فروع الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

دار الكتب العلمية

سنة النشر: 1406هـ/1986م
رقم الطبعة: الثانية
عدد الأجزاء: سبعة أجزاء

مسألة: الجزء الخامس
( كتاب الذبائح والصيود )

نحتاج في هذا الكتاب إلى بيان المأكول وغير المأكول من الحيوانات ، وإلى بيان المكروه منها ، وإلى بيان شرائط حل الأكل في المأكول ، وإلى بيان ما يحرم أكله من أجزاء الحيوان المأكول أما الأول فالحيوان في الأصل نوعان : نوع يعيش في البحر ، ونوع يعيش في البر أما الذي يعيش في البحر فجميع ما في البحر من الحيوان محرم الأكل إلا السمك خاصة فإنه يحل أكله إلا ما طفا منه وهذا قول أصحابنا رضي الله عنهم ، وقال بعض الفقهاء وابن أبي ليلى رحمهم الله إنه يحل أكل ما سوى السمك من الضفدع ، والسرطان ، وحية الماء وكلبه وخنزيره ، ونحو ذلك لكن بالذكاة ، وهو قول الليث بن سعد رحمه الله إلا في إنسان الماء وخنزيره أنه لا يحل ، وقال الشافعي رحمه الله : يحل جميع ذلك من غير ذكاة وأخذه ذكاته ، ويحل أكل السمك الطافي .

أما الكلام في المسألة الأولى فهم احتجوا بظاهر قوله تبارك وتعالى { أحل لكم صيد البحر } واسم الصيد يقع على ما سوى السمك من حيوان البحر فيقتضي أن يكون الكل حلالا ، وبقول النبي عليه الصلاة والسلام حين { سئل عن البحر فقال : هو الطهور ماؤه والحل ميتته } وصف ميتة البحر بالحل من غير فصل بين السمك وغيره ، ولنا قوله تبارك وتعالى { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } من غير فصل بين البري والبحري ، وقوله عز شأنه { ويحرم عليهم الخبائث } والضفدع والسرطان والحية ونحوها من الخبائث وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { سئل عن ضفدع يجعل شحمه في الدواء فنهى عليه الصلاة والسلام عن قتل الضفادع } وذلك نهي عن أكله .

وروي أنه لما سئل عنه فقال عليه الصلاة والسلام : { خبيثة من الخبائث } ولا حجة لهم في الآية ; لأن المراد من الصيد المذكور هو فعل الصيد وهو الاصطياد ; لأنه هو الصيد حقيقة لا المصيد ; لأنه مفعول فعل الصيد ، وإطلاق اسم الفعل يكون مجازا ولا يجوز العدول عن حقيقة اللفظ من غير دليل ; ولأن الصيد اسم لما يتوحش ويمتنع ولا يمكن أخذه إلا بحيلة إما لطيرانه أو لعدوه وهذا إنما يكون حالة الاصطياد لا بعد الأخذ ; لأنه صار لحما بعده ولم يبق صيدا حقيقة لانعدام معنى الصيد وهو التوحش والامتناع ، والدليل عليه أنه عطف عليه قوله عز شأنه { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } والمراد منه الاصطياد من المحرم لا أكل الصيد ; لأن ذلك مباح للمحرم إذا لم يصطده بنفسه ولا غيره بأمره فثبت أنه لا دليل في الآية [ ص: 36 ] على إباحة الأكل بل خرجت للفصل بين الاصطياد في البحر وبين الاصطياد في البر للمحرم .

والمراد من قول النبي عليه الصلاة والسلام والحل ميتته السمك خاصة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم { أحلت لنا ميتتان ودمان : الميتتان السمك والجراد ، والدمان الكبد والطحال } فسر عليه الصلاة والسلام بالسمك والجراد فدل أن المراد منها السمك ويحمل الحديث على السمك وتخصيصه بما تلونا من الآية وروينا من الخبر .

السابق

|

| من 74

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة