الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الصلوات خمس، وأوقاتها خمسة، سوى ما استثناه الشرع

السؤال

العنوان: الصلاة المفروضة خمسة أوقات وكيفية الرد على من يجيز بثلاثة فقطأعلم أن الموضوع غير قابل للنقاش, والمجادلة فيه تعتبر مضيعة للوقت, لكن وصلت بالبريد الإلكتروني رسالة من أحد المواقع الإسلامية تقول بأنه لا حرج على الذي يقوم بالصلاة بثلاث أوقات فقط وقد أعطوا أحاديث لذلك, لذا ومن حرصي على عدم تبني البعض هذا المنهج واستسهاله (أي الصلاة لثلاث أوقات بدلاً من الخمسة) قررت أن أكتب لكم لتزودوني بما أستطيع الرد على من قال مثل هذه الأقوال وفيما يلي نص الرسالة التي وصلت ولكم الأجر إن شاء الله هذا كان نص الرسالة التي تحث على وجوب الصلاة لخمس أوقات وعدم التأخير أو التساهل بها: قال صلى الله عليه وسلم: "من جمع صلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر" وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "لا تتركن صلاة متعمداً، فإنه من ترك صلاة متعمداً برئت منه ذمة الله" تخيل.. ذمة الله برئت منه!! فلا رعاية ولا حماية ولا حراسة من الله عز وجل... ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم، في حديث الإسراء والمعراج: "ورأيت ليلة أسري بي أناساً من أمتي ترضخ رؤوسهم بالحجارة (أي تكسر بها) كلما رضخت عادت فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين كانت رؤوسهم تتكاسل عن الصلاة"!! يقول الله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) {مريم: 59}، يقول ابن عباس رضي الله عنه: ليس معنى أضاعوا الصلاة تركوها بالكلية.. ولكن كانوا يجمعونها فيؤخرون صلاة الظهر إلى صلاة العصر ويؤخرون صلاة المغرب إلى صلاة العشاء.. والغي: واد في جهنم تستعيذ منه النار لشدة حره! فهل يصر أحد بعد ذلك على جمع الصلوات!! وكان الرد من أحد الإخوة أو الأخوات بما يلي: إن جمع الصلاة ليس فيه إشكال ولكن قد يكون المعنى هو عن جمع التأخير وليس عن جمع التقديم والفرق واضح فالأول فوات لثواب الصلاة العظيم في أن تصلى في وقتها الأول فيكون قد ضيع فضيلة الصلاة في وقتها وأجر إتيان الصلاة في أول وقتها أما الثاني فقد قام الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم بجمع الصلاة فصلى بأصحابه جمعا دون عذر وفيها أحاديث كثيرة نختصر على الصحيحة منها، رغم أن القارئ للأحاديث الثاني والثالث لا يفهم منها ألا أن التأخير هنا يكون بعد خروج وقتها وليس بعد نصف ساعة أو ساعة أو ساعتين أو حتى آخر وقتها
أولاً: أذكر لك الآيات التي تقول أن أوقات الصلاة الحقيقية التي يعتبر بعدها المرء متهاونا بالصلاة هي ثلاث (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود: 114]، (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) [الإسراء: 78].
ثانيا: الأحاديث الصحيحة لجمع الصلاة من دون عذر، كما في صحيح مسلم 705 صلاة المسافر6) باب الجمع بين الصلاتين في الحضر49 - (705)، حدثنا يحيى بن يحيى، قال: "قرأت على مالك عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، في غير خوف ولا سفر. 54 - (705)، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، قالا: حدثنا أبو معاوية، ح وحدثنا أبو كريب وأبو سعيد الأشج (واللفظ لأبي كريب) قالا: حدثنا وكيع، كلاهما عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بالمدينة، في غير خوف ولا مطر (في حديث وكيع) قال قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: كي لا يحرج أمته. وفي حديث أبي معاوية قيل لابن عباس ما أراد إلى ذلك قال أراد أن لا يحرج أمته.58-(705) وحدثنا ابن أبي عمر، حدثنا وكيع، حدثنا عمران بن حدير عن عبد الله بن شقيق العقيلي؛ قال: قال رجل لابن عباس: الصلاة، فسكت، ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال: لا أم لك! أتعلمنا بالصلاة؟ وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. (705) وحدثنا أحمد بن يونس وعون بن سلام، جميعا عن زهير، قال ابن يونس: حدثنا زهير، حدثنا أبو الزبير عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا بالمدينة، في غير خوف ولا سفر، قال أبو الزبير: فسألت سعيدا: لم فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني، فقال: أراد أن لا يحرج أحدا من أمته. هذا ما حصل وللأسف، الرجاء استبيان الصواب أثابكم الله وثبتكم وأعانكم على نصرة الإسلام والمسلمين؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فقبل الجواب المباشر لا بد من التنبيه إلى مراعاة الأمور التالية عند تقرير المسألة:

1- الجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض والتوفيق بينها وعدم أخذ بعضها والإعراض عن البقية؛ لأن ذلك سبيل أهل البدع والأهواء.

2- عدم الخوض في تقرير مسائل الشريعة إلا للمتخصصين المتأهلين للنظر فيها وليس لكل واحد، وأكثر الناس اليوم يحترمون التخصصات إلا في الشريعة الإسلامية فتجد أحدهم مثلاً في الطب يرجع إلى الأطباء المتخصصين ويدقق في البحث عن الماهر منهم ولا يسلم نفسه لكل مدع للطب، ولكن لا يفعل ذلك في أمور دينه؛ بل الكل يجتهد ويتأول إلا من رحم الله.

3- عدم الاجتهاد مع وجود النص واتفاق العلماء على معناه، وفي ذلك يقول ربنا تبارك وتعالى: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا {النساء:115}.

وعلى ضوء ما سبق نقول: قد جاءت الأدلة الصحيحة الصريحة بأن الصلوات خمس، وأوقاتها خمسة، وحددت السنة أوقاتها بدقة، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد وغيره عن جابر بن عبد الله الأنصاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل فقال: قم فصله، فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم جاءه العصر فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله أو قال صار ظله مثليه، ثم جاءه المغرب فقال: قم فصله، فصلى حين وجبت الشمس، ثم جاءه العشاء فقال: قم فصله، فصلى حين غاب الشفق، ثم جاءه الفجر، فقال: قم فصله، فصلى حين برق الفجر أو قال حين سطع الفجر. ثم جاءه من الغد للظهر فقال: قم فصله، فصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم جاءه العصر، فقال: قم فصله فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم جاءه للمغرب المغرب وقتاً واحداً لم يزل عنه، ثم جاء للعشاء العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال ثلث الليل فصلى العشاء، ثم جاءه للفجر حين أسفر جداً فقال قم فصله فصلى الفجر ثم قال: ما بين هذين وقت.

ولا يكون للصلوات الخمس ثلاثة أوقات إلا في حالات استثناها الشرع وهي:

1- السفر فيجمع المسافر بين الظهر والعصر تقديماً أو تأخيراً، وبين المغرب والعشاء كذلك، ويصلي الفجر في وقتها، فتكون الأوقات بالنسبة له ثلاثة عند جمهور أهل العلم سوى الحنفية.

2- الجمع للحاج في عرفة ومزدلفة ومنى على تفصيل في ذلك لأهل العلم رحمهم الله.

3- الجمع عند المطر تقديماً وفي قول أو تأخيراً.

4- عند الخوف.

5- عند المرض.

6- عند الحاجة والمشقة. وهذا غاية ما وردت فيه رخصة الجمع بين الصلاتين.

وأما الجمع بينها لغير عذر مطلقاً فلم يرد بذلك دليل ولا قال به عالم معتبر من أهل العلم. وحديث ابن عباس الذي استدل به المعارضون حجة عليهم وليس لهم، فقد بين ابن عباس راوي الحديث أنه خاص بالحاجة، وهكذا تتابع الناس على أخذ ذلك منه، ففي الصحيحين عن ابن عباس قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعاً بالمدينة في غير خوف ولا سفر، قال أبو الزبير: فسألت سعيداً لم فعل ذلك؟ فقال سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يحرج أحداً من أمته.

وهكذا تتابع العلماء على فهم هذا الحديث، وأما الآيات فلا دلالة على أن الصلوات ثلاثة أوقات بل فيه إجمال بينته السنة المطهرة التي قال الله فيها: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ {النحل:44}، وقد فصلنا هذه المسألة بتوسع في الفتوى رقم: 53951، والفتوى رقم: 6846 فراجعهما.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني