تبت من علاقة بأحد الأشخاص لكن تفكيري لا زال منشغلًا به، فما الحل؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

كنت في علاقة محرمة مع أحد الأشخاص، ثم من الله علي وتبت منها، ومنذ سنة -الحمد لله- وأنا بعيدة عن هذا الذنب، لكني ما زلت أعاني من آثار هذه المعصية؛ فقد قمت بحذف هذا الشخص من كل وسائل التواصل، إلا أن تفكيري لا يزال منشغلا به، وأحيانا أراه في المنام، كما أن نفسي تحدثني أحيانا بأن أنظر إلى صوره أو أتصل به، لكن الحمد لله الذي يثبتني، فلا أفعل شيئا من ذلك.

أنا لا أريد العودة إلى هذا الذنب، لكن قلبي ونفسي ما زالا متعلقين به، وأتساءل: كيف أطهر قلبي من هذا التعلق؟ وهل يفيد أن أتعلم سورة النور؟ وكيف أقوي إيماني حتى لا أعود إلى ما كنت عليه، فأنا (والله) لا أريد الرجوع.

وسؤال آخر: كنت أظن أن لي نصيبا من السعادة في الزواج، لكني استعجلت وأخذته بطريقة محرمة بسبب تلك العلاقة، فهل سيؤثر ذلك على حياتي مستقبلا؟ إذ أسمع من يقول إن من استعجل نصيبه في الحرام، قد يحرم من أثره أو بركته كما في الرزق، وأشعر بحديث داخلي لا أعلم أهو من الشيطان أم من نفسي يقول: ما فائدة التوبة إذا؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سما ..حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في إسلام ويب، ونسأل الله أن يثبتك على التوبة، وأن يطهر قلبك من الرجس، وأن يصرف عنك الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يبدلك بعد هذا الثبات طمأنينة وقربا منه سبحانه، ودعينا نجيبك من خلال ما يلي:

1- لا شك أن ما تحدثت عنه من الذنوب العظيمة؛ لأنها تجمع بين تعلق القلب بغير ما أذن الله به، وبين فتح أبواب الفتنة والمعصية، وكثيرا ما تنتهي بآلام نفسية وندم طويل، لكن مع ذلك احذري أن يحولك الشيطان من الاعتراف بخطأ الذنب إلى اليأس من رحمة الله.

2- من نعم الله العظيمة عليك أن الله سترك، وأعانك على قطع العلاقة قبل أن تتفاقم آثارها، ولك أن تتخيلي لو نزع الله عنك ستره فافتضح أمرك بين أهلك، أو تعلقت القلوب أكثر، أو وقعت أمور أشد مما وقع، أو انتهت العلاقة بصدمة أعنف مما حصل! إن كثيرا من الناس لا يعرف قيمة الستر إلا حين يرى من حوله ممن انكشفت أسرارهم، أو ضاعت حياتهم بسبب مثل هذه العلاقات، فاحمدي الله على السلامة.

3- عليك ضبط بوصلتك، فبدلا من أن يكون نظرك إلى الماضي نظرة حسرة فقط، اجعليها نظرة شكر أيضا؛ شكرا لله أنه أيقظ قلبك قبل أن تزداد الغفلة، وأن أخرجك من هذا الباب وأنت ما زلت قادرة على الرجوع إليه سبحانه.

4- اعلمي أن التوبة ليست لحظة تنتهي فيها المعركة، وإنما طريق يبدأ بعدها الجهاد، ولهذا قال بعض السلف: جهاد التوبة أشد من جهاد المعصية؛ لأن المعصية تنتهي أحيانا بترك الفعل، أما التوبة فتحتاج إلى صبر حتى يبرأ القلب من آثار ما تعلق به.

5- إن أول خطوة عملية أوصيك بها هي المحافظة على القطيعة التامة مع هذا الشاب، فلا تواصل معه، ولا متابعة لحساباته، ولا سؤال عنه، ولا تتبع لأخباره من طريق صديقة أو قريبة أو وسيلة أخرى؛ لأن القلب لا يشفى من التعلق ما دام يتلقى جرعات متجددة منه.

6- إذا وجدت نفسك تميلين إلى النظر إلى صورة أو حساب أو خبر عنه، فذكري نفسك أن الشيطان لا يطلب منك العودة الكاملة في البداية، وإنما يطلب خطوة صغيرة، ثم أخرى حتى يعيدك إلى الموضع الذي نجاك الله منه، وساعتها لن تلومي إلا نفسك، فإن الله يغار على حدوده، ولهذا فإن قطع الأسباب من أعظم أبواب الثبات.

7- كذلك لا تجلسي مع الذكريات جلسة المستمتع بها، فكثير من الناس يظن أنه يحارب التعلق، بينما هو في الحقيقة يغذيه باسترجاع المواقف والكلمات واللحظات القديمة، وكل ذكرى يعاد تشغيلها في العقل كأنها رسالة جديدة ترسل إلى القلب.

8- من الوسائل العملية النافعة أن تملئي أوقات الفراغ التي كانت تشغلها العلاقة، فالقلب لا يعيش في فراغ؛ فإذا أخرجت منه تعلقا ولم تدخلي مكانه ما هو أنفع، ظل يفتش عما فقده! ولهذا أكثري من قراءة القرآن، والعلم النافع، وصحبة الصالحات، والبرامج والأعمال التي تشغل الفكر والوقت.

9- أنصحك بسورة النور خاصة؛ قراءة وتدبرا وحفظا ما استطعت، فهي من أعظم السور التي تعالج قضايا العفة، وغض البصر، وطهارة القلب، وبناء البيوت على التقوى.

10- لقد تركت العلاقة منذ سنة، وأغلقت الأبواب، وقطعت وسائل التواصل، وتجاهدين نفسك كلما دعتك إلى العودة، وهذه علامة مهمة على خير أنت فيه، لكن الوهم بأن بقاء الخواطر مع مجاهدتها دليل على فساد التوبة فليس بصحيح! وعليك أن تعلمي أن التوبة شيء، وزوال آثار التعلق من القلب شيء آخر، فبعض الذنوب تنتهي في يوم، لكن آثارها في النفس تحتاج وقتا حتى تضعف وتزول.

وعليه: فلا تجلدي نفسك على خاطر مر أو صورة في الذهن مرت، أو رؤيته في المنام ما دمت تدفعينها وتجاهدينها، بل لك في ذلك أجر المجاهدة، إنما المحاسبة تكون على الاستجابة لهذه الخواطر أو تحويلها -عياذا بالله- إلى أفعال، وأنت بحمد الله كلما دعتك نفسك إلى النظر أو الاتصال أو العودة امتنعت.

11- أحب أن أنبهك إلى أن الشيطان قد يغير أسلوبه مع التائب؛ فبعد أن كان يدعوه إلى المعصية، يصبح همه أن يحرمه من ثمرة التوبة، فيقول له: ما الفائدة؟ لقد ضاع كل شيء! أو: لقد أخذت نصيبك من السعادة في الحرام! أو: لن تجد بعد ذلك خيرا. وهذه كلها وساوس يراد بها إفساد التوبة لا أكثر، فلا تلتفتي إليها.

12- أما قولك: هل أخذت نصيبي من السعادة في الحرام؟
فالجواب: لا، هذه فكرة لا أصل لها، نعم المعصية قد تترك آثارا مؤلمة، وقد يحرم العبد بسببها بعض الخيرات، لكن لا يوجد في الشرع أن من استعجل شيئا في الحرام انتهى نصيبه من الحلال، بل الواقع والشرع يدلان على عكس ذلك، فكم من إنسان وقع في ذنب ثم تاب، ففتح الله له أبوابا من الخير لم يكن يتوقعها، وكم من فتاة تابت من علاقة محرمة، فعوضها الله زوجا صالحا وحياة طيبة، فالله لا يعامل التائب معاملة المصر على الذنب.

وتأملي قول الله تعالى: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأو۟لئك يبدل ٱلله سيـٔاتهم حسنـٰت}، لم يقل يغفرها فقط، بل يبشرهم بالتبديل، وهذا من أعظم ما يبعث الأمل في قلب التائب.

ولذلك لا تسألي: ماذا ضاع مني؟ بل اسألي: ماذا يمكن أن يعوضني الله؟ فالتوبة ليست نهاية طريق السعادة، بل قد تكون بدايته الحقيقية.

وأخيرا، لا تنظري إلى نفسك على أنك فتاة أفسدت مستقبلها، بل انظري إلى نفسك على أنك فتاة أخطأت ثم تابت، وتجاهد نفسها منذ سنة كاملة، وتغلق أبواب الحرام كلما فتحت، وهذه المجاهدة في نفسها نعمة عظيمة تستحقين أن تحمدي الله عليها.

نسأل الله أن يثبتك على التوبة، وأن يطهر قلبك من كل تعلق لا يرضيه، وأن يرزقك زوجا صالحا يكون عوضا جميلا، وأن يملأ قلبك يقينا ومحبة له سبحانه، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات