|
مقدمة
في السيرة الصحيحة
د. أكرم العمري
 |
إن الاهتمام بكتابة السيرة النبوية ظهر مبكرًا في تاريخ الإسلام ، وقد تناولها بالتصنيف المؤرخون والمحدثون في القرون الأولى .
وتمتاز كتابات المؤرخين مثل الواقدي والبلاذري بالعناية بمراعاة ترتيب الأحداث ترتيبًا زمنيًا وموضوعيًا ، في حين تظهر التجزئة للأحداث في كتابات المحدثين الذين التزموا بقواعد الرواية وتمييز الأسانيد عن بعضها ، وربما قطَّعوا الرواية الواحدة فخرَّجوا بعضها في مكان وبقيتها في مكان آخر لموضوعات ( تراجم ) مؤلفاتهم ، كما
يظهر ذلك جلياً في قسم المغازي الذي كتبه الإِمام البخاري ضمن صحيحه ، ويظهر بصورة أخف |
في صحيح الإِمام مسلم بسبب عنايته الخاصة بسرد المتون الطويلة وتحرير ألفاظها .
لأنه أقل عناية من البخاري بتقطيع الرواية حسب تراجم كتابه .
وبعض المؤلفين جمع بين صفتي المحدث والمؤرخ مثل محمد بن إسحق وخليفة بن خياط ، ويعقوب بن سفيان الفَسَوي ، ومحمد بن جرير الطبري ، وهؤلاء أفادوا من منهج المحدثين بالتزام سرد الأسانيد ومحاولة إكمال صورة الحادث عن طريق جمع الأسانيد أحياناً أو سرد الروايات التي تشكل وحدة موضوعية تحت عناوين دالة .
ولكن سائر الذين كتبوا في السيرة اهتموا بجمع ما أمكنهم من الروايات وتدوينها دون أن يشترطوا الصحة فيما يكتبونه ، وأحالوا القاريء على الأسانيد التي أوردوها ليعرف الصحيح من الضعيف ، ويشذ عن ذلك البخاري ومسلم حيث شرطا الصحة فيما روياه من روايات السيرة ضمن كتابيهما في الصحيح .
وكان المتخصصون في القرون الأولى يعرفون الرواة وأحوالهم والأسانيد وشروط صحتها ، فكان بوسعهم الحكم على الروايات وتمييزها ، لكن هذه المعرفة بالرجال والأسانيد لم تعد من أسس الثقافة في القرون المتأخرة ، بل يندر أن تجد من يهتم بذلك من مثقفي هذا العصر ، لذلك جاءت كتابات المعاصرين من الكتاب والمؤرخين خلواً من تمييز الروايات وفق قواعد مصطلح الحديث ، ولكن كبار المؤرخين في عصرنا يترسمون مناهج ( النقد التاريخي ) الذي ظهر ونما في الغرب خلال القرنين الأخيرين ، وهم يتعاملون مع روايات السيرة من خلال هذه المناهج النقدية التي وضعت بعد استقراء الكتابات التاريخية الغربية ، ولم تكيف للتعامل مع الرواية التاريخية الإِسلامية التي لها سماتها الخاصة والتي من أبرزها وجود سلاسل السند التي تتقدم الرواية عادة ، والتي يعتمد منهج المحدثين عليها بالدرجة الأولى في الحكم على الرواية بالصحة أو عدمها . مما أدى إلى ظهور مكتبة ضخمة مَعْنِيَّة بتراجم الرواة وبيان أحوالهم وإمكان التقائهم ببعضهم أو عدمه ، والحكم عليهم من خلال استقراء مروياتهم بالإضافة إلى رأي معاصريهم فيهم ، وهذه الثروة الهائلة من المعلومات والمكتبة النفيسة ظلت بمعزل عن الإفادة منها في الدراسات التاريخية المتعلقة بتاريخ الإسلام ومنها دراسات السيرة . وما أعظمها من خسارة أن نئد جهود المئات من كبار العلماء الذين قدموا لنا هذه الخدمة الخاصة بالتعامل مع " الرواية التاريخية الإِسلامية " بسبب جهلنا بقيمتها والتزامنا الحرفي بمنهج النقد التاريخي الغربي
Historical Method .
وهنا تلزم الإِشارة إلى أن إهمال نقد الأسانيد في الرواية التاريخية الإِسلامية والاكتفاء بنقد المتون يوقعنا في حيرة أمام الرواية الكثيرة المتعارضة عندما تكون متونها جميعاً متفقة مع المقاييس والقواعد النقدية العقلية ، وهذا يحدث مع كثير من تفاصيل الأحداث التأريخية ، وخاصة المتعلقة بتاريخ صدر الإِسلام . إن ذلك يحتم على الباحث استعمال منهج المحدثين في نقد الأسانيد وإلا فإنه سيقف أمام العديد من المشاكل دون حــــــل أو ترجيح .
إن هذا لا يعني غمط منهج النقد الغربي حقه ، والتعسف في الحكم عليه ، فلا شك أنه ثمرة عقول مفكرين كبار ، طوَّروه من خلال التجربة والاستقراء ، فأضاف اللاحق منهم على السابق حتى وصل إلى ما وصل إليه من تكامل وشمول وعمق ، وهو يلتقي في كثير من جزئياته وقواعده وأصوله بمنهج العلماء المسلمين الذين سبقوا الغربيين في هذا الميدان بعدة قرون ، مما يدل على جذور التأثير الإِسلامي في الفكر الأوروبي منذ أن حصل التماس بين الغرب وحضارة الإِسلام في العصور الوسطى الأوروبية . خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن منهج البحث العلمي عند المسلمين لا يقتصر على معطيات مدرسة المحدثين ، فهناك معطيات أخرى يقدمها علماء أصول الفقه في منهجهم المنطقي العقلي وتتبلور في كتب أصول الفقه ، ومعطيات يقدمها علماء الطب والفلك والرياضيات المسلمون وتتمثل في منهج البحث التجريبي ، وهو المنهج الذي ارتبط في تاريخ الفكر الغربي باسم العالم روجر بيكون الذي عول في دراسته على كتب العرب وحدها كما يصرح غوستاف لوبون ، وهو المنهج الذي يرجع إليه الفضل في بلوغ حضارة الغرب المادية إلى مستواها التقني الرائع . ولكن الذي يهم فى هذه المقدمة منهج المحدثين الذي يهتم مباشرة بالتعامل مع " الرواية الحديثية " وبالتالي يمكن سحبه إلى أقرب ميدان ليتعامل مع " الرواية التأريخية " وهو الذي يلتقي كثيراً مع " منهج البحث التاريخي " .
وقد استقر منهج المحدثين في كتب مصطلح الحديث منذ القرن الخامس للهجرة على يد الخطيب البغدادي ، ولم تلحق به إضافات أساسية ، وإن أعيدت الصياغة والترتيب لأغراض مدرسية على يد ابن الصلاح والقاضي عياض ، وجرت إضافات دقيقة نتيجة تطبيق الحافظ الذهبي والحافظ ابن كثير ومن بعدهما الحافظ ابن حجر لهذا المنهج في مؤلفاتهم ، ولكن المنهج لم يتعرض لتعديل جوهري ، بل تعتبر إضافات الذهبي وابن كثير وابن حجر في جزئيات القواعد العامة ، وهي إضافات مهمة تعطينا تصوراً لما كان يمكن أن يصل إليه هذا المنهج من الاكتمال لو استمرت الحركة الفكرية نشيطة في " عالم الإسلام " ولم يتوقف إبداعها ونموها في عصور التخلف الطويلة .
إن الجمع بين معطيات منهج المحدثين ومنهج النقد الغربي يعطي أمثل النتائج إذا حَكَمت الأخير معايير التصور الإسلامي ، ولا شك أن الدراسات التاريخية الإسلامية الحديثة ومنها دراسات السيرة النبوية مازالت في بداية الطريق ، وهي تحتاج إلى جهود هائلة للارتقاء بها إلى مستوى الدراسات التاريخية العالمية . ويكفي أن القاريء لدراسة حديثة في السيرة لا يكاد يحس فرقًا مهمًا بينها وبين كتاب سيرة ابن هشام أو زاد المعاد على تباين أسلوب ومنهج الكتابين ، رغم التطور الهائل في الدراسات الاجتماعية في العصر الحديث . وما تقدمه العلوم الحديثة من معطيات ضخمة تخدم الدراسات الاجتماعية ، وللأسف فإننا نعيش على حافة العلم الحديث ولم نجرؤ على اقتحامه لنفيد من معطياته الثرية المتنوعة ، مع أن ما ورثناه من أسلافنا في حقل التأليف التاريخي أعظم بكثير مما ورثه المؤرخون الغربيون عن أسلافهم .
وإذا كان النقد التاريخي يبدو ضعيفًا في دراساتنا ، فإن التحليل للروايات والتعامل معها يبدو أكثر قصورًا ؛ بسبب النظرة التجزيئية للقضايا ، والسطحية في التعامل مع الروايات ، وعدم وضوح التصور الإِسلامي لحركة التاريخ ودور الفرد والجماعة والعلاقات الجدلية بين القدر والحرية وقانون السببية والربط بين المقدمات والنتائج ، فضلاً على أن الكتب التاريخية القديمة لا تمدنا بمنحى واضح في التحليل والتصور الكلي بسبب اعتمادها على سرد الرويات فقط ؛ إذ قلما يشير المؤرخ الإِسلامي القديم للسنن والنواميس والقوانين الاجتماعية التي تحكم حركة التاريخ رغم أن القرآن الكريم لفت نظر المسلمين إلى ذلك كله بوضوح . بل إن أحدًا من مؤرخي الإِسلام لم يحاول إعادة صياغة النظرة القرآنية للتاريخ وتقديم الوقائع والتطبيقات والشواهد التاريخية عليها بشكل نظريات كلية حتى وقت متأخر عندما كتب ابن خلدون مقدمته ، رغم أن المفكرين المسلمين تعاملوا مع الفلسفة والمنطق منذ القرون الأولى وأفادوا منها في بناء علوم اللغة وأصول الفقه بوضوح وتصرفوا في ذلك بعقليتهم اليقظة التي تنفي ما يناقض المعتقد الإيماني والتصور الإسلامي ، ونجحوا في ذلك إلى حد كبير ، وكان نجاحهم في تخطي التجربة يرتبط بمدى وضوح العقيدة وصفائها في عقولهم .
ويرى العديد من الدارسين - وخاصة من المستشرقين - أن علماء المسلمين عنوا بنقد أسانيد الروايات وأهملوا نقد متونها ، وقد يتصور البعض أن غياب العقلية النقدية هو سبب إهمال محاكمة المتن ، وهنا يلزم الانتباه إلى أن هذا الكلام ليس على إطلاقه ، فرغم توسع علماء المسلمين في نقد الأسانيد إلا أنهم لم يهملوا نقد المتون ومحاكمتها ، بل عنوا بذلك أيضاً ، ويصعب حصر الشواهد على ذلك لكثرتها ، ولكن لا بأس من الإشارة إلى بعض المحاكمات التاريخية التي استندت إلى نقد المتن .
التالي
1 2 3 السابق
|
|
|
|
|
مركز
الفتوى |
|

|
| |
|
|