الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

{وإذا قيل لهم...قالوا}

{وإذا قيل لهم...قالوا}

{وإذا قيل لهم...قالوا}

وردت في القرآن الكريم آيات اتفق موضوعها، ووقع شيء من الاختلاف في بعض ألفاظها، وما ذلك إلا لمعنى قد يدركه العقل، فتنكشف له وجوه من مكنون هذا الكتاب العظيم، فيصح فيه قول الله تعالى: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها} (فاطر:2)؛ وقد يعجز عن ذلك، فيسلِّم الأمر إلى الله، ويصح فيه قوله سبحانه: {وما يمسك فلا مرسل له من بعده} (فاطر:2).

ومن هذه القبيل نقف على آيتين كريمتين، نحاول كشف مكنونهما، وتتبع مضمونهما، ورصد أوجه الاتفاق والافتراق بينهما:

أما الآية الأولى فقوله تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} (البقرة:170).

وأما الآية الثانية فقوله سبحانه: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون} (المائدة:104).

وهاتان الآيتان الكريمتان بينهما أوجه اتفاق وأوجه اختلاف، أما أوجه الاتفاق بينهما، فتبدو لنا في أمور أربعة:

أولها: أن الآيتين الكريمتين تضمنتا دعوة غير مباشرة إلى اتباع منهج الله وتطبيقه في مجالات الحياة كافة، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها؛ حيث إن كلا الآيتين أفادتا ذم من لم يتبع منهج الهدى والرشاد، الأمر الذي يفيد أن الفوز والنجاح لا يكون إلا باتباع هذا المنهج.

ثانيها: أن الآيتين الكريمتين نفتا الهداية عن كل من لا يلتزم شرع الله، ولا يحكِّمه في شؤون حياته، وبالتالي يكون كل من أعرض عن شرع الله ضالاً عن سواء السبيل.

ثالثها: أن كلا الآيتين بدأتا بقوله سبحانه: {وإذا قيل لهم}، فجاء الفعل {قيل} بصيغة المبني للمجهول؛ ليدل ذلك على أن هذه سُنَّة المعرضين عن هدي السماء منذ بدء الرسالات، وهي مستمرة على ممر الأزمان والأيام، فليست هي حالة خاصة بفريق من الناس، وليست هي ظاهرة عابرة في زمن من الأزمان، بل كل نبي من الأنبياء وُجِد في قومه من يتبع سَنَن الآباء، ويتبنى نهجهم، ويسير على دربهم.

رابعها: أن الآيتين الكريمتين اختتمتا بقوله تعالى: {ولا يهتدون}، فجاء ختم الآيتين بلفظ واحد للدلالة على أن هدى السماء لا يختلف بين من يعقلون ومن يعلمون؛ فمن كان صاحب عقل دلَّه عقله على أن الهداية الحق إنما هي هداية السماء، ومن كان ذا علم أرشده علمه إلى أن الهدى هدى الله، ولا هدى سواه.

وأما أوجه الاختلاف بين الآيتين فتبدو لنا في أمور ثلاثة:

الأول: أن مقول القول في آية البقرة جاء التعبير عنه بالفعل: {اتبعوا}، ليناسب جوابهم بعد: {بل نتبع}، فيفيد مجمل سياق الآية الإخبار عن اتباع سَنَن الآباء؛ في حين أن مقول القول في آية المائدة جاء التعبير عنه بالفعل: {تعالوا}، ليناسب جوابهم بعدُ: {حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا}، فيفيد مجموع ذلك حثهم على الارتفاع من حضيض الأرض الذي هم فيه إلى هدي السماء، ودعوتهم إلى التزام ما جاءهم من الهدي المبين. فكان الاهتمام والتركيز في آية البقرة منصبًّا على ذم منهج اتباع الآباء؛ وكان الاهتمام والتركيز في آية المائدة منصبًّا على الحثِّ على اتباع هدي السماء.

الثاني: جاء جواب الأتباع في آية البقرة: {بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا}، وجوابهم هذا فيه مؤاخذة لهم؛ لإقرارهم باتباع منهج آبائهم؛ في حين جاء جوابهم في آية المائدة: {حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا}، وجوابهم هذا يعني أنهم اكتفوا بما عندهم؛ ولا حاجة لهم فيما سواه، فكان هذا الموقف منهم أشد رفضاً لمنهج الهدى؛ لأن جوابهم في آية البقرة كان مجرد اعتراف منهم، أنهم متبعون ما وجدوا عليه آباءهم، أما جوابهم في آية المائدة فهو إقرار منهم أن ما وجدوا عليه آباءهم كاف لهم في تسيير أمور حياتهم، وهو مغن لهم عن أي تشريع سواه.

الثالث: أن جوابهم في آية البقرة جاء التعبير عنه بالفعل {ألفينا}؛ و(الإلفاء): وجدان شيء على حالة خاصة من غير سعي لوجدانه، فالأكثر أن يكون مفاجئاً، أو حاصلاً عن جهل بأول حصول؛ في حين أن جوابهم في آية المائدة جاء التعبير عنه بالفعل {وجدنا}؛ وهذا فيه إشارة إلى أنهم نشؤوا على اتباع الآباء وعقلوه، مما أكسبهم تعلقاً به، وأن اتباع الآباء كان نهج آبائهم، وذلك مما يزيدهم تعلقاً به تبعاً لمحبة آبائهم؛ لأن محبة الشيء تقتضي محبة أحواله وملابساته.

الرابع: كان جواب الحق سبحانه في آية البقرة: {أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا}، في حين كان الجواب في سورة المائدة: {أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا}، وهنا ثمة فرق بين (التعقل) و(التعلم)؛ فـ (التعقل) عملية ذهنية ينشأ عنها فكر وتدبر للأمور، غير أنه هناك فريق من الناس لا يعرفون كيف يعقلون، ولذلك فهم يأخذون القضايا مسلمة كعلم من غيرهم الذي (عقلها)؛ فالذي يعقل أعلى منـزلة من الذي يعلم؛ لأن الذي (عقل) هو إنسان قد أعمل فكره، وأجهد عقله للوصول إلى فكرة ما؛ أما الذي (علم) فقد أخذ علم غيره؛ وبحسب لغة الاقتصاد: الذي (يعقل) إنسان منتج، والذي (يعلم) إنسان مستهلك. فمثلاً العامي الذي يأخذ حكم مسألة عن فقيه يقال عنه: علِمَها، ولا يقال عنه: عقلها؛ لأن الذي عقلها حقاً هو الفقيه، الذي أعمل عقله وفكره حتى استخرج حكمها.

وهذا الاختلاف بين (العقل) و(العلم) في الآيتين يناسب ردهم في الموضعين؛ فعندما قالوا: {بل نتبع}، وَصَفَهم بـ {لا يعقلون}، فهم مجرد مقلدين لآبائهم، من غير إعمال عقل أو إجهاد فكر؛ وعندما قالوا: {حسبنا}، وَصَفَهم بأنهم {لا يعلمون}، أي: حتى العلم الذي يقتضي الأخذ عن الغير هم لا سبيل لهم إليه، فهم {كالأنعام بل هم أضل} (الأعراف:179).

وختاماً، لا بد من الإشارة إلى أنه ليس من الصواب القول هنا: إن ألفاظ إحدى الآيتين هي أبلغ من ألفاظ الآية الأخرى، أو أنها أدق تعبيراً عن المقصود، بل الصواب أن يقال: إن ألفاظ كل آية من الآيتين الكريمتين جاءت مناسبة مع السياق الكلي للآية، ومنسجمة مع المعنى العام لها. وكذلك الأمر بالنسبة لكل آية في القرآن، تأتي ألفاظها منسجمة مع جملها، وتأتي كلماتها متسقة مع سياقها.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة