تعبئة وتأهب
ولما تراءى الجمعان من المسلمين والنصارى ، اندهش
يوسف وأصحابه
من كثرة جنود العدو وعُدَدِه
،
فقال للمعتمد : ما كنت أظن هذا الخنزير لعنه الله يبلغ هذا
الحدَّ .
وجمع يوسف أصحابه ، ودعا لهم من يعظهم ويذكرهم ، فظهر منهم من
صدق النية والحرص على الجهاد واستسهال الشهادة ما سرَّ
به يوسف والمسلمون .
غدر وانهزام
وتبادل الجيشان الرسائل لتحديد يوم الزحف ليستعد الفريقان
، فقال الأذفونش
لعنه الله : " الجمعة لكم ، والسبت لليهود وهم وزراؤنا وكتابنا
وأكثر خدم العسكر منهم فلا غنى
لنا
عنهم ، والأحد لنا ، فإذا كان يوم الاثنين كان ما نريده من الزحف
" .
وقصد بذلك مخادعة المسلمين فلم يتم له ما قصد ، فلما كان يوم
الجمعة تأهب المسلمون لصلاة الجمعة ،
وبنى يوسف بن تاشفين الأمر على أن الملوك لا تغدر ، فخرج هو
وأصحابه في ثياب الزينة للصلاة ، فأما المعتمد فإنه أخذ بالحزم
فركب هو أصحابه مسلحين وقال لأمير المسلمين
ابن تاشفين : صلِّ
في أًصحابك ، وأنا من ورائكم وما أظن هذا الخنزير إلا قد أضمر
الفتك بالمسلمين . فأخذوا في الصلاة فلما عقدوا الركعة الأولى
ثارت في وجوههم الخيل من جهة النصارى ، وحمل
الأذفونش لعنه الله
في أصحابه يظن أنه انتهز الفرصة ، وإذا المعتمد وأصحابه من وراء
الناس فصدوا هجوم النصارى ، وأخذ المرابطون سلاحهم وركبوا خيولهم
، واختلط الفريقان فاظهر يوسف بن تاشفين وأصحابه من الصبر وحسن
البلاء والثبات
ما لم يكن
يحس به
المعتمد ، وهزم الله العدو واتبعهم المسلمون يقتلونهم في كل
اتجاه ، ونجا الأذفونش لعنه الله في تسعة من أصحابه .
هذه هي معركة الزلاقة ، إحدى الفتوح المشهورة بالأندلس ، أعز
الله فيها دينه ، وأعلى كلمته ، وقطع الأذفونش لعنه الله عن
الجزيرة بعد أن كان يقدِّر أنها في ملكه وأن رؤوسها خدم له ،
وذلك كله بفضل الله
ثم
بصدق نية أمير المسلمين وحسن بلاء المسلمين .
ومعركة الزلاقة درس من دروس الزمان العظيمة ، تبيِّن بما لا يدع
مجالاً للشك أن القوة في الاجتماع على الحق ، وفي الدفاع عنه ،
وأن من تخلف عن الأخذ بأسباب النصر ، وعوامل القوة فإن قدر الله
نافذ ، وسنة الله ماضية ، لا تحابي ولا تجامل أحداً ، ولو أدرك
المسلمون ذلك وعملوا له لما فقدنا الأندلس ، ولما فقدنا بعدها
فلسطين ، وبلاداً بين ذلك كثيراً ، نسأل المولى عز وجل أن يردنا
إلى ديننا رداً جميلاً ، ونسأله أن يعز دينه ويعلي كلمته ، إنه
ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين .