العقيدة

منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية

أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية

مكتبة ابن تيمية

سنة النشر: 1406هـ / 1986م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: تسعة أجزاء

مسألة: الجزء السابع
وهنا طريق آخر ، وهو أنه قد عرف بالتواتر الذي لا يخفى على العامة والخاصة ، أن أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم كان لهم بالنبي صلى [ ص: 459 ] الله عليه وسلم اختصاص عظيم ، وكانوا من أعظم الناس اختصاصا به ، وصحبة له ، وقربا إليه ، واتصالا به ، وقد صاهرهم كلهم ، وما عرف عنه أنه كان يذمهم ، ولا يلعنهم ، بل المعروف عنه أنه كان يحبهم ويثني عليهم .

وحينئذ فإما أن يكونوا على الاستقامة ظاهرا وباطنا ، في حياته وبعد موته ، وإما أن يكونوا بخلاف ذلك في حياته أو بعد موته ، فإن كانوا على غير الاستقامة مع هذا التقرب ، فأحد الأمرين لازم : إما عدم علمه بأحوالهم ، أو مداهنته لهم ، وأيهما كان فهو أعظم القدح في الرسول صلى الله عليه وسلم كما قيل :

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

وإن كانوا انحرفوا بعد الاستقامة فهذا خذلان من الله للرسول في خواص أمته ، وأكابر أصحابه ، ومن قد أخبر بما سيكون بعد ذلك ، أين كان عن علم ذلك ؟ وأين الاحتياط للأمة حتى لا يولى مثل هذا أمرها ، ومن وعد أن يظهر دينه على الدين كله ، فكيف يكون أكابر خواصه مرتدين ؟

فهذا ونحوه من أعظم ما يقدح به الرافضة في الرسول ، كما قال مالك وغيره : إنما أراد هؤلاء الرافضة الطعن في الرسول ليقول القائل : رجل سوء كان له أصحاب سوء ، ولو كان رجلا صالحا لكان أصحابه صالحين .

ولهذا قال أهل العلم : إن الرافضة دسيسة الزندقة ، وإنه وضع عليها . وطريق آخر أن يقال : الأسباب الموجبة لعلي - إن كان هو المستحق - [ ص: 460 ] قوية [1] ، والصوارف منتفية ، والقدرة حاصلة . ومع وجود الداعي ، والقدرة وانتفاء الصارف يجب الفعل ، وذلك أن عليا هو [2] ابن عم نبيهم ، ومن أفضلهم نسبا ، ولم يكن بينه وبين أحد عداوة : لا عداوة نسب ، ولا إسلام ، بأن يقول القائل : قتل أقاربهم في الجاهلية .

وهذا المعنى [3] منتف في الأنصار ، فإنهم لم يقتل أحدا من أقاربهم ، ولهم الشوكة ، ولم يقتل من بني تيم ، ولا عدي ، ولا كثير من القبائل [4] أحدا ، والقبائل [5] التي قتل منها كبني عبد مناف ، كانت تواليه ، وتختار ولايته [6] ; لأنه إليها أقرب ، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نص على ولايته [7] ، أو كان [8] هو الأفضل المستحق لها لم يكن هذا مما يخفى عليهم ، وعلمهم بذلك يوجب انبعاث إرادتهم إلى ولايته إذا لم يكن هناك صارف يمنع ، والأسباب كانت مساعدة لهذا الداعي ، ولا معارض لها ، ولا صارف أصلا .

ولو قدر أن الصارف كان في نفر قليل فجمهور المسلمين لم يكن لهم فيها صارف يصرفهم عنه ، بل هم قادرون على ولايته ، ولو قالت الأنصار : علي أحق بها من سعد ومن أبي بكر - ( ما ) [9] أمكن أولئك [ ص: 461 ] النفر من المهاجرين أن يدافعوهم ، وقام أكثر الناس مع علي ، لا سيما وكان جمهور الذين في قلوبهم مرض يبغضون عمر لشدته عليهم ، وبغض الكفار والمنافقين لعمر أعظم من بغضهم لعلي بما لا نسبة بينهما ، بل لم [10] يعرف أن عليا كان يبغضه الكفار والمنافقون إلا [11] كما يبغضون أمثاله ، بخلاف عمر فإنه كان شديدا عليهم ، وكان من القياس أن ينفروا عن جهة فيها عمر .

ولهذا لما استخلفه أبو بكر كره خلافته طائفة ، حتى قال طلحة : ماذا تقول لربك إذا وليت علينا فظا غليظا ؟ فقال : أبالله تخوفني ؟ أقول : وليت عليهم خير أهلك .

فإذا كان أهل الحق مع علي ، وأهل الباطل مع علي ، فمن الذي يغلبه إذا كان الحق معه ؟ وهب أنهم إذا قاموا لم يغلبوا ، أما كانت الدواعي المعروفة في مثل ذلك توجب أن يجري في ذلك قيل وقال ونوع من الجدال ؟ أوليس ذلك أولى بالكلام فيه من الكلام في ولاية سعد ؟ فإذا كانت الأنصار بشبهة [12] لا أصل لها طمعوا أن يتأمر سعد ، فمن يكون فيهم المحق [13] ؟

ونص الرسول الجلي كيف لا يكون أعوانه أطمع في الحق ، فإذا كان لم ينبز [14] متكلم منهم [15] بكلمة واحدة في ذلك ، ولم يدع داع إلى علي : [ ص: 462 ] لا هو ولا غيره ، واستمر الأمر على ذلك إلى أن بويع له بعد مقتل عثمان ، فحينئذ قام هو وأعوانه فطلبوا وقاتلوا ولم يسكتوا ، حتى كادوا يغلبوا [16] - علم بالاضطرار أن سكوتهم أولا كان لعدم المقتضى لا لوجود المانع ، وأن القوم لم يكن عندهم علم بأن عليا هو [17] الأحق فضلا عن نص جلي ، وأنه [18] لما بدا لهم استحقاقه قاموا معه ، مع وجود المانع .

وقد كان أبو بكر رضي الله عنه أبعدهم عن الممانعة من معاوية بكثير كثير ، لو كان لعلي حق ، فإن أبا بكر لم يدع إلى نفسه ، ولا أرغب ولا أرهب ، ولا [19] كان طالبا للرئاسة بوجه من الوجوه ، ولا كان في أول الأمر يمكن أحدا القدح في علي ، كما أمكن ذلك بعد مقتل عثمان ، فإنه حينئذ نسبه كثير من شيعة عثمان إلى أنه أعان على قتله ، وبعضهم يقول : خذله ، وكان قتلة عثمان في عسكره ، وكان هذا من الأمور التي منعت كثيرا من مبايعته .

وهذه الصوارف كانت منتفية في أول الأمر ، فكان جنده أعظم ، وحقه إذ ذاك - لو كان مستحقا - أظهر ، ومنازعوه أضعف داعيا وأضعف قوة ، وليس هناك داع قوي يدعو إلى منعه [20] ، كما كان بعد مقتل عثمان ، ولا جند [21] يجمع على مقاتلته [22] ، كما كان بعد مقتل عثمان .

[ ص: 463 ] وهذه الأمور وأمثالها من تأملها تبين له انتفاء استحقاقه إذ ذاك بيانا لا يمكنه دفعه عن نفسه ، فلو تبين أن الحق لعلي ، وطلبه [23] علي لكان أبو بكر : إما أن يسلم إليه ، وإما أن يجامله ، وإما أن يعتذر إليه ، ولو قام [24] أبو بكر وهو ظالم يدافع عليا وهو محق ، لكانت الشريعة والعادة والعقل توجب أن يكون الناس مع علي المحق المعصوم على أبي بكر المعتدي الظلوم ، لو كان الأمر كذلك ، لا سيما والنفوس تنفر عن مبايعة من ليس من بيت الولاية أعظم من نفرتها عن مبايعة أهل بيت المطاع [25] ، فالدواعي لعلي من كل وجه كانت أعظم وأكثر ، لو كان أحق ، وهي عن أبي بكر من كل وجه كانت أبعد لو كان ظالما .

لكن لما كان المقتضى مع أبي بكر - وهو دين الله - قويا ، والإسلام في جدته [26] وطراوته [27] وإقباله ، كان أتقى لله ألا [28] يصرفوا الحق عمن يعلمون أنه الأحق إلى غيره ، ولو ( كان ) [29] لبعضهم هوى مع الغير .

وأما أبو بكر فلم يكن لأحد معه هوى إلا هوى الدين ، الذي يحبه الله ويرضاه .

فهذه الأمور وأمثالها من تدبرها علم بالاضطرار أن القوم علموا أن أبا بكر هو الأحق بخلافة النبوة ، وأن ولايته أرضى لله [30] ورسوله فبايعوه ، [ ص: 464 ] وإن لم يكن ذلك لزم أن يعرفوا ويحرفوا ، وكلاهما ممتنع عادة ودينا ، والأسباب متعددة ، فهذا المعلوم اليقيني لا يندفع بأخبار لا يعلم صحتها ، فكيف إذا علم كذبها ؟ وألفاظ لا تعلم دلالتها ، فكيف إذا علم انتفاء دلالتها ؟ ومقاييس لا نظام لها ، يعارضها من المعقول والمنقول الثابت الإسناد المعلوم المدلول ما هو أقوى وأولى بالحق ، وأحرى .

وهؤلاء الرافضة الذين يدفعون [31] الحق المعلوم [32] يقينا بطرق كثيرة علما لا يقبل النقيض بشبه في غاية الضعف ، هم من أعظم الطوائف الذين في قلوبهم الزيغ[33] ، الذين يتبعون المتشابه ويدعون المحكم ، كالنصارى ، والجهمية ، وأمثالهم من أهل البدع والأهواء الذين يدعون النصوص الصحيحة التي توجب العلم ، ويعارضونها بشبه لا تفيد إلا الشك ، لو تعرض [34] لم تثبت ، وهذا في المنقولات سفسطة كالسفسطة في العقليات ، وهو القدح فيما علم بالحس والعقل بشبه تعارض ذلك ، فمن أراد أن يدفع العلم اليقيني [35] المستقر في القلوب بالشبه فقد سلك مسلك السفسطة ، فإن السفسطة أنواع : أحدها : النفي والجحد والتكذيب : إما بالوجود ، وإما بالعلم به .

والثاني : الشك والريب ، وهذه طريقة اللاأدرية الذين يقولون : لا ندري ، فلا يثبتون ولا ينفون ، لكنهم في الحقيقة قد نفوا العلم ، وهو نوع [ ص: 465 ] من النفي فعادت السفسطة إلى جحد الحق [36] المعلوم ، أو جحد العلم به .

الثالث : قول من يجعل الحقائق تبعا للعقائد ، فيقول : من اعتقد العالم قديما فهو قديم ، ومن اعتقده محدثا فهو محدث ، وإذا أريد بذلك [37] أنه قديم عنده ومحدث عنده [38] فهذا صحيح ، فإن هذا هو اعتقاده .

لكن السفسطة أن يراد أنه كذلك [39] في الخارج .

وإذا كان كذلك فالقدح فيما علم من أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم مع الخلفاء الثلاثة ، وما علم من سيرتهم بعده بأخبار يرويها الرافضة يكذبهم فيها جماهير الأمة [40] من أعظم السفسطة ، ومن روى لمعاوية وأصحابه من الفضائل ما يوجب تقديمه على علي وأصحابه كان كاذبا مبطلا مسفسطا .

ومع هذا فكذب الرافضة الذين [41] يروون [42] ما يقدح في إيمان الخلفاء الثلاثة ، ويوجب عصمة علي ، أعظم من كذب من يروي ما يفضل به معاوية على علي ، وسفسطتهم أكثر ، فإن ظهور إيمان الثلاثة أعظم من ظهور فضل علي على معاوية من وجوه كثيرة ، وإثبات عصمة علي أبعد عن الحق من إثبات فضل معاوية .

[ ص: 466 ] ثم خلافة أبي بكر وعمر هي من كمال نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته ، ومما يظهر أنه رسول حق ، ليس ملكا من الملوك ، فإن عادة الملوك إيثار أقاربهم * بالولايات لوجوه : أحدها : محبتهم لأقاربهم أكثر من الأجانب ، لما في الطباع من ميل الإنسان إلى قرابته ، والثاني : لأن أقاربهم يريدون إقامة ملكهم ما لا يريده الأجنبي ; لأن في عز قريب الإنسان عزا لنفسه ، ومن لم يكن له أقارب من الملوك استعان بممالكه ومواليه فقربهم واستعان بهم ، وهذا موجود في ملوك المسلمين والكفار .

ولهذا لما كان ( ملوك ) [43] بنو أمية ، وبنو العباس ملوكا ، كانوا يريدون أقاربهم * [44] ، ومواليهم [45] بالولايات أكثر من غيرهم ، وكان ذلك مما يقيمون به ملكهم .

وكذلك ملوك الطوائف كبني بويه ، وبني سلجق ، وسائر الملوك بالشرق والغرب ، والشام واليمن ، وغير ذلك .

وهكذا ملوك الكفار من أهل الكتاب والمشركين ، كما يوجد في ملوك الفرنج وغيرهم ، وكما يوجد في آل جنكشخان بأن الملوك تبقى في أقارب الملك ، ويقولون : هذا من العظم ، وهذا ليس من العظم ، أي : من أقارب الملك .

وإذا كان كذلك فتولية أبي بكر وعمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم دون عمه العباس ، وبني عمه : علي ، وعقيل ، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، [ ص: 467 ] وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وغيرهم ، ودون سائر بني عبد مناف كعثمان بن عفان ، وخالد بن سعيد بن العاص ، وأبان بن سعيد بن العاص ، وغيرهم من بني عبد مناف الذين كانوا أجل قريش قدرا ، وأقرب نسبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم الأدلة على أن محمدا عبد الله ورسوله ، وأنه ليس ملكا حيث لم يقدم في خلافته أحدا لا بقرب نسب منه ولا بشرف بيته ، بل إنما قدم بالإيمان والتقوى .

ودل ذلك على أن محمدا صلى الله عليه وسلم ، وأمته من بعده إنما يعبدون الله ، ويطيعون أمره ، لا يريدون ما يريده غيرهم من العلو في الأرض ، ولا يريدون أيضا ما أبيح لبعض الأنبياء من الملك ، فإن [46] الله خير محمدا بين أن يكون عبدا رسولا ، وبين أن يكون ملكا نبيا [47] فاختار أن يكون عبدا رسولا .

وتولية أبي بكر وعمر بعده من تمام ذلك ، فإنه لو قدم [48] أحدا من أهل بيته لكانت شبهة لمن يظن * أنه كان ملكا ، كما أنه لو ورث مالا لورثته لكانت شبهة لمن يظن * [49] أنه جمع المال لورثته ، فلما [50] لم يستخلف أحدا من أهل بيته ولا خلف لهم مالا ، كان هذا مما يبين أنه كان من أبعد الناس عن طلب الرياسة والمال ، وإن كان ذلك مباحا ، وأنه لم يكن من الملوك الأنبياء ، بل كان عبد الله ورسوله ، [ ص: 468 ] كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : " إني والله لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا ، وإنما أنا قاسم [51] أضع حيث أمرت " [52] .

وقال : " إن ربي خيرني بين أن أكون عبدا رسولا أو نبيا ملكا ، فقلت : بل عبدا رسولا " [53] .

وإذا كان هذا مما دل على تنزيهه عن كونه من ملوك الأنبياء ، فدلالة ذلك على نبوته ونزاهته عن الكذب والظلم أعظم وأعظم ، ولو تولى بعده علي أو واحد من أهل بيته لم تحصل هذه المصالح ، والإلطافات [54] العظيمة .

وأيضا فإنه من المعلوم أن الإسلام في زمن علي كان أظهر وأكثر [55] مما كان في خلافة أبي بكر وعمر ، وكان الذين قاتلهم علي أبعد عن الكفر من [ ص: 469 ] الذين قاتلهم أبو بكر وعمر ، فإن أبا بكر قاتل المرتدين وأهل الكتاب ، مع ما حصل للمسلمين بموت النبي صلى الله عليه وسلم من الضعف العظيم ، وما حصل من الارتداد لأكثر البوادي ، وضعف قلوب أهل الأمصار ، وشك كثيرهم [56] في جهاد مانعي الزكاة وغيرهم .

ثم عمر تولى قتال أمتين عظيمتين ، لم يكن في العادة المعروفة أن أهل الحجاز واليمن يقهرونهم ، وهما فارس والروم ، فقهرهم ، وفتح بلادهم ، وتمم عثمان ما تمم من فتح المشرق والمغرب ، ثم فتح بعد ذلك في خلافة بني أمية ما فتح بالمشرق [57] والمغرب ، كما وراء النهر والأندلس وغيرهما ، مما فتح في خلافة عبد الملك .

فمعلوم أنه لو تولى غير أبي بكر وعمر بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ، مثل علي أو عثمان ، لم يمكنه أن يفعل ما فعلا ، فإن عثمان لم يفعل ما فعلا مع قوة الإسلام في زمانه ، وعلي كان أعجز من عثمان ، وكان أعوانه أكثر من أعوانهما ، وعدوه أقل وأقرب إلى الإسلام من عدوهما ، ومع هذا فلم يقهر عدوه ، فكيف كان يمكنه قهر المرتدين ، وقهر فارس والروم مع قلة الأعوان ، وقوة العدو .

وهذا مما يبين فضل أبي بكر وعمر ، وتمام نعمة الله بهما على محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلى الناس بعده [58] ، وأن [59] من أعظم نعم [60] الله تولية [ ص: 470 ] أبي بكر وعمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه لو تولى غيرهما كان لم يفعل ما فعلا ، إما لعدم القدرة ، وإما لعدم الإرادة .

فإنه إذا قيل : لم لم يغلب علي معاوية وأصحابه ؟ فلا بد أن يكون سبب ذلك : إما عدم كمال القدرة ، وإما عدم كمال الإرادة ، وإلا فمع كمال القدرة وكمال الإرادة يجب وجود الفعل ، ومن تمام القدرة طاعة الأتباع له ، ومن تمام الإرادة إرادة [61] ما هو الأصلح الأنفع الأرضى لله ولرسوله .

وأبو بكر وعمر كانت قدرتهما أكمل وإرادتهما أفضل ، فبهذا نصر الله بهما الإسلام ، وأذل بهما الكفر والنفاق ، وعلي رضي الله عنه لم يؤت من كمال القدرة والإرادة ما أوتيا .

والله تعالى كما فضل بعض النبيين على بعض ، فضل بعض الخلفاء على بعض ، فلما لم يؤت ما أوتيا لم يمكنه أن يفعل في خلافته ما فعلا ، وحينئذ فكان [62] عن ذلك بموت النبي صلى الله عليه وسلم أعجز وأعجز ، فإنه على أي وجه قدر ذلك ، فإن غاية ما يقول المتشيع : إن أتباعه لم يكونوا يطيعونه .

فيقال : إذا [63] كان الذين بايعوه [64] لم يطيعوه ، فكيف يطيعه من لم يبايعه [65] ؟ وإذا قيل : لو بايعوه [66] بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم لفعل بهم أعظم مما فعل أبو بكر وعمر .

[ ص: 471 ] فيقال : قد بايعه أكثر ممن بايع [67] أبا بكر وعمر ونحوهما [68] ، وعدوه أضعف وأقرب إلى الإسلام من عدو أبي بكر وعمر ، ولم يفعل ما يشبه فعلهما ، فضلا عن أن يفعل أفضل منه .

السابق

|

| من 917

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة