محاولاتي للإقلاع تسبب لي ضررا يفوق التدخين نفسه : ضرر في المعاملات مع عائلتي وتلاميذي في المدرسة .. وضرر على مستوى آدائي العملي بما في ذلك البحث والتدقيق في النصوص الشرعية .. خلاصة الأمر عظم علي الأمر وصرت خائفا من مسؤولية الإمامة لعلمي بأنهم أول من يحاسبون يوم القيامة وبأنهم يحملون أوزارهم وأوزار من يتبعونهم مع أني لم أقل في أي مناسبة للناس بأن التدخين حلال بل أذكر قول العلماء. وصرت خائفا أن أكون من المنافقين أو من المرائين وفكرت مرارا بالتخلي عن مسؤولية الإمام الخطيب بل وابتعدت مدة لكن إصرار الناس جعلني أرجع ولكن الخوف أن أكون من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة لا يزال يلاحقني وأقول لنفسي إن تكن مأموما وتخطئ فطمعنا بعفو الله كبير أما أن تكون إماما فتلك خسارة وفضيحة على رؤوس الأشهاد يوم القيامة
عفوا على الإطالة وأرجو رأيكم بخصوص مواصلتي من عدمها لهذه الأمانة وأنا كما ذكرت لكم

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فنسأل الله أن يزيدك حرصا على الخير وأن يثبتنا وإياك على الحق حتى نلقاه، والذي ننصحك به ألا تترك الوعظ وتذكير الناس، وليس من شرط الواعظ والداعية أن يكون خاليا من الأخطاء عاريا عن الذنوب، فإن هذه ما كانت إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، وما دمت تفعل ما تفعل وتعظ الناس وتبلغهم ما تعلم من دين الله متحريا ما صح من السنة وقال به أهل العلم الموثوقون حريصا على الإخلاص لله في ذلك كله وتجنب الرياء المحبط للعمل فلست إن شاء الله ممن تسعر بهم النار يوم القيامة. وإذا وجدت من هو أمثل منك وأعلم بالكتاب والسنة فقدمه لهذا المنصب، واستمر فيما أنت عليه من الخير من التمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم والحث عليها وأن تكون قدوة صالحة للناس مستشعرا الخوف من الله تعالى.

وأما التدخين فقد كادت كلمة العلماء المعاصرين تستقر على تحريمه لما تبين من ضرره البالغ واستقر من مخاطره الأكيدة على الصحة، ومن ثم فالذي ننصحك به أن تجاهد نفسك للتوبة من تعاطي الدخان، واعلم أنك متى استعنت بالله وصدقت اللجأ إليه أعانك ووفقك للتخلص من هذه العادة الذميمة، قال تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. وإن لم يكن بد من انقطاعك عن هذه العادة بصورة تدريجية فلا بأس بذلك، ويمكنك مراجعة قسم الاستشارات بموقعنا للتعرف على أمثل الطرق للإقلاع عن التدخين، نسأل الله أن يرزقك توبة نصوحا وأن ينفع بك ويهديك لأرشد أمرك.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني