سبحان الله! لا يخفى على سمعه خفي الأنين، ولا يعزب عن بصره حركات الجنين، العظيم في قدره، العزيز في قهره، العالم بحال العبد في سره وجهره 
»

أحل لكم ليلة الصيام..



{أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون} (البقرة:187).

الحديث حول هذه الآية تنظمه اثنا عشرة مسألة، هي وفق التالي:

الأولى: قوله سبحانه: {أحل لكم}، رويت هنا أخبار تتعلق بصدر هذه الآية؛ من ذلك ما رواه البخاري عن البراء رضي الله عنه، قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار، أتى امرأته، فقال لها: أعندك طعام؟ قالت لا، ولكن أنطلق، فأطلب لك؛ وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك! فلما انتصف النهار غُشِيَ عليه؛ فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم} ففرحوا فرحاً شديداً.

وروى الطبري أن عمر رضي الله عنه رجع من عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سَمَرَ عنده ليلة، فوجد امرأته قد نامت، فأرادها، فقالت له: قد نمت؛ فقال لها: ما نمت، فوقع بها. وصنع كعب بن مالك مثله؛ فغدا عمر على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أعتذر إلى الله وإليك؛ فإن نفسي زيَّنت لي، فواقعتُ أهلي، فهل تجد لي من رخصة؟ فقال لي: (لم تكن حقيقاً بذلك يا عمر!)، فلما بلغ بيته، أرسل إليه، فأنبأه بعذره في آية من القرآن. 

الثانية: {الرفث} كناية عن الجماع؛ لأن الله عز وجل كريم يكني؛ قاله ابن عباس رضي الله عنه. وقال بعضهم: {الرفث} كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته. وقيل: {الرفث} أصله قول الفحش؛ يقال: رفث، وأرفث: إذا تكلم بالقبيح.

الثالثة: قوله سبحانه: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن}، يقال لما ستر الشيء وداراه: لباس. فجائز أن يكون كل واحد من الزوجين ستراً لصاحبه عما لا يحل. قال أبو عبيد: يقال للمرأة: هي لباسك، وفراشك، وإزارك. وقال مجاهد: أي: سكن لكم؛ أي: يسكن بعضكم إلى بعض.

الرابعة: قوله تعالى: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم}، روى البخاري عن البراء رضي الله عنه، قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم؛ فأنزل الله تعالى: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم}. يقال: خان واختان بمعنى: من الخيانة، أي: تخونون أنفسكم بالمباشرة في ليالي الصوم. والمعنى: يستأمر بعضكم بعضاً في إتيان المحظور من الجماع والأكل بعد النوم في ليالي الصوم. ويحتمل أن يريد به كل واحد منهم في نفسه، بأنه يخونها؛ وسماه خائناً لنفسه من حيث كان ضرره عائداً عليه. 

الخامسة: قوله سبحانه: {فتاب عليكم} يحتمل معنيين: أحدهما: قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم. والآخر: التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة؛ كقوله تعالى: {علم أن لن تحصوه فتاب عليكم} (المزمل:20)، يعني: خفف عنكم. وكذلك قوله عز وجل: {وعفا عنكم} يحتمل العفو من الذنب، ويحتمل التوسعة والتسهيل؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله) رواه الدار قطني، يعني: تسهيله وتوسعته.

السادسة: قوله سبحانه: {فالآن باشروهن} كناية عن الجماع، أي: قد أحل لكم ما حرم عليكم. وسمي الوقاع مباشرة؛ لتلاصق البشرتين فيه. وصيغة (الأمر) هنا للإباحة. قال ابن العربي: "وهذا يدل على أن سبب الآية جماع عمر رضي الله عنه، لا جوع قيس؛ لأنه لو كان السبب جوع قيس لقال: فالآن كلوا؛ ابتدأ به؛ لأنه المهم الذي نزلت الآية لأجله".

السابعة: قوله سبحانه: {وابتغوا ما كتب الله لكم} قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه: وابتغوا الولد؛ يدل عليه أنه عقيب قوله: {فالآن باشروهن}. وروي عنه أيضاً قوله: ما كتب الله لنا هو القرآن. قال الزجاج: أي: ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه، وأمرتم به. وقال قتادة: اطلبوا الرخصة والتوسعة. قال ابن عطية: "وهو قول حسن".

الثامنة: روى الشيخان عن عدي بن حاتم رضي الله عنه، قال: لما نزلت: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}، عَمَدتُ إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل، فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ذلك، فقال: (إنما ذلك سواد الليل، وبياض النهار). 

وروى الشيخان أيضاً عن سهل بن سعد، قال: نزلت {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} ولم ينزل {من الفجر} وكان رجال إذا أرادوا الصوم، ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما؛ فأنزل الله بعد {من الفجر}، فعلموا أنه إنما يعني بذلك بياض النهار.

وروى البخاري عن عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله! ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أهما الخيطان؟ قال: (إنك لعريض القفا} إن أبصرت الخيطين، ثم قال: (لا، بل هو سواد الليل، وبياض النهار). وسمي (الفجر) خيطاً؛ لأن ما يبدو من البياض يُرَى ممتداً كالخيط. و(الخيط) في كلامهم عبارة عن اللون. و{الفجر} مصدر فَجَرْتُ الماء أفجره فجراً: إذا جرى وانبعث، وأصله الشق؛ فلذلك قيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها: فجراً؛ لانبعاث ضوئه، وهو أول بياض النهار الظاهر المستطير في الأفق المنتشر، تسمية العرب الخيط الأبيض. 

التاسعة: ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا بد من تبيت نية الصيام قبل طلوع الفجر، واستدلوا لذلك بما رواه الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له). 

العاشرة: قوله عز وجل: {ثم أتموا الصيام إلى الليل}، بينت الآية أن الصيام الواجب هو من طلوع الفجر إلى دخول الليل، وهو وقت الغروب، ومن ثَمَّ ذهب جمهور العلماء إلى أن من أفطر عامداً في نهار رمضان بأكل، أو شرب، أو نكاح، فعليه القضاء والكفارة؛ لما رواه مسلم من أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكيناً.

وقد قال الشافعي: إن هذه الكفارة إنما تختص بمن أفطر بالجماع؛ لحديث أبي هريرة أيضاً في "الصحيحين"، قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت يا رسول الله! قال: (وما أهلكك؟) قال: وقعت على امرأتي في رمضان..) الحديث، وفيه ذكر الكفارة على الترتيب. 

وأكثر أهل العلم ذهبوا إلى أن المرأة الموطوءة في نهار رمضان عليها القضاء والكفارة أيضاً، سواء أكان الوطء طواعية، أو كراهية. وقال أبو حنيفة: إن كانت مكرهة فعليها القضاء فحسب، وإن كانت مطاوعة فعليها القضاء والكفارة. وقال الشافعي عليها القضاء فحسب، سواء طاوعت الزوج، أو أكرهها.

والذي عليه أكثر أهل العلم أن من جامع ناسياً لصومه، فلا قضاء عليه ولا كفارة، كمن أكل، أو شرب ناسياً. وقال مالك: عليه القضاء فحسب. وقال أحمد: عليه القضاء والكفارة معاً. وقد قال جمهور أهل العلم: إذا أكل ناسياً، فظن أن ذلك قد فطره، فجامع عامداً، أن عليه القضاء، ولا كفارة عليه.

وإذا أفطر الصائم -لغيم أو ضباب- ظناً منه أن الشمس قد غربت، ثم ظهرت الشمس، فعليه القضاء في قول أكثر العلماء. ففي البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: (أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غيم، ثم طلعت الشمس، قيل لـ هشام -أحد رواة الحديث-: فأمروا بالقضاء؟ قال: لا بد من قضاء). ولا خلاف في وجوب القضاء إذا غُمَّ عليه الهلال في أول ليلة من رمضان، فأكل، ثم بان أنه من رمضان.

وفي قوله سبحانه: {إلى الليل} ما يقتضي النهي عن الوصال؛ إذ الليل غاية الصيام؛ وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا غابت الشمس من ها هنا، وجاء الليل من ها هنا، فقد أفطر الصائم) رواه مسلم.

ثم قال العلماء: تكره مباشرة النساء لمن لا يأمن على نفسه ولا يملكها؛ لئلا يكون سبباً إلى ما يفسد الصوم. وقد روى مالك عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان ينهى عن القُبلة والمباشرة للصائم؛ مخافة ما يحدث عنهما. فإن قَبَّل الصائم، وسَلِمَ فلا جناح عليه، وكذلك إن باشر. وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ ويباشر، وهو صائم. قال ابن عبد البر: "ولا أعلم أحداً رخص فيها -القُبلة- لمن يعلم أنه يتولد عليه منها ما يفسد صومه". فإن قبَّل فأمنى، فعليه القضاء، ولا كفارة في قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: "ليس لمن أوجب عليه الكفارة حجة". واتفقوا على أن من نظر إلى امرأة، فأنزل، أن عليه القضاء دون الكفارة. 

وأكثر أهل العلم على صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جُنب؛ لما جاء في "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير احتلام، فيغتسل، ويصوم). قال ابن العربي: "وذلك جائز إجماعاً، وقد استقر الأمر على أن من أصبح جنباً، فإن صومه صحيح".

وأكثر أهل العلم على أن الحائض إذا طهرت قبل الفجر، ولم تغتسل أن عليها الصوم، ويجزئها، سواء تركت الغسل عمداً، أو سهواً. وإذا طهرت المرأة ليلاً في رمضان، فلم تدرِ أكان ذلك قبل الفجر أو بعده؟ صامت، وقضت ذلك اليوم احتياطاً، ولا كفارة عليها.

العاشرة: قوله سبحانه: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد}، (الاعتكاف) في اللغة: الملازمة؛ يقال: عكف على الشيء: إذا لازمه مقبلاً عليه. ولما كان المعتكف ملازماً للعمل بطاعة الله مدة اعتكافه، لزمه هذا الاسم. وهو في عُرف الشرع: ملازمة طاعة مخصوصة، في وقت مخصوص، على شرط مخصوص، في موضع مخصوص. وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب، بل قُربة من القُرَب، ونافلة من النوافل، عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأزواجه، ويلزمه إن ألزمه نفسه، ويكره الدخول فيه لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوقه. وأجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد. وقيل في صفة المسجد: لا بد من المسجد الجامع. وقيل: مطلق مسجد، وهو مذهب جمهور العلماء. واختلفوا في مدته، فقال الشافعي: "أقله لحظة، ولا حد لأكثره".  

والآية تنهى عن الجماع زمن الاعتكاف، ومن ثَمَّ ذهب العلماء إلى أن الجماع يفسد الاعتكاف. 

الحادية عشرة: قوله عز وجل: {تلك حدود الله فلا تقربوه}، و(الحدود) الحواجز ونهايات الأشياء، التي إذا تجاوزها المرء دخل في شيء آخر، وشبهت الأحكام بالحدود؛ لأن تجاوزها يُخْرِج من حِلٍّ إلى منع. وفي الحديث: (وحَدَّ لكم حدوداً، فلا تعتدوها)، رواه الدار قطني

وقوله سبحانه: {فلا تقربوها} نهى عن مقاربتها الموقعة في الخروج منها على طريق الكناية؛ لأن القرب من (الحد) يستلزم قصد الخروج غالباً، كما قال تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} (الأنعام:152)؛ ولهذا قال تعالى في آية أخرى: {تلك حدود الله فلا تعتدوها} (البقرة:229).

الثانية عشرة: قوله سبحانه: {كذلك يبين الله آياته للناس}، أي: كما بيَّن الله أحكام الصيام، يبين جميع آياته لجميع الناس، والمقصد أن هذا شأن الله في إيضاح أحكامه؛ لئلا يلتبس شيء منها على الناس؛ وليتقوا مجاوزتها. و(الآيات) العلامات الهادية إلى الحق. 

وقوله عز وجل: {لعلهم يتقون}، أي: يريد الله -ببيان أحكامه- وقاية الناس من الوقوع في مخالفة ما شرعه لهم؛ لأنه لو لم يبين لهم الأحكام، لما اهتدوا لطريق الامتثال. أو لعلهم يمتثلون لهذه الأحكام على وجهها المبين، فتحصل لهم صفة التقوى؛ إذ لو لم يبين الله لهم، لأتوا بعبادات غير مستكملة لما أراد الله منها؛ وهم وإن كانوا معذورين عند عدم البيان، وغير مؤاخذين بإثم التقصير، إلا أنهم لا يبلغون صفة التقوى.