الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 2019 ) الفصل الثاني ، أن الحجامة يفطر بها الحاجم والمحجوم . وبه قال إسحاق ، وابن المنذر ، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة . وهو قول عطاء ، وعبد الرحمن بن مهدي . وكان الحسن ، ومسروق ، وابن سيرين ، لا يرون للصائم أن يحتجم .

                                                                                                                                            وكان جماعة من الصحابة يحتجمون ليلا في الصوم ، منهم ابن عمر ، وابن عباس ، وأبو موسى ، وأنس بن مالك ، ورخص فيها أبو سعيد الخدري ، وابن مسعود ، وأم سلمة ، وحسين بن علي ، وعروة ، وسعيد بن جبير . وقال مالك ، والثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي : يجوز للصائم أن يحتجم ، ولا يفطر ; لما روى البخاري ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم { احتجم وهو صائم } . ولأنه دم خارج من البدن ، أشبه الفصد . ولنا ، قول النبي صلى الله عليه وسلم : { أفطر الحاجم والمحجوم . } رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد عشر نفسا ، قال أحمد : حديث شداد بن أوس من أصح حديث يروى في هذا الباب ، وإسناد حديث رافع إسناد جيد . وقال : حديث شداد وثوبان صحيحان ، وعن علي بن المديني ، أنه قال : أصح شيء في هذا الباب حديث شداد وثوبان . وحديثهم منسوخ بحديثنا ، بدليل ما روى ابن عباس ، أنه قال { : احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقاحة بقرن وناب ، وهو محرم صائم ، فوجد لذلك ضعفا شديدا ، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتجم الصائم } . رواه أبو إسحاق الجوزجاني في المترجم ،

                                                                                                                                            وعن الحكم ، قال { : احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم } فضعف ، ثم كرهت الحجامة للصائم . وكان ابن عباس وهو راوي حديثهم ، يعد الحجام والمحاجم ، فإذا غابت الشمس احتجم بالليل . كذلك رواه الجوزجاني .

                                                                                                                                            وهذا يدل على أنه علم نسخ الحديث الذي رواه . ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم فأفطر ، كما روي عنه عليه السلام أنه { قاء فأفطر } فإن قيل : فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم { رأى الحاجم والمحتجم يغتابان ، } فقال ذلك ، قلنا : لم تثبت صحة هذه الرواية ، مع أن اللفظ أعم من السبب ، فيجب العمل بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، على أننا قد ذكرنا الحديث الذي فيه بيان علة النهي عن الحجامة ، وهي الخوف من الضعف ، فيبطل التعليل بما سواه ، أو يكون كل واحد منهما علة مستقلة . على أن الغيبة لا تفطر الصائم إجماعا ، فلا يصح حمل الحديث على ما يخالف الإجماع . قال أحمد : لأن يكون الحديث كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم { : أفطر الحاجم والمحجوم } أحب إلينا من أن يكون من الغيبة ; لأن من أراد أن يمتنع من الحجامة امتنع ، وهذا أشد على الناس ، من يسلم من الغيبة ، فإن قيل : فإذا كانت علة النهي ضعف الصائم بها فلا يقتضي ذلك الفطر ، وإنما يقتضي الكراهة ، ومعنى قوله : { أفطر الحاجم والمحجوم } أي قربا من الفطر . قلنا : هذا تأويل يحتاج إلى دليل ، على أنه لا يصح [ ص: 16 ] ذلك في حق الحاجم ، فإنه لا ضعف فيه .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية