الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              الآية الثالثة قوله تعالى : { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا } .

                                                                                                                                                                                                              فيها ست مسائل : المسألة الأولى قوله تعالى : { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم } : وهذه آية مشكلة ، واختلف أصحابنا في تأويلها على ثلاثة أقوال : [ ص: 245 ] الأول أن معناها إذا ارتبتم . وحروف المعاني يبدل بعضها من بعض ، والذين قالوا هذا اختلفوا في الوجه الذي رجعت فيه إن بمعنى إذا ، فمنهم من قال : إن ذلك راجع إلى ما روي أن { أبي بن كعب قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ; إن الله قد بين لنا عدة الحائض بالأقراء فما حكم الآيسة والصغيرة ؟ فأنزل الله الآية } .

                                                                                                                                                                                                              ومنهم من قال وهو الثاني : إن الله جعل عدة الحائض بالأقراء ، فمن انقطع حيضها ، وهي تقرب من حد الاحتمال [ فواجب عليها العدة بالأشهر بهذه الآية ، ومن ارتفعت عن حد الاحتمال ] وجب عليها الاعتداد بالأشهر بالإجماع ، لا بهذه الآية ; لأنه لا ريبة فيها .

                                                                                                                                                                                                              الثالث : قال مجاهد : الآية واردة في المستحاضة ; لأنها لا تدري دم حيض هو أو دم علة .

                                                                                                                                                                                                              المسألة الثانية في تحقيق المقصود : أما وضع حروف المعاني إبدالا بعضها من بعض فإن ذلك مما لا يجوز . وإن اختلفوا في حروف الخفض ; وإنما الآية واردة على أن أصل العدة موضوع لأجل الريبة ; إذ الأصل براءة الرحم ، وترتاب لشغله بالماء ; فوضعت العدة لأجل هذه الريبة ، ولحقها ضرب من التعبد .

                                                                                                                                                                                                              ويحقق هذا أن حرف " إن " يتعلق بالشرط الواجب ، كما يتعلق بالشرط الممكن ، وعلى هذا خرج قوله : " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " . وقد بينا ذلك في ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين واللغويين .

                                                                                                                                                                                                              وأما حديث أبي فغير صحيح ، وقد روى ابن القاسم ، وأشهب ، وعبد الله بن الحكم عن مالك في قوله تعالى : { إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر } يقول في شأن العدة : إن تفسيرها : إن لم تدروا ما تصنعون في أمرها فهذه سبيلها . والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية