الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فنظرة إلى ميسرة

فنظرة إلى ميسرة

فنظرة إلى ميسرة

بعد حديث القرآن الكريم عن حرمة التعامل بالربا، وتوعد المتعاملين به بحرب من الله ورسوله، يأتي حديث القرآن الكريم عن الدَّين، والأمر بإنظار المعسرين عن أدائه؛ وذلك قوله عز وجل: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} (البقرة:280). وفي هذه الآية من الأحكام ما نجمله في المسائل التالية:

المسألة الأولى: (العسرة) ضيق الحال من جهة عدم المال، ومنه جيش العسرة. و(النَّظِرة) -بكسر الظاء- اسم للتأخير والتأجيل. و(الميسرة) -بفتح السين، وقُرِئ بضمها- اسم لليسر، وهو الغنى، وهو ضد العسر.

المسألة الثانية: مورد الآية على ديون معاملات الربا، غير أن جمهور الفقهاء عمموها في جميع المعاملات، ولم يعتبروا خصوص السبب؛ لأنه لما أبطل حكم الربا، صار رأس المال ديناً بحتاً، فما نصَّ عليه من طلب الإنظار في الآية حكم ثابت للدَّين كله.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: {فنظرة إلى ميسرة} الصيغة طلب، وهي محتملة للوجوب والندب؛ فإن أريد بـ (العسرة) العدم، أي نفاد ماله كله، فالطلب للوجوب. وإن أريد بـ (العسرة) ضيق الحال، وإضرار المدين بتعجيل القضاء، فالطلب يحتمل الوجوب، وقد قال به بعض الفقهاء، ويحتمل الندب، وهو قول الجمهور، فمن لم يشأ أن يُنْظِره فله ذلك، ولو ببيع جميع ماله؛ لأن هذا حق يمكن استيفاؤه، و(الإنظار) معروف، و(المعروف) لا يجب.

المسألة الرابعة: القاعدة في الدَّين تقول: إن كل من ألزم نفسه ديناً، بعقد عقده على نفسه، يلزمه أداؤه، ومحكوم عليه بأنه موسر به، وغير مُصَدَّق على الإعسار المسقط عنه المطالبة، ما لم تقم بينة على إعساره، كما لا يُصَدَّق على التأجيل بعد ثبوته عليه حالًّا.

المسألة الخامسة: قوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة} مع قوله في الآية السابقة عليها: {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم} (البقرة:279) يدل على ثبوت المطالبة لصاحب الدين على المدين، وجواز أخذ ماله بغير رضاه؛ لأنه تعالى جعل اقتضاؤه ومطالبته من غير شرط رضى المدين، وهذا يوجب أن من له على غيره دين، فطالبه به، فله أخذه منه شاء أم أبى، وبهذا المعنى ورد الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، حين قالت له هند زوجة أبي سفيان: إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فهل علي جناح أن آخذ من ماله سرًّا؟ قال: (خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف) متفق عليه، فأباح لها أخذ ما استحقته على أبي سفيان من النفقة من غير رضى أبي سفيان.

المسألة السادسة: قوله عز وجل في الآية المتقدمة: {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} (البقرة:279) فيه دلالة على أن الغريم متى امتنع من أداء الدين مع الإمكان كان ظالماً، فإن الله تعالى يقول: {فلكم رءوس أموالكم} فجعل له المطالبة برأس ماله، فإذا كان له حق المطالبة، فعلى المدين لا محالة وجوب قضائه.

المسألة السابعة: قال ابن العربي: "فإن قيل: وبم تُعْلَم العسرة؟ قلنا: بأن لا نجد له مالاً؛ فإن قال الطالب: خبأ مالاً. قلنا للمطلوب: أثبت عدمك ظاهراً، ويحلف باطناً، والله يتولى السرائر".

المسألة الثامنة: من كثرت ديونه، وطلب غرماؤه مالهم، فللقاضي أن يصادر جميع ماله، ويترك له ما كان من ضرورات حياته. وفي هذه الحال يحرم حبسه. والأصل في هذا قوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} فأمرت الآية صاحب الدين بإنظار المدين حال إعساره إلى أن يصبح موسراً غير معسر. وقد روي في الصحاح أن رجلاً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصيب في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تصدقوا عليه) فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه: (خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك). وفي رواية عند أبي داود: فلم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم غرماءه على أن خلع لهم ماله. وهذا نص في المسألة، فلم يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحبس الرجل، ولا بملازمته، خلافاً لأبي حنيفة؛ فإنه قال: يُلَازم؛ لإمكان أن يظهر له مال، ولا يُكلف أن يكتسب.

المسألة التاسعة: مذهب جمهور الفقهاء أن المدين المفلس يحبس حتى يتبين عدمه. ولا يحبس عند مالك إن لم يُتهم أنه أخفى ماله، ولم يتبين مماطلته.

المسألة العاشرة: إن جُمع مال المفلس، ثم تلف قبل وصوله إلى غرمائه، وقبل البيع، فعلى المفلس ضمانه، ودين الغرماء ثابت في ذمته. فإن باع القاضي ماله، وقبض ثمنه، ثم تلف الثمن قبل قبض الغرماء له، كان عليهم ضمانه، وقد برئ المفلس منه.

المسألة الحادية عشرة: أجمع الفقهاء على أن الممتنع عن أداء الدين لا يستحق العقوبة بالضرب، والواجب حبسه فحسب؛ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، قوله: (لَيُّ الواجد يُحِلُّ عقوبته وعِرْضه) رواه البخاري. قال ابن المبارك: (يُحِلُّ عرضه) يغلظ له. و(عقوبته) يحبس. وقال سفيان: (يحل عرضه) يقول: مطلتني. و(عقوبته) الحبس. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَطْلُ الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم على مليءٍ، فَلْيَتْبَع) متفق عليه، فجعل (مطل الغني) ظلماً، والظالم لا محالة مستحق العقوبة، وهي الحبس؛ لاتفاقهم على أنه لم يرد غيره. وعند أبي داود وابن ماجه أن هرماس بن حبيب -رجل من أهل البادية- أخبر عن أبيه، عن جده، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بغريم لي، فقال لي: (الزمه)، ثم قال لي: (يا أخا بني تميم! ما تريد أن تفعل بأسيرك؟) وهذا يدل على أن له حبس الغريم؛ لأن الأسير يحبس، فلما سماه (أسيراً) له، دل على أن له حبسه.

المسألة الثانية عشرة: اختلف الفقهاء في الحال التي توجب الحبس، فمذهب الحنفية أنه إذا ثبت عل الإنسان شيء من الدين من أي وجه ثبت، وامتنع عن أدائه، فإنه يحبس شهرين، أو ثلاثة، ثم يسأل عنه؛ فإن كان موسراً تركه في الحبس أبداً حتى يقضيه، وإن كان معسراً أخلى سبيله. وقد روي عن أبي حنيفة أن المطلوب بدين، إذا قال: إني معسر، وأقام البينة على ذلك، أو قال: فسل عني، فلا يسأل عنه أحداً، وحَبَسه القاضي شهرين، أو ثلاثة، ثم يسأل عنه، إلا أن يكون معروفاً بالعسر، فلا يحبسه. وقال مالك: لا يحبس المدين في الدين، ولا يستبرأ أمره، فإن اتهم أنه قد خبأ مالاً، حبسه، وإن لم يجد له شيئاً لم يحبسه، وخلاه. وقال الشافعي: إذا ثبت عليه دين، بِيْعَ ما ظهر، ودَفَع، ولم يحبس، فإن لم يظهر، حُبس، وبِيْعَ ما قُدِر عليه من ماله، فإن ذكر عسره، وقبلت منه البينة، وأحلفه مع ذلك بالله، ومنع غرماءه من لزومه.

المسألة الثالثة عشرة: إذا ثبت عند القاضي إعسار المدين، وأطلق سراحه، فمذهب الحنفية أن لصاحب الدين ملازمته؛ لأنه صاحب حق، وله المطالبة بحقه. وقال مالك والشافعي: ليس له أن يلزمه؛ لثبوت إعساره، وثبوت الإعسار يسقط حق المطالبة ما دام الإعسار قائماً.

المسألة الرابعة عشرة: مذهب الحنفية جواز التأجيل في الديون الحالَّة الواجبة عن البيوع، ومذهب الشافعي أنه إذا كان الدين حالًّا في الأصل، فلا يصح التأجيل به.

المسألة الخامسة عشرة: وردت أحاديث عدة تتوعد الممتنع عن أداء ما عليه من دين للعباد، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إن أعظم الذنوب عند الله، أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر التي نهى الله عنها، أن يموت رجل وعليه دين، لا يدع له قضاء) رواه أبو داود.

المسألة السادسة عشرة: قول الحق تبارك وتعالى: {وأن تصدقوا} ندب الله تعالى بهذه الآية صاحب الدين إلى الصدقة على المعسر، وجعل ذلك خيراً من إنظاره، روى الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" عن بُرَيدة بن الخصيب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أنظر معسراً كان له بكل يوم صدقة) ثم قلت: بكل يوم مثله صدقة، فقال: (بكل يوم صدقة، ما لم يَحِلَّ الدَّين، فإذا حَلَّ الدين، فأنظره، فله بكل يوم مثله صدقة). وروى مسلم عن أبي مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيء، إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسراً، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر) قال: (قال الله عز وجل: نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه).

وروى الطحاوي أيضاً عن عبد الله بن أبي قتادة أن أباه طلب غريماً له، فتوارى عنه، ثم وجده، فقال: إني معسر. فقال: آلله؟ قال: آلله. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفس عن معسر، أو يضع عنه) وهذا الحديث وحديث أبي مسعود يدلان على أن صاحب الدين إذا علم عسرة غريمه، أو ظنها، حرمت عليه مطالبته، وإن لم تثبت عسرته عند القاضي.

وعند الطحاوي كذلك، أن كعب بن عمرو سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (من أنظر معسراً، أو وضع عنه، أظله الله في ظله). و(إنظار) المعسر تأخيره إلى أن يوسر. و(الوضع) عنه إسقاط الدين عن ذمته. وفي هذه الأحاديث من الترغيب في وضع الدين عن المدين ما هو منصوص فيها.

والمتحصل أن إسقاط الدين عن المعسر، والتنفيس عليه بإغنائه أفضل، وجَعَلَه الله صدقة؛ لأن فيه تفريج الكرب، وإغاثة الملهوف؛ لذلك قال العلماء: الصدقة على المعسر قربة؛ وذلك أفضل عند الله من إنظاره إلى الميسرة.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة