تهذيب الآثار للطبري

الطبري - محمد بن جرير الطبري

صفحة جزء
( القول في البيان عما في هذه الأخبار من الغريب )

فمن ذلك قول: قيس بن أبي حازم: " كان أبو بكر يخرج إلينا، وكأن لحيته ضرام العرفج من الحناء والكتم "; يعني بقوله: ضرام العرفج: لهب نار العرفج في شدة الحمرة، من حمرة الخضاب بالحناء والكتم! يقال منه: اضطرمت النار فهي تضطرم اضطراما: إذا التهبت.

ومنه قول العجاج:

سفواء مرخاء تباري مغلجا كأنما يستضرمان العرفجا)

يعني بقوله: يستضرمان: يستوقدان النار.

ومنه قول حاتم الطائي: [ ص: 520 ]

عليك بهاتيك اليفاع فأوقدي     بجزل ولا تستوقدي بضرام

يعني بالضرام: دقاق العيدان.

وأما العرفج: فإنها شجرة أضوأ الأشجار - فيما يقال - نارا.

وهي جمع: واحدتها: عرفجة.

ومن ذلك قول أبي البلاد الطهوي:

يا موقد النار أوقدها بعرفجة     لمن تبينها من مدلج سار)

وأما قول الآخر: " رأيت أبا بكر أبيض الرأس خفيفا، على ناقة له أدماء " فإنه يعني بقوله: " أدماء ": بيضاء تعلوها غبرة.

وبذلك يوصف أدم الظباء.

ومن ذلك قول زهير:

بها العين والآرام والأدم خلفة     وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم

وأما قول أنس: " ردد ذلك حتى أقناها " فإنه يعني بقوله: أقناها: أشبعها حمرة من الخضاب.

يقال في ذلك إذا وصف الشيء الأحمر بالإشباع حمرة: هو أحمر قاني.

كما يقال في الأبيض إذا وصف بشدة البياض، وصفائه: أبيض ناصع.

وأما قول الآخر: " قدم النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - المدينة، [ ص: 521 ] وليس في أصحابه أشمط غير أبي بكر، فغلفها بالحناء والكتم ".

فإنه يعني بقوله: أشمط: أن شعر رأسه ولحيته قد خالط سواده بياض.

وكذلك تقول العرب للرجل إذا ابيض من شعر رأسه ولحيته نصفه، ونصفه أسود بعد: أشمط.

وأصل الشمط: الخلط.

يقال منه في شمط الشعر: قد شمط شعر فلان، فهو يشمط شمطا.

وإذا جمع بين شيئين مختلفي الألوان فذلك الشمط.

يقال من الخلط: شمط يشمط شمطا - بسكون الميم - ومن ذلك قيل للصبح: شميط: لاختلاط بياض الفجر بسواد الليل.

ومن شمط الشعر، قول أبي النجم:

إن يمس رأسي أشمط العناصي     كأنما فرقه مناص)

المناص: ما استرسل من شعر الرأس.

ويقال من الشعر أيضا: اشماط الشعر، فهو يشماط اشمطاطا.

ومن ذلك قول الهذلي:

فما أنت الغداة وذكر سلمى     وأمسى الرأس منك إلى اشمطاط)

وأما قول أبي جعفر الأنصاري: " رأيت أبا بكر كأن لحيته جمر الغضى ".

فإن الغضى شجر مضيئة النار.

شبه حمرة خضاب لحيته بحمرة جمر الغضى.

وإياها عنى الفرزدق بقوله: [ ص: 522 ]

كأن مفالق الرمان فيها     وجمر غضى قعدن عليه حام)

وأما قول ابن عباس لما بنى عمر بأم كلثوم: " دخل عليه مشيخة المهاجرين، فكانت تحفته إياهم أن صفر لحاهم بالملاب ". فإنه يعني بالملاب: الخلوق، وما أشبهه من طيب النساء.

وإياه عنى جرير بن عطية في قوله للفرزدق:

أعدوا مع الحلي الملاب فإنما     جرير لكم بعل وأنتم حلائله)

3 وأما قول جابر بن عبد الله: " جيء بأبي قحافة إلى رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ورأسه ولحيته كأنها ثغامة بيضاء ".

فإن الثغامة - فيما قيل - شجرة بالبادية معروفة إذا يبست ابيضت، تجمع ثغاما.

وإياه عنى الفرزدق بقوله:

وقالوا لنا زيدوا عليهم فإنهم     لغاء وإن كانوا ثغام اللهازم)

يعني بالثغام جمع الثغامة.

وأما قول أبي رمثة: " انطلقت مع أبي إلى النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فإذا له وفرة بها ردع من حناء ".

فإنه يعني بالردع: الأثر.

وكل أثر من دم أو حناء أو زعفران، أو خلوق، وغير ذلك من صفرة أو حمرة، فإن العرب تسميه ردعا، ولجمعه ردوعا.

ومنه قول الطرماح بن حكيم:

تزلزل عن فرع كأن متونه     بها من عبيط الزعفران ردوع)

[ ص: 523 ] عنى بالردوع: آثار الزعفران.

ومنه قول قبيصة بن جابر مخبرا عن صاحبه الذي رمى الظبي، فلم يخطئ حشاه: فركب ردعه.

يعني بقوله: ركب ردعه: ركب أثر الدم.

التالي السابق


الخدمات العلمية