التاريخ والتراجم

البداية والنهاية

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي

دار عالم الكتب

سنة النشر: 1424هـ / 2003م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرون جزءا

مسألة: الجزء الخامس
[ ص: 524 ] سرية بئر معونة

وقد كانت في صفر منها ، وأغرب مكحول رحمه الله ، حيث قال : إنها كانت بعد الخندق .

قال البخاري : حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا عبد العزيز ، عن أنس بن مالك قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين رجلا لحاجة يقال لهم : القراء . فعرض لهم حيان من بني سليم - رعل وذكوان - عند بئر يقال لها بئر معونة . فقال القوم : والله ما إياكم أردنا ، وإنما نحن مجتازون في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم . فقتلوهم ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليهم شهرا في صلاة الغداة ، وذاك بدء القنوت ، وما كنا نقنت . ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس بنحوه .

ثم قال البخاري : حدثنا عبد الأعلى بن حماد ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك أن رعلا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدو ، فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا [ ص: 525 ] نسميهم القراء في زمانهم ، كانوا يحتطبون بالنهار ، ويصلون بالليل ، حتى إذا كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ، فقنت شهرا يدعو في الصبح على أحياء من العرب ; على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان . قال أنس : فقرأنا فيهم قرآنا ، ثم إن ذلك رفع : بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا

ثم قال البخاري : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا همام ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، حدثني أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خاله - أخا لأم سليم - في سبعين راكبا ، وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ثلاث خصال ; فقال : يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر أو أكون خليفتك ، أو أغزوك بأهل غطفان بألف وألف . فطعن عامر في بيت أم فلان فقال : غدة كغدة البكر في بيت امرأة من آل فلان ، ائتوني بفرسي . فمات على ظهر فرسه ، فانطلق حرام أخو أم سليم وهو رجل أعرج ، ورجل من بني فلان ، فقال : كونا قريبا حتى [ ص: 526 ] آتيهم ، فإن آمنوني كنتم قريبا ، وإن قتلوني أتيتم أصحابكم . فقال : أتؤمنوني حتى أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فجعل يحدثهم وأومئوا إلى رجل فأتاه من خلفه فطعنه . قال همام : أحسبه قال : حتى أنفذه بالرمح . فقال : الله أكبر ، فزت ورب الكعبة . فلحق الرجل ، فقتلوا كلهم غير الأعرج ، وكان في رأس جبل ، فأنزل الله علينا ، ثم كان من المنسوخ : " إنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا " . فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين صباحا ; على رعل وذكوان وبني لحيان وعصية الذين عصوا الله ورسوله .

وقال البخاري : حدثنا حبان ، حدثنا عبد الله ، أخبرني معمر ، حدثني [ ص: 527 ] ثمامة بن عبد الله بن أنس أنه سمع أنس بن مالك يقول : لما طعن حرام بن ملحان ، وكان خاله ، يوم بئر معونة قال بالدم هكذا ; فنضحه على وجهه ورأسه ، ثم قال : فزت ورب الكعبة .

وروى البخاري ، عن عبيد بن إسماعيل ، عن أبي أسامة ، عن هشام بن عروة أخبرني أبي قال : لما قتل الذين ببئر معونة وأسر عمرو بن أمية الضمري قال له عامر بن الطفيل : من هذا ؟ فأشار إلى قتيل ، فقال له عمرو بن أمية : هذا عامر بن فهيرة . قال : لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء ، حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض ، ثم وضع . فأتى النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم ، فنعاهم فقال : إن أصحابكم قد أصيبوا ، وإنهم قد سألوا ربهم ، فقالوا : ربنا أخبر عنا إخواننا بما رضينا عنك ، ورضيت عنا . فأخبرهم عنهم . وأصيب يومئذ فيهم عروة بن أسماء بن الصلت فسمي عروة به ومنذر بن عمرو وسمي به منذر . هكذا وقع في رواية البخاري مرسلا عن عروة ، وقد رواه البيهقي من حديث يحيى بن سعيد ، عن أبي أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة فساق من حديث الهجرة ، وأدرج في آخره ما ذكره البخاري هاهنا ، فالله أعلم .

وروى الواقدي ، عن مصعب بن ثابت ، عن أبي الأسود ، عن عروة فذكر القصة ، وشأن عامر بن فهيرة وإخبار عامر بن الطفيل أنه رفع إلى السماء ، وذكر أن الذي قتله جبار بن سلمى الكلابي قال : ولما طعنه بالرمح [ ص: 528 ] قال : فزت ورب الكعبة . ثم سأل جبار بعد ذلك : ما معنى قوله : فزت ؟ قالوا : يعني بالجنة . فقال : صدق والله ، ثم أسلم جبار بعد ذلك لذلك .

وفي مغازي موسى بن عقبة ، عن عروة أنه قال : لم يوجد جسد عامر بن فهيرة يرون أن الملائكة وارته .

وقال يونس ، عن ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعني بعد أحد بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم ، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد فحدثني أبي إسحاق بن يسار ، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيرهما من أهل العلم قالوا : قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فعرض عليه الإسلام ودعاه إليه فلم يسلم ولم يبعد ، وقال : يا محمد ، لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى أمرك ، رجوت أن يستجيبوا لك . فقال صلى الله عليه وسلم : إني أخشى عليهم أهل نجد . فقال أبو براء : أنا لهم جار . فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة المعنق ليموت في أربعين [ ص: 529 ] رجلا من أصحابه من خيار المسلمين ; فيهم الحارث بن الصمة ، وحرام بن ملحان أخو بني عدي بن النجار ، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي ، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، وعامر بن فهيرة ، مولى أبي بكر في رجال من خيار المسلمين ، فساروا حتى نزلوا بئر معونة وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم فلما نزلوا بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل ، فلما أتاه لم ينظر في الكتاب حتى عدا على الرجل فقتله ، ثم استصرخ عليهم بني عامر فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم ، وقالوا : لن نخفر أبا براء وقد عقد لهم عقدا وجوارا . فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم : عصية ورعلا وذكوان والقارة ، فأجابوه إلى ذلك ، فخرجوا حتى غشوا القوم ، فأحاطوا بهم في رحالهم ، فلما رأوهم أخذوا أسيافهم ، ثم قاتلوا القوم حتى قتلوا عن آخرهم ، إلا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار ، فإنهم تركوه به رمق ، فارتث من بين القتلى ، فعاش حتى قتل يوم الخندق ، وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ورجل من الأنصار من بني عمرو بن عوف فلم ينبئهما بمصاب القوم إلا الطير تحوم حول العسكر ، فقالا : والله إن [ ص: 530 ] لهذه الطير لشأنا . فأقبلا لينظرا ، فإذا القوم في دمائهم ، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة ، فقال الأنصاري لعمرو بن أمية : ماذا ترى ؟ فقال : أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر . فقال الأنصاري : لكني لم أكن لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ، وما كنت لأخبر عنه الرجال . فقاتل القوم حتى قتل ، وأخذ عمرو أسيرا ، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته ، وأعتقه عن رقبة كانت على أمه ، فيما زعم . قال : وخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة ، أقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا في ظل هو فيه ، وكان مع العامريين عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار لم يعلمه عمرو بن أمية ، وقد سألهما حين نزلا : ممن أنتما ؟ قالا : من بني عامر فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما وقتلهما ، وهو يرى أن قد أصاب بهما ثأرا من بني عامر فيما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخبره بالخبر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد قتلت قتيلين ، لأدينهما . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا عمل أبي براء قد كنت لهذا كارها متخوفا . فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه ، وما أصاب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره .

فقال حسان بن ثابت في إخفار عامر أبا براء ويحرض بني أبي براء على عامر : [ ص: 531 ]


بني أم البنين ألم يرعكم وأنتم من ذوائب أهل نجد     تهكم عامر بأبي براء
ليخفره وما خطأ كعمد     ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي
فما أحدثت في الحدثان بعدي     أبوك أبو الحروب أبو براء
وخالك ماجد حكم بن سعد



قال ابن هشام : أم البنين أم أبي براء ، وهي بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة .

قال : فحمل ربيعة بن عامر بن مالك على عامر بن الطفيل فطعنه في فخذه ، فأشواه ، ووقع عن فرسه ، وقال : هذا عمل أبي براء إن أمت فدمي لعمي فلا يتبعن به ، وإن أعش فسأرى رأيي . وذكر موسى بن عقبة ، عن الزهري نحو سياق محمد بن إسحاق ، قال موسى : وكان أمير القوم المنذر بن عمرو وقيل : مرثد بن أبي مرثد .

وقال حسان بن ثابت يبكي قتلى بئر معونة - فيما ذكره ابن إسحاق رحمه الله ، والله أعلم - : [ ص: 532 ]


على قتلى معونة فاستهلي     بدمع العين سحا غير نزر
على خيل الرسول غداة لاقوا     ولاقتهم مناياهم بقدر
أصابهم الفناء بعقد قوم     تخون عقد حبلهم بغدر
فيا لهفي لمنذر إذ تولى     وأعنق في منيته بصبر
وكائن قد أصيب غداة ذاكم     من ابيض ماجد من سر عمرو



السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة