الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          2622 حدثنا قتيبة حدثنا بشر بن المفضل عن الجريري عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة قال أبو عيسى سمعت أبا مصعب المدني يقول من قال الإيمان قول يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          قوله : ( لا يرون ) من الرأي أي لا يعتقدون ( من الأعمال ) صفة لقوله شيئا ( تركه كفر ) صفة ثانية له ( غير الصلاة ) استثناء ، والمستثنى منه الضمير الراجع إلى ( شيئا ) قاله الطيبي ، والمراد ضمير " تركه " ثم الحصر يفيد أن ترك الصلاة عندهم كان من أعظم الوزر وأقرب إلى الكفر . قاله القاري .

                                                                                                          قلت : بل قول عبد الله بن شقيق هذا بظاهره يدل على أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانوا يعتقدون أن ترك الصلاة كفر ، والظاهر من الصيغة أن هذه المقالة اجتمع عليها الصحابة . لأن [ ص: 310 ] قوله كان أصحاب رسول الله جمع مضاف وهو من المشعرات بذلك ، وأثر عبد الله بن شقيق هذا أخرجه الحاكم أيضا وصححه على شرطهما ، وذكره الحافظ في التلخيص ولم يتكلم عليه . قال الشوكاني في النيل في باب حجة من كفر تارك الصلاة : لا خلاف بين المسلمين في كفر من ترك الصلاة منكرا بوجوبها إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام ، أو لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة ، وإن كان تركه لها تكاسلا مع اعتقاده لوجوبها كما هو حال كثير من الناس فقد اختلف في ذلك . فذهب الجماهير من السلف والخلف منهم مالك والشافعي إلى أنه لا يكفر بل يفسق فإن تاب وإلا قتلناه حدا كالزاني المحصن ، ولكنه يقتل بالسيف . وذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفر وهو مروي عن علي بن أبي طالب -عليه السلام- وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل ، وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه ، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي إلى أنه لا يكفر ، ولا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلي .

                                                                                                          احتج الأولون على عدم كفره بقول الله -عز وجل- : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وبما سيأتي من الأحاديث في باب حجة من لم يكفر تارك الصلاة ، ولم يقطع عليه بخلود كحديث عبادة بن الصامت " خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له " . رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه .

                                                                                                          واحتجوا على قتله بقوله تعالى : فإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فخلوا سبيلهم وبقوله -صلى الله عليه وسلم- : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها الحديث . متفق عليه . وتأولوا قوله -صلى الله عليه وسلم- : بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة . وسائر أحاديث الباب على أنه مستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر وهي القتل ، وأنه محمول على المستحل ، أو على أنه قد يؤول به إلى الكفر أو على أن فعله فعل الكفار .

                                                                                                          واحتج أهل القول الثاني بأحاديث الباب .

                                                                                                          واحتج أهل القول الثالث على عدم الكفر بما احتج به أهل القول الأول وعلى عدم القتل بحديث . لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث وليس فيه الصلاة .

                                                                                                          والحق أنه كافر يقتل ، أما كفره فلأن الأحاديث قد صحت أن الشارع سمى تارك [ ص: 311 ] الصلاة بذلك الاسم وجعل الحائل بين الرجل وبين إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة ، فتركها مقتض لجواز الإطلاق ، ولا يلزمنا شيء من المعارضات التي أوردها الأولون ; لأنا نقول لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع المغفرة واستحقاق الشفاعة ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفرا ، فلا ملجأ إلى التأويلات التي وقع الناس في مضيقها . وأما أنه يقتل فلأن حديث : أمرت أن أقاتل الناس . يقضي بوجوب القتل لاستلزام المقاتلة له ، وقد شرط الله في القرآن التخلية بالتوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فقال : فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم فلا يخلى من لم يقم الصلاة ، انتهى كلام الشوكاني مختصرا ملخصا .

                                                                                                          قلت : لو تأملت في ما حققه الشوكاني في تارك الصلاة من أنه كافر ، وفي ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا يكفر ، لعرفت أنه نزاع لفظي ; لأنه كما لا يخلد هو في النار ولا يحرم من الشفاعة عند الجمهور ، كذلك لا يخلد هو فيها ولا يحرم منها عند الشوكاني أيضا




                                                                                                          الخدمات العلمية