التاريخ والتراجم

سير أعلام النبلاء

محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر: 1422هـ / 2001م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: أربعة وعشرون جزءا

مسألة: الجزء الثالث عشر
أبو زرعة الرازي ( م ، ت ، س ، ق )

الإمام ، سيد الحفاظ عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ : محدث الري . ودخول " الزاي " في نسبته غير مقيس ، كالمروزي .

مولده بعد نيف ومائتين .

وقد ذكر ابن أبي حاتم أن أبا زرعة سمع من : عبد الله بن صالح العجلي ، والحسن بن عطية بن نجيح وهما ممن توفي سنة إحدى عشرة ومائتين ، فيما بلغني . فإما وقع غلط في وفاتهما ، وإما في مولده ، وإما في لقيه لهما .

[ ص: 66 ] وقد سمع من : محمد بن سابق ، وقرة بن حبيب ، وأبي نعيم ، والقعنبي ، وخلاد بن يحيى ، وعمرو بن هاشم ، وعيسى بن مينا قالون ، وإسحاق بن محمد الفروي ، وعبد العزيز بن عبد الله الأويسي ، ويحيى بن بكير ، وعبد الحميد بن بكار ، وصفوان بن صالح ، وسليمان ابن بنت شرحبيل ، وأحمد بن حنبل ، وطبقتهم .

قال لنا أبو الحجاج في " تهذيبه " هو مولى عياش بن مطرف بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي . . . . ثم سرد شيوخه ، ومنهم : أحمد بن يونس اليربوعي ، والحسن بن بشر البجلي ، والحسن بن الربيع البوراني ، وأبو عمر الحوضي ، والربيع بن يحيى الأشناني ، وسهل بن بكار الدارمي ، وشاذ بن فياض ، وقبيصة بن عقبة ، ومحمد بن الصلت الأسدي ، ومسلم بن إبراهيم ، وموسى بن إسماعيل ، وأبو الوليد الطيالسي ، وآخرون .

وذكر شيخنا أبو الحجاج فيهم أبا عاصم النبيل ، وهذا وهم ، لم يدركه ، ولا سمع منه ، ولا دخل البصرة ، إلا بعد موته بأعوام .

وطلب هذا الشأن وهو حدث ، وارتحل إلى الحجاز والشام ، ومصر والعراق والجزيرة وخراسان ، وكتب ما لا يوصف كثرة .

حدث عنه : أبو حفص الفلاس ، وحرملة بن يحيى ، وإسحاق بن موسى الخطمي ، ومحمد بن حميد الرازي ، ويونس بن عبد الأعلى ، والربيع المرادي -وهم من شيوخه- وابن وارة ، وأبو حاتم ، ومسلم بن الحجاج ، وخلق من أقرانه ، وعبد الله بن أحمد ، وأبو بكر بن أبي داود ، وأبو عوانة الإسفراييني ، وأبو بكر بن زياد ، وأحمد بن محمد بن أبي حمزة [ ص: 67 ] الذهبي ، ومحمد بن حمدون النيسابوري ، وعدي بن عبد الله والد الحافظ أبي أحمد ، وموسى بن العباس الجويني ، ومحمد بن الحسين القطان ، والحسن بن محمد الداركي ، وخلق كثير . وابن سابق -شيخه- وهو : محمد بن سعيد بن سابق .

فذكر سعيد بن عمرو البرذعي ، أن أبا زرعة قال : لا أعلم صفا لي رباط يوم قط ، أما بيروت : فأردنا العباس بن الوليد بن مزيد ، وأما عسقلان ; فأردنا محمد بن أبي السري ، وأما قزوين : فمحمد بن سعيد بن سابق .

قال ابن أبي حاتم : فروخ جد أبي زرعة هو مولى عباس بن مطرف القرشي .

قال أبو بكر الخطيب : سمع أبو زرعة من مسلم بن إبراهيم ، وأبي نعيم ، وقبيصة ، وأبي الوليد ، ويحيى بن بكير . قال : وكان إماما ربانيا ، حافظا متقنا مكثرا . . جالس أحمد بن حنبل ، وذاكره ، وحدث عنه من أهل بغداد : إبراهيم الحربي ، وعبد الله بن أحمد ، وقاسم المطرز .

قال تمام الرازي : أخبرنا جعفر بن محمد الكندي ، حدثنا أبو زرعة الدمشقي قال : قدم علينا جماعة من أهل الري دمشق قديما ، منهم : أبو يحيى فرخويه ، فلما انصرفوا -فيما أخبرني غير واحد ، منهم : أبو حاتم الرازي - رأوا هذا الفتى قد كاس -يعني أبا زرعة الرازي - فقالوا له : نكنيك بكنية أبي زرعة الدمشقي . ثم لقيني أبو زرعة الرازي بدمشق ، وكان يذكرني [ ص: 68 ] هذا الحديث ، ويقول : بكنيتك اكتنيت .

قال أبو عبد الله بن بطة : سمعت النجاد ، سمعت عبد الله بن أحمد يقول : لما ورد علينا أبو زرعة ، نزل عندنا ، فقال لي أبي : يا بني ! قد اعتضت بنوافلي مذاكرة هذا الشيخ .

وقال صالح بن محمد جزرة : سمعت أبا زرعة يقول : كتبت عن إبراهيم بن موسى الرازي مائة ألف حديث ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة مائة ألف فقلت له : بلغني أنك تحفظ مائة ألف حديث ، تقدر أن تملي علي ألف حديث من حفظ ؟ قال : لا ، ولكن إذا ألقي علي عرفت .

قال عبد الرحمن بن أبي حاتم : قلت لأبي زرعة : يجوز ما كتبت عن إبراهيم بن موسى مائة ألف ؟ قال : مائة ألف كثير . قلت : فخمسين ألفا ؟ قال : نعم ، وستين وسبعين ألفا . حدثني من عد كتاب الوضوء والصلاة ، فبلغ ثمانية عشر ألف حديث .

وقال أبو عبد الله بن منده الحافظ : سمعت أبا العباس محمد بن جعفر بن حمكويه بالري يقول : سئل أبو زرعة عن رجل حلف بالطلاق : أن أبا زرعة يحفظ مائتي ألف حديث هل حنث ؟ فقال : لا . ثم قال أبو زرعة : أحفظ مائتي ألف حديث ، كما يحفظ الإنسان : قل هو الله أحد وفي المذاكرة ثلاث مائة ألف حديث .

[ ص: 69 ] هذه حكاية مرسلة ، وحكاية صالح جزرة أصح . روى الخطيب هذه عن عبد الله بن أحمد السوذرجاني ، أنه سمع ابن منده يقول ذلك .

قال الحافظ أبو أحمد بن عدي : سمعت أبي يقول كنت بالري ، وأنا غلام في البزازين ، فحلف رجل بطلاق امرأته : أن أبا زرعة يحفظ مائة ألف حديث . فذهب قوم -أنا فيهم- إلى أبي زرعة ، فسألناه ، فقال : ما حمله على الحلف بالطلاق ؟ قيل : قد جرى الآن منه ذلك . فقال أبو زرعة : ليمسك امرأته ، فإنها لم تطلق عليه . أو كما قال .

قال ابن عدي : سمعت الحسن بن عثمان التستري ، سمعت أبا زرعة يقول : كل شيء : قال الحسن : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجدت له أصلا ، إلا أربعة أحاديث .

وقال ابن أبي حاتم : قال أبو زرعة : عجبت ممن يفتي في مسائل الطلاق ، يحفظ أقل من مائة ألف حديث .

وقال ابن أبي شيبة : ما رأيت أحفظ من أبي زرعة .

وقال أبو عبد الله الحاكم : سمعت أبا جعفر محمد بن أحمد الرازي يقول : سمعت محمد بن مسلم بن وارة قال : كنت عند إسحاق بنيسابور ، فقال رجل من العراق : سمعت أحمد بن حنبل يقول : صح من الحديث سبعمائة ألف حديث وكسر ، وهذا الفتى -يعني أبا زرعة - قد حفظ ستمائة ألف حديث .

[ ص: 70 ] قلت : أبو جعفر ليس بثقة .

ابن عدي : سمعت أحمد بن محمد بن سعيد ، حدثني الحضرمي ، سمعت أبا بكر بن أبي شيبة ، وقيل له : من أحفظ من رأيت ؟ قال : ما رأيت أحفظ من أبي زرعة الرازي .

ابن المقرئ : حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني : سمعت محمد بن إسحاق الصاغاني يقول : أبو زرعة يشبه بأحمد بن حنبل .

وقال علي بن الحسين بن الجنيد : ما رأيت أحدا أعلم بحديث مالك بن أنس مسندها ومنقطعها من أبي زرعة ، وكذلك سائر العلوم .

قال ابن أبي حاتم : سئل أبي عن أبي زرعة : فقال : إمام .

قال عمر بن محمد بن إسحاق القطان : سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل ، سمعت أبي يقول : ما جاوز الجسر أحد أفقه من إسحاق ابن راهويه ، ولا أحفظ من أبي زرعة .

ابن عدي : سمعت أبا يعلى الموصلي يقول : ما سمعنا بذكر أحد في الحفظ ، إلا كان اسمه أكبر من رؤيته ، إلا أبا زرعة الرازي ، فإن مشاهدته كانت أعظم من اسمه ، وكان قد جمع حفظ الأبواب والشيوخ والتفسير ، كتبنا بانتخابه بواسط ستة آلاف حديث .

[ ص: 71 ] وقال صالح جزرة : حدثنا سلمة بن شبيب ، حدثني الحسن بن محمد بن أعين ، حدثنا زهير ، حدثتنا أم عمرو بنت شمر ، سمعت سويد بن غفلة يقول " وعيس عين " . يريد : وحور عين [ الواقعة : 22 ] قال صالح : فألقيت هذا على أبي زرعة ، فبقي متعجبا ، فقال : أنا أحفظ في القراءات عشرة آلاف حديث . قلت : فتحفظ هذا ؟ قال : لا .

ابن عدي : سمعت الحسن بن عثمان ، سمعت ابن وارة ، سمعت إسحاق ابن راهويه يقول : كل حديث لا يعرفه أبو زرعة الرازي ، فليس له أصل .

وقال الحاكم : سمعت الفقيه أبا حامد أحمد بن محمد ، سمعت أبا العباس الثقفي يقول : لما انصرف قتيبة بن سعيد إلى الري ، سألوه أن يحدثهم ، فامتنع ، فقال أحدثكم بعد أن حضر مجلسي أحمد ، وابن معين ، وابن المديني ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو خيثمة ؟ قالوا له : فإن عندنا غلاما يسرد كل ما حدثت به ، مجلسا مجلسا ، قم يا أبا زرعة ، قال : فقام ، فسرد كل ما حدث به قتيبة ، فحدثهم قتيبة .

قال سعيد بن عمرو الحافظ : سمعت أبا زرعة يقول : دخلت البصرة ، فحضرت سليمان الشاذكوني يوم الجمعة ، فروى حديثا [ ص: 72 ] فرددت عليه . ثم قال : حدثنا ابن أبي غنية عن أبيه ، عن سعد بن إبراهيم ، عن نافع بن جبير ، عن أبيه ، قال : لا حلف في الإسلام .

فقلت : هذا وهم وهم فيه إسحاق بن سليمان وإنما هو : سعد ، عن أبيه ، عن جبير قال : من يقول هذا ؟ قلت : حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا ابن أبي غنية فغضب ثم قال : ما تقول فيمن جعل الأذان مكان الإقامة ؟

قلت : يعيد . قال : من قال هذا ؟ قلت : الشعبي . قال : من عن الشعبي ؟ قلت : حدثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن جابر ، عن الشعبي . قال : ومن غير هذا ؟ قلت : إبراهيم وحدثنا أبو نعيم ، حدثنا منصور بن أبي الأسود ، عن مغيرة ، عنه . قال : أخطأت . قلت : [ ص: 73 ] حدثنا أبو نعيم ، حدثنا جعفر الأحمر ، حدثنا مغيرة . قال : أخطأت . قلت : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا أبو كدينة ، عن مغيرة . قال : أصبت . ثم قال أبو زرعة : اشتبه علي ، وكتبت هذه الأحاديث الثلاثة عن أبي نعيم ، فما طالعتها منذ كتبتها . ثم قال : وأي شيء غير هذا ؟ قلت : معاذ بن هشام ، عن أشعث ، عن الحسن . قال : هذا سرقته مني -وصدق- كان ذاكرني به رجل ببغداد ، فحفظته عنه .

قال أبو علي جزرة : قال لي أبو زرعة : مر بنا إلى سليمان الشاذكوني نذاكره . قال : فذهبنا ، فما زال يذاكره حتى عجز الشاذكوني عن حفظه ، فلما أعياه ، ألقى عليه حديثا من حديث الرازيين ، فلم يعرفه أبو زرعة ، فقال سليمان : يا سبحان الله حديث بلدك هذا مخرجه من عندكم!؟ وأبو زرعة ساكت ، والشاذكوني يخجله ويري من حضر أنه قد عجز . فلما خرجنا ، رأيت أبا زرعة قد اغتم ، ويقول : لا أدري من أين جاء بهذا ؟ فقلت له : وضعه في الوقت كي تعجز وتخجل . قال : هكذا ؟ قلت : نعم ، فسري عنه .

ابن عدي : سمعت محمد بن إبراهيم المقرئ ، سمعت فضلك الصائغ يقول : دخلت المدينة ، فصرت إلى باب أبي مصعب ، فخرج إلي شيخ مخضوب ، وكنت ناعسا ، فحركني ، وقال : يا مردريك! من أين أنت ؟ أي شيء تنام ؟ قال : أصلحك الله ، أنا من الري ، من بعض شاكردي أبي زرعة فقال : تركت أبا زرعة وجئتني ؟ ! لقيت مالكا [ ص: 74 ] وغيره ، فما رأت عيناي مثل أبي زرعة .

قال : ودخلت على الربيع بمصر ، فقال : من أين ؟ قلت : من الري . قال : تركت أبا زرعة وجئت ؟ إن أبا زرعة آية ، وإن الله إذا جعل إنسانا آية ، أبانه من شكله ، حتى لا يكون له ثان .

قال ابن أبي حاتم : سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول : ما رأيت أكثر تواضعا من أبي زرعة ، هو وأبو حاتم إماما خراسان .

وقال يوسف الميانجي سمعت عبد الله بن محمد القزويني القاضي يقول : حدثنا يونس بن عبد الأعلى يوما ، قال : حدثني أبو زرعة ، فقيل له : من هذا ؟ فقال : إن أبا زرعة أشهر في الدنيا من الدنيا .

ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن أحمد ، سمع أحمد بن حنبل يدعو الله لأبي زرعة . وسمعت عبد الواحد بن غياث يقول : ما رأى أبو زرعة مثل نفسه .

سعيد بن عمرو البرذعي : سمعت محمد بن يحيى يقول : لا يزال المسلمون بخير ما أبقى الله لهم مثل أبي زرعة ، يعلم الناس ، وما كان الله ليترك الأرض إلا وفيها مثل أبي زرعة ، يعلم الناس ما جهلوه .

علقها ابن أبي حاتم عن سعيد .

[ ص: 75 ] ابن عدي : حدثنا أحمد بن محمد بن سلمان القطان ، حدثنا أبو حاتم الرازي ، حدثني أبو زرعة عبيد الله ، وما خلف بعده مثله ، علما وفهما وصيانة وحذقا ، وهذا ما لا يرتاب فيه ولا أعلم من المشرق والمغرب من كان يفهم هذا الشأن مثله .

ابن عدي : سمعت القاسم بن صفوان ، سمعت أبا حاتم يقول : أزهد من رأيت أربعة : آدم بن أبي إياس ، وثابت بن محمد الزاهد ، وأبو زرعة الرازي ، وذكر آخر .

قال النسائي : أبو زرعة رازي ثقة .

وقال أبو نعيم بن عدي : سمعت ابن خراش يقول : كان بيني وبين أبي زرعة موعد أن أبكر عليه ، فأذاكره ، فبكرت ، فمررت بأبي حاتم وهو قاعد وحده ; فأجلسني معه يذاكرني ، حتى أضحى النهار . فقلت : بيني وبين أبي زرعة موعد ، فجئت إلى أبي زرعة والناس منكبون عليه ، فقال لي : تأخرت عن الموعد . قلت : بكرت ، فمررت بهذا المسترشد ، فدعاني ، فرحمته لوحدته ، وهو أعلى إسنادا منك ، وصرت أنت بالدست . أو كما قال .

السابق

|

| من 2

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة