الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الاعتداءات الصهيونية..الرهانات والأهداف

1317 0 454

لن تكون المجزرة الصهيونية التي شهدها قطاع غزة مؤخرًا هي الأخيرة في سياق السياسة الصهيونية التي تستهدف وضع القطاع تحت الضغط المتواصل، واستخدام كل أدوات التنكيل في محاولة خلق مناخ ضاغط على حركة حماس يُمكِّن من ازدياد السخط المجتمعي على الحركة بما يسهل إزاحتها، سواء تم ذلك من خلال ديناميات الصراع الداخلي بين الفلسطينيين، أو تفهم والقبول بحدوث ذلك على أيدٍ صهيونية.

 لا يمكن بالقطع تصديق أن تلك المجازر إنما تتم كمحاولة لوضع حد لعمليات إطلاق الصواريخ من قطاع غزة؛ فالأجهزة الصهيونية تذكر بين الحين والآخر أنه ما من وسيلة قادرة على وضع حل حاسم ونهائي لعمليات إطلاق الصواريخ من القطاع، فما الذي تبتغيه الحكومة الصهيونية إذن من تلك الاعتداءات؟

هناك مجموعة من الأهداف تسعى الحكومة الصهيونية إلى تحصيلها عبر تكثيف العمليات على قطاع غزة، فهناك أولاً وضع الحكومة الصهيونية بقيادة أولمرت، والتي تعاني من عدم الاستقرار الكافي، وتتواجد في مناخ ضاغط يلعب فيه منافسون لأولمرت على ورقة إخفاقاته وضعفه، ومِن ثَمّ يبدو أولمرت وحكومته مستنفرين دائمًا، ولديهم أعلى درجات الميل للدخول في مزاد التصعيد ضد الفلسطينيين؛ حتى تتحسن صورة حكومته، ولا يجد خصومه الأسانيد الإضافية للنيل منه في معترك السباق السياسي، وبالطبع تزداد هذه القابلية شراهة في ضوء ما شهدته العملية السياسية مؤخرًا من حراك على الصعيد الإجرائي، واتهام البعض لأولمرت بأنه يسير في طريق تقديم التنازلات للفلسطينيين، وهو ما ينفيه أولمرت على مستوى أحاديثه للجمهور الصهيوني، ويُشفع ذلك بعمليات متواصلة ضد الشعب الفلسطيني، وخاصة قطاع غزة كبرهان عملي يعاينه الجمهور الصهيوني يصادق على تأكيدات أولمرت بأنه لن يقدم تنازلات جوهرية للفلسطينيين، وأن سياسته حيال الشعب الفلسطيني وعملية التسوية لن يطالها اختلاف جوهري عمن سبقوه.

الاعتداءات الصهيونية تستهدف ضمن جملة أهدافها وفي طليعتها تأزيم الموقف السياسي الفلسطيني، عبر توتير الأجواء، وخلق حالة ضاغطة على عموم الشعب الفلسطيني، وكل من حركتي فتح وحماس، فتلك الاعتداءات من شأنها أن تضع السلطة الفلسطينية وحركة فتح في موقف حرج أمام الشارع الفلسطيني، بحيث تبدو وكأنها شريك للحكومة الصهيونية، فيما تقترفه من جرائم بحق أبناء الشعب الفلسطيني، أو على الأقل متواطئة معها، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من صعوبة الموقف على السلطة الفلسطينية، ويجعلها تعاني الاهتزاز على مستوى وضعها السياسي ومكانتها الرمزية المفترضة لدى الفلسطينيين، وفي حالة تزايدت هذه الأعمال واتسع المدى النوعي لها، فإن السلطة الفلسطينية لن يكون أمامها إلا أحد خيارين: الاستمرار على موقفها والاكتفاء بالإدانة اللفظية للأعمال الصهيونية، وهو ما يُؤزِّم موقفها على الصعيد الداخلي، بل ربما يخلق متاعب داخل حركة فتح ذاتها، حيث ستجد القيادات الميدانية- تحديدًا- نفسها في موقف حرج أمام الشارع الفلسطيني، ما قد يعني تراجع وضعيتها في مضمار التنافس السياسي مع حركة حماس. الخيار الثاني أن تقدم السلطة على اتخاذ مواقف سياسية؛ كأن تجمد اللقاءات مع الجانب الصهيوني، وتزيد من لغة خطاب الإدانة السياسي، وهو موقف يوفر غطاء لرئيس الوزراء الصهيوني وأركان حكومته للتنصل من السير في دائرة العملية السياسية، والتعلل بأن الظرف الموضوعي لا يبدو ملائمًا لاجتراح تحول ناجز في العملية السياسية، جراء عدم توفر الشريك الفلسطيني.

 فيما يرتبط بحركة حماس، فإن السياسة الصهيونية ترمي من خلال هذه الاعتداءات إلى وضع الحركة في مرمى الضغوط المجتمعية الكثيفة، فهذه الاعتداءات وفق ما يراهن عليه الكيان الصهيوني كفيلة بخلق حالة من التذمر في أوساط الشعب الفلسطيني، وخاصة في قطاع غزة، من الحركة، ما يؤجج من عمليات الاحتجاج ضدها، ويضعف حجم الإسناد المتوفر لدى الحركة، كما أن ذلك قد يسهل من مهمة بعض خصوم الحركة السياسيين الذين توفر لهم هذه الأعمال وما تخلِّفُ سانحةً لانتقاد مواقف وسياسات الحركة، ووضعها في صورة الطرف المسئول عما يحل بالشعب الفلسطيني؛ نتيجة تقديراتها السياسية وسياساتها الخاطئة.

من رحم عملية الاحتقان هذه، ومن خلال الظرف الضاغط الذي يحياه مجمل الشعب الفلسطيني، يسعى الكيان الصهيوني إلى توفير أجواء تمكن من انتزاع تنازلات جوهرية على قاعدة أن الإنهاك المتواصل قد يخفض نسبة الممانعة لدى الشعب الفلسطيني، ويخلق حالة من الليونة لديه في المسائل الأساسية الخاصة بعمليات رسم الحلول السياسية.

ورغم صعوبة الظرف الذي يعيشه الشعب الفلسطيني وقواه، إلا أن تشابك عناصر الظرف الموضوعي تشير إلى صعوبة تحقيق الأهداف الصهيونية بشكل كامل ومترابط، فتلك الأعمال   تؤدي في غالب الأحيان إلى ازدياد الاستنفار في صفوف الشعب الفلسطيني بصفة عامة، وتجعله أكثر تيقظًا لمرامي تلك الأعمال الصهيونية، فيزداد صلابة في إطار الممانعة والمطالبة بعدم التفريط في أي من حقوقه السياسية، وعدم القبول بأن ترتهن الإرادة السياسية الفلسطينية للابتزازات الصهيونية، وأن يكون طريق التعاطي الناجع مع تلك الاعتداءات هو توحيد الصف الفلسطيني، والشروع في حوار وطني يخرج الساحة الفلسطينية من حالة الجمود، وفي كثير من المحكات، بل في كل المحكات كانت خلاصة الخبرة التاريخية تشير إلى صلابة الشعب الفلسطيني، ونضج وعيه.

كما أن تلك الاعتداءات وإن كانت تحمل في طياتها تداعيات قد تلقي بمزيد من الظلال السلبية على ملف العلاقة بين حركتي فتح وحماس، إلا أنها من زاوية أخرى قد تدفع نحو تنشيط المساعي من أجل فتح نوافذ للحوار بين الحركتين، خاصة أن ما تجنيه السلطة الفلسطينية من الانغماس في المراهنة على العامل السياسي في مجال العلاقات الخارجية واللقاءات مع الجانب الصهيوني محدود المردود، وفي حال استمراره على ذات الشاكلة، فإنه قد يجعل السلطة ومعها حركة فتح مع مرور الوقت كيانًا سلطويًا فوقيًا منبت الصلة بالبناء التحتي للشعب الفلسطيني وقاعدته العريضة.

إضعاف حركة حماس هو الآخر من خلال زيادة كلفة الممانعة المجتمعية، وزيادة الخسائر في صفوف الشعب الفلسطيني أمر يرجحه الاحتمال المعاكس، فالحركة من خلال تقديم التضحيات في قطاع غزة، والصمود أمام آلة البطش الصهيوني تتجدد خلايا النشاط والفاعلية لديها، وتعيد تحصيل ما قد تكون افتقدته من أرصدة في الآونة الأخيرة، حيث سيزداد الالتفاف الشعبي حول الحركة، ما يعني مزيدًا من التحسن السياسي في موقف الحركة على رقعة الواقع، وهو أمر كثيرًا ما نبه إليه المحللون الصهاينة، والذين اعتبروا أن العمليات العسكرية  خاصة في قطاع غزة تعزز من وضعية حركة حماس، وتجعلها تتبوأ موقعًا متقدمًا في  تراتبية القوى الفلسطينية.

يقينا لن تتوقف العمليات العدوانية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، وخاصة في قطاع غزة، لكن ما هو أكثر يقينية أن الطريق لن يكون معبدًا أمام الآلة العسكرية الصهيونية، وسيكون شديد الوعورة بشكل أكبر في مجال صراع الإرادات، والقدرة على الصمود والتحدي، فالشعب الفلسطيني يدرك أنه يخوض حربًا تحريرية، وأن ضريبة نيل الحقوق كما عرفتها كل التجارب الإنسانية هي البذل والتضحية، فما من شعب نال حقوقه إلا عبر هذا الطريق.
ــــــــــــــــ
علاء النادي (القدس أونلاين)

مواد ذات صلة



تصويت

قالوا: إذا أردت أن تسقط حضارة أمة فعليك بهدم الأسرة والتعليم وإسقاط القدوات وتشويهها، فما هي بنظرك أكثر تلك الوسائل أثرا ؟

  • إهمال التعليم
  • التفكك الأسري
  • تشويه الرموز والقدوات
  • لا أدري