|
،
ويفتح أحدهم بلداً فيخرجه الآخر منها ، وهكذا دواليك ، والأعداء
من الإفرنج يأكلون في بلاد الإسلام أكلاً ، ويتربصون بأهلها
الدوائر ، فيأخذون بعض البلاد عنوة ، وبعضها بمساعدة الحكام
الخونة .
ورغم هذا
الواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة ، فإنه بين الحين والآخر كانت
تظهر مواقف مشرفة، تعيد للأمة عزتها وتذكرها بمجدها ، من تلك
المواقف انتصار المسلمين على الإفرنج في موقعة حارم ، وحارم حصن
حصين في بلاد الشام ناحية حلب ، وحاصل تلك الوقعة أن
نور الدين
محمود بن زنكي – والي الديار الشامية والمصرية – استغل خروج
الروم من عسقلان لقتال أسد الدين شيركوه بمصر ، فاستغاث
بعساكر المسلمين فجاؤه من كل فج لمقاتلة الإفرنج ، فالتقى
الجمعان في منطقة حارم ، وجرت بينهما معركة كبيرة ، كانت حصيلتها
أن أسر المسلمون عددا من قادة الصليبيين ، منهم البرنس بيمند
صاحب إنطاكية ، والقومص صاحب طرابلس ، والدوك صاحب الروم ، وابن
جوسليق . وقتل منهم مقتلة عظيمة قيل عشرة آلاف وقيل عشرون ألفا ،
وكانت وقعة حارم بحق كسرة عظيمة للإفرنج حيث هزموا شر هزيمة،
وكتب الله النصر لعباده المؤمنين ، وقد أعادت تلك الواقعة
للمسلمين الهيبة في قلوب أعدائهم ، تلك الهيبة التي أذهبها تناحر
المسلمين وتقاتلهم فيما بينهم .
وهكذا تبعث
هذه الانتصارات الروح في جسد الأمة المترهل ، فتأتي هذه
الانتصارات لتعلم المسلمين دروسا في أهمية الاجتماع ونبذ الفرقة
، والوقوف صفا واحدا في مواجهة الأعداء ، وإلا فإن العدو سيأتي
علينا جميعاً ، فإما أن نحيا جميعا حياة العز والإباء ، وإما أن
نموت جميعاً موت الذل والمهانة ، إنها دروس الزمان التي يجود بها
علينا ، ويذكِّرنا بها ، بين الفينة
والأخرى ، لو كان هناك آذانٌ تسمع ، وقلوبٌ تعي ، نسأل
المولى عز وجل أن يردنا إلى ديننا ردا جميلا ، إنه ولي ذلك
والقادر عليه والحمد لله رب العالمين .
|