|
حول
مناهج كتابة السيرة النبوية
*معتز الخطيب*
إن السيرة النبوية هي تجسيد وتمثيل تلك المبادئ النظرية " المتعالية " التي حواها القرآن ، وهي برهان عملي على إمكانية تطبيق الإسلام دينًا ودولة ، فبعد أن تنـزّل الدستور الإلهي النظري ، وتم تجسيده تجسيدًا نموذجيًا ممثلاً بشخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سبحانه :
(
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا
)
.
تحاول هذه الورقة تقديم نماذج " مجملة " عن بعض مناهج السيرة النبوية " المختلفة " فتستهل بتحديد مصطلحات البحث ، ثم تشير إلى عملية التدوين ، ومنهج التدوين في الصدر الأول ، ثم تعرض لبعض أقوال المحدثين النقدية في بعض كتب السيرة الأولى ، ثم تبحث منهج " السيرة الصحيحة " ، ثم مناهج المستشرقين ، وتختم بإجمال منهج المدرسة الإصلاحية .
وسلكت في هذا البحث طريقة " الإجمال " ، ومع ذلك لم نُخْلِ المقام من إيراد الاستشهادات ، واتبعت "المنهج الوصفي التحليلي " في عرض القضايا . ولأنني لم ألتزم استيعاب كل المناهج ، كما أنني لم أفصل فيها جعلت عنوان الورقة " حول مناهج كتابة السيرة النبوية " ، لكن حسبنا أننا عرضنا - فيما نرى - تصوراً " واضحاً " و" مجملاً " لأهم المناهج . واللهَ نسأل أن ينفعنا وغيرنا ويأجرنا .
1- تحديدات :
قبل الكلام على المناهج لا بد من تحديد المصطلحات التي تستعمل في هذا البحث والتي قد تبدو مترادفة حيناً ومختلفة حيناً آخر وهي : السنة - السيرة - الحديث .
فالحديث في اصطلاح المحدثين : هو ما أُضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أوصفة . لكن الأصوليين يستثنون من التعريف كلمة " صفة " لأنهم يبحثون في الأمور التشريعية العملية ، والملحوظ أنهم غالباً ما يستعملون لفظ " السنة
" بدل " الحديث
" أما المحدثون فإنما يستعملون لفظ " الحديث
" ، أكثر من " السنة
" ، وإن أطلقوا السنة فهي - عندهم - تشمل الطريقة العملية ومن ثَمَّ سميت "السنن " الأربعة ( سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ) وغيرها لاعتنائها بالأحكام العملية ، والأكثر في اصطلاح المحدثين أن السنة والحديث مترادفان وهما يشملان أقوال النبي والصحابة والتابعين وهو ما اصطُلِح عليه بالحديث "المرفوع" و"الموقوف" و"المقطوع". ومن ثم قيل : " سنة الشيخين " وإن كان الأليق أن يُلحظ المعنى اللغوي لـ " السنة
" وهو الطريقة ، فيقال لكل ما يتعلق بالتطبيق العملي ( الفعل ) : " سنة " ولكل ما يتعلق بالأقوال : " حديث " .
أما السيرة :
فهي - في تطبيق المحدثين - جزء من الحديث حيث إن كتب الحديث أفردت باباً لها ضمن الأبواب دُعي باسم " المغازي والسِّيَر
" إلى جانب أبواب الطهارة والصلاة والتفسير وغيرها .
والجدير بالملاحظة أن كثيراً من كتب السيرة الأولى سميت بـ " المغازي
" كمغازي أبان بن عثمان (101 هـ ) ومغازي عامر بن شَرَاحيل الشعبي ( 103 هـ ) ومغازي موسى بن عُقْبة ( 140 هـ ) وتذكر كتب التراجم أن ابن إسحاق كان إماماً في "المغازي" وهذا التعبير هو الشائع على لسان العلماء في ذلك العصر كالشافعي
[ انظر مثلاً الخطيب ، الجامع لأخلاق الراوي تحقيق د. محمود الطحان ، الرياض ، المعارف 1403 هـ ، جـ 2 ص 164 ]
وإن كان المعنى اللغوي للسيرة والسنة واحدًا فكلاهما بمعنى " الطريقة
وثمة اصطلاحات أخرى لـ " السنة " في حقل علم العقيدة وعلم الفقه لا تعنينا هنا .
و " السيرة " في تطبيق مؤرخي السيرة هي حياة النبي صلى الله عليه وسلم بكل ملامحها وتفصيلاتها فهي أقرب إلى التأريخ التفصيلي للإسلام ممثلاً بشخصية النبي وخلفائه الراشدين وصحابته الكرام والأحداث التاريخية التي دارت بين الإسلام ومناهضيه . بل إن سيرة ابن إسحاق تدخل في أوسع من هذا حيث ضمَّ إلى السيرة غيرها من الأخبار والقصص وغيرها من أخبار أهل الكتاب
[ كما قال الخطيب ، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ، ( م . س ) جـ 2 ص 163 ]
حتى جاء ابن هشام فهذبها في "السيرة النبوية" . ومن هنا اعتبر القِنَّوْجي - ( 1307 هـ ) [ في أبجد العلوم ، تح عبد الجبار زكار ، بيروت ، الكتب العلمية 1978 ، جـ 2 ، ص 514 ]
. السيرة من فروع علم التواريخ لكن لما كان ثبوتها بالأحاديث والآثار ذكرها في فروع علم الحديث .
بقي أن نشير إلى أن " الخبر " هو مادة السيرة والسنة والتاريخ .
2- تدوين السنة والسيرة :
إن الخلاف مشهور حول موضوع تدوين السنة بين الحظر والإباحة ، لكن الحقيقة الثابتة تاريخياً وفق معايير النقد الحديثية أن الحديث دُوِّن في زمنه صلى الله عليه وسلم على شكل صحف وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يكتب - كَتَبَ الصحيفة الصادقة - وهو ما شهد به أبو هريرة [ رواه البخاري ، العلم ، كتابة العلم ، رقم : 11 ] وثمة عدد من الصحف غيرها لعدد من الصحابة فمن بعدهم لكن هذه الصحف لم تَعْدُ كونها مدونات جزئية قاصرة عن مرحلة التدوين بمعنى " التصنيف " .
لكن السيرة النبوية - وخاصة المغازي
- دوِّنت مبكراً جداً في مرحلة سابقة على الحديث الذي كان على شكل صحف مفردة ، ذلك أن الصحابه اهتموا كثيراً بمغازي رسول الله حتى كانوا يعلِّمونها أبناءهم كما يعلَمونهم السورة من القرآن ومن ثم وجدنا أول من دَّون في السيرة ( المغازي ) - حسب المصادر - عروة بن الزبير بن العوام ( 94 هـ ) وأَبَان بن عثمان بن عفان ( 101 أو 105 هـ ) ويُروى أن كتابه كبير وأنه يبرز فضائل الأنصار . [ حسب ما نقل د. العمري ، في السيرة الصحيحة ، المدينة ، مكتبة العلوم والحكم ، ط 4 ، 1993 ، جـ 1 ص 54 ] وعامر بن شَرَاحيل الشَّعْبي ( 103 هـ ) وله كتاب المغازي ، وعاصم بن عمر بن قَتَادة ( 119هـ ) ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري ( 124 هـ ) وشُرَحْبيل بن سعد المدني ( 123 هـ ) ويزيد بن هارون الأسدي المدني ( 103 هـ ) وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم ( 135 هـ ) وموسى بن عقبة ( 140 هـ ) وهو أصحها على صغره - كما يقول الشافعي -
[ الخطيب ، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ، ( م . س ) ج 2 ص 164 ] وغيرهم حتى جاء ابن إسحاق ( 151 هـ )
والذي يبدو لنا أن كثيراً من المصنفات قبل ابن إسحاق كانت في الغالب تقتصر على ذكر المغازي وبعض ما يتصل بها حتى جاء ابن إسحاق فوضع كتابه على ثلاثة أقسام " المبتدأ " وتناول فيه تاريخ الأنبياء إلى نبينا و " المبعث " وخصصه لحياة الرسول و " المغازي " تعرض فيه لنشأة الدولة الإسلامية في المدينة وتَحَوّل الدعوة من الدفاع إلى " الهجوم " [ انظر الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، تح ، شعيب الأرناؤوط وغيره ، بيروت ، الرسالة ، ط 9 ، 1413 هـ جـ 7 ، ص 48 وابن النديم ، الفهرست ، بيروت ، المعرفة 1978م ص 136 ] .
. حتى جاء ابن هشام ( 218 هـ ) واختصره ومن ثَمَّ لقي من العناية ما لقي واعتُبر عمدة المغازي والسير لاشتماله على أحداث السيرة عامة .
3- منهج تدوين السيرة في الصدر الأول :
يغلب على جميع المؤرخين حتى ابن خلدون (808هـ) منهج جَمْع الأخبار وسرد الأسانيد دون أي تحليل، وفيما يخص الترتيب فقد اعتمد وهْب بن مُنَبِّه (110هـ) وابن إسحاق(151هـ) على التأريخ من بدء الخليقة وكان ذلك أول محاولة - فيما نعلم - للتأريخ الشامل ثم تبعهما في التأريخ العام للعالم الدينوري (282هـ) واليعقوبي (284هـ) ثم الطبري (310هـ) الذي يُعَدُّ أبرز كتَّاب التاريخ وأهمهم وقد اعتمد بشكل رئيس على الإسناد لكونه محدثاً. واعتمد معمر بن راشد (153هـ) في مغازيه على ترتيب الأخبار على أساس موضوعي على نحو ما فعل في (الجامع) الذي يعد من أوائل المجموعات الحديثية المدونة في السنة
[ انظر : الكتاني، الرسالة المستطرفة، تح محمد المنتصر الكتاني ، بيروت ، البشائر الإسلامية، ط4 ، 1986، ص41، 42 ]
.
ولكن كتب السيرة والتاريخ لم تخضع لمنهج النقد الذي كان معزولاً عن الرواية التاريخية ومستثمرًا بشكل ضخم في الرواية الحديثية فيما عدا الكتب التي أفردت بابًا خاصًا للمغازي والسير من الكتب الستة كالبخاري ، وهذا يعود لسببين : الأول : موقع كل من الروايتين وأهميتها فالرواية الحديثية تتعلق بالحلال والحرام ولذلك تساهل فيها المحدثون أنفسهم
[ انظر الخطيب ، الكفاية ، تح . أبي عبدالله السورقي ، إبراهيم المدني ، المدينة ، المكتبة العلمية ، د.ت ص 134 ]
، ومن ثم وجدناهم تكلموا في ابن إسحاق ونزلوا بروايته الحديثية عمن يحتج به [ المراد المصطلح الحديثي (حجة) وهو خلاف "ثقة" فابن إسحاق ثقة حسن الحديث ولكن ليس حجة ] بينما اعتبروه إمام أهل المغازي ، وقد يكون تساهله في قبول الأخبار سبب المنافرة بينه وبين الإمام مالك الذي كان يشترط الصحيح ويشدد فيه
[ انظر تفاصيل تلك المنافرة في ترجمة ابن اسحاق من الذهبي ، السير ، ( م . س ) ج 7 ، ص 51] وحتى أحمد بن حنبل، قال فيه : (لم يكن يحتج به في المسند)[ الذهبي ، السير ، ( م . س ) ج 7، ص 46 ]
وكذلك الحال في الواقدي الذي كذبه بعضهم واحتج به آخرون في المغازي.
والأمر الثاني :
الفرق الجوهري بين المحدث والمؤرخ الذي دعي باسم ((الأخباري)) عند المحدثين
[ انظر الإشارة إلى ذلك في ابن حجر ، نزهة النظر، تح . د. نور الدين عتر ، دمشق ، دار الخير ، " المقدمة " ]
فالمؤرخ إنما يعتني بتوثيق الحدث وإيراد كل ما عنده من أخبار في ذلك بينما يتوجه المحدث إلى تحري الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم وتمييز المقبول من المردود لأنه يتكلم في الحلال والحرام .
وعلى كلٍّ فقد كان العلماء في الصدر الأول (القرون الثلاثة الأولى) يعتمدون على قاعدة مفادها : (( من أسند إليك فقد حَمّلك )) ومن ثم كانوا يوردون الأخبار بأسانيدها، والعهدة على الإسناد لكون ذلك شائعًا في تلك المرحلة التاريخية.
ولم يتم توظيف منهج النقد في سياق الأخبار التاريخية إلا في محاولات جزئية في الحوادث الخاصة بالسيرة كالمغازي وغيرها مما يتصل اتصالاً وثيقًا بالحلال والحرام أو بشخص النبي صلى الله عليه وسلم كما وجدنا في بعض الكتب الستة ، وبدا ذلك أيضا عند المتأخرين كابن كثير (774هـ) في البداية والنهاية الذي تعرض فيه لنظرات نقدية مبثوثة في كتابه ولكنها تبقى جزئية .
التالي
1 2 3 4
السابق
|