الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأدب والحرب على الإسلام

875 0 463

هل كان علينا أن نؤمن منذ البدء بنظرية "المؤامرة " حتى نفهم هذه الموجة المتصاعدة من الكراهية منذ مطلع العقد الأخير من القرن الماضي للعرب والمسلمين؟ أم أنه كان علينا أن ننتظر مطلع العقد الأخير من القرن الماضي ؟

يبدو أن نزعة التعقل التي كنا نلح عليها نحن العرب والمسلمين لم تكن أكثر من تعمية . ذلك أنه الآن لا يجد المرء مفراً من المواجهة مع نظرية المؤامرة المعروفة في مثل هذه الظروف بالذات ، حيث أصبح كل شيء يمت إلى الإسلام والعرب بصلة محطّ كراهية الغرب وعدوانهم ، وإذا كان من الصعب على المرء أن يتقبل هذه النظرية من قبل لدواعٍ شتى، فإن الواقع الراهن يجعل من الصعب مدافعتها!
والمسألة ما عادت تتعلق بالفكر وحده ، وبالسياسة وحدها، بل بالفن والأدب والعسكرة والحرب .. كل شيء تقريباً أصبح مجالاً للمؤامرة ؛ خصوصاً أنها اجتمعت جميعاً أو تراكمت وفي وقت واحد. فقبل أيام من أحداث 11 أيلول يكتب ميشيل هويلبيك الروائي الفرنسي المتطرف رواية «المنصة» يحتقر فيها كل ما هو مسلم وعربي ، وبعد أحداث أيلول يعلن بوش " المكبوت الغربي"، أقصد (الحرب الصليبية) ثم في غضون أيام ينال « نايبولي » الروائي الهندي البريطاني جائزة نوبل للآداب وهو معروف بعدائه للإسلام .
كأنه كان ينبغي علينا منذ البدء الأخذ بهذه النظرية، أو على الأقل منذ ظهور مقالة هنتنغتون « صدام الحضارات » التي جعل فيها الإسلام هو الحضارة الوحيدة التي تواجه الحضارة الغربية وأن العلاقة بينهما علاقة « صدام» و«صراع» ومنذ ذلك الحين والسيئات تتضاعف من الغرب ، ويتنامى العداء الغربي للعرب والمسلمين .
في كل الأحوال إذا كان مفهوم «انتهاك المحرمات» أو بتعبير أجنبي ( كسر التابوهات ) يحظى بمكانة خاصة في الحداثة الغربية، لأنها هي ذاتها نشأت متلبسة بانتهاك المحرمات الدينية منها والأخلاقية على وجه الخصوص ، بل ومنها أخذت «الحرية» مفهومها الحديث والواسع. ومن حق الغرب أن ينتقد ويفكر منتهكاً المسلمات الدينية ، ولكن ليس من حقه أن يعتدي ويسيء ويشتم بحجة الأدب ، أي أن ينتهك أخلاقياً مقدسات الآخرين .
ذلك أن الانتهاك - عادة - يأخذ صورتين:
إما صورة حوار فكري، يتم فيه طرح الأسئلة المتشككة في المقدسات ومسلماتها، انطلاقاً من ظروف تاريخية معينة، أو بسبب الانتماء إلى منظومة فكرية أخرى مغايرة، وهذا النوع من الانتهاك يأخذ صورة «الجدل» العقلي الذي يبقى غالباً حبيس النخب الثقافية، والعلماء والمفكرين، وكلما كانت الأسئلة المطروحة ووجهات النظر التي تتضمنها هذه الأسئلة تنتمي إلى نظرة متطرفة ومضادة فإنها ستكون مرشحة أكثر لتتحول إلى حدث ، لكنها في كل الأحوال لا تكتسب أهميّة استثنائية إلاّ بوجود ظرف تاريخي حاسم ، ونذكر على سبيل المثال كتاب «نقد الفكر الديني» للماركسي صادق جلال العظم الذي صدر في 1969م عقب نكسة حزيران الذي ناقش قضية الدين والتخلف وربطه بالقضية الفلسطينية في وقت كان فيه المد اليساري قد بلغ ذروته في العالم ، وكان النقاش على أوجه بين الحل الإسلامي والحل الاشتراكي ولولا ذلك الظرف لما كان الكتاب سيثير اهتماماً يذكر .
ويأخذ انتهاك المحرم والمقدسات صورة أخلاقية عندما يكون إساءة وإهانة وتحقيراً للمقدسات ، ويكفي التطرف في هذا الاعتداء ليصبح مساوياً للاعتداء على كرامة الذات الإنسانية نفسها، ولأن هذا النوع من الانتهاك للمحرم لا يتطلب وعياً خاصاً فإنه يصبح على تماس من إدراك الناس ووعيهم فالشتائم والإهانات لا تحتاج إلى عناء كبير لفهمها.
هذا النوع من الاعتداء على المقدسات هو غالباً ما يكون في الفنون و«الآداب» أعني عند القصاص والروائيين، وتحت هذا المستوى من الانتهاك كتب سلمان رشدي روايته آيات شيطانية التي بلغت ذروةً في الإساءة الأخلاقية لم تبلغها غيرها من الروايات التي سلكت نفس المسلك سواء كانت «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ ، أم «مشيت خطاً على الرمال» لهاني الراهب، أم «وليمة لأعشاب البحر» لحيدر حيدر، أم «المنصّة» لميشيل هويلبيك (الفرنسي)، أم «خارج الإيمان» لـ ف. ا. س نايبولي (الهندي).
في رواية رشدي التي «صادفت» قرب انهيار جدار برلين وبداية تدهور المنظومة الشيوعية والسوفيتية في بدء الحديث عن «المواجهة مع الإسلام» باعتباره العدو الوحيد، في هذه الرواية يستخدم رشدي أسماء زوجات الرسول عِاهرات في مكة، واسم «حجاب» لبيت دعارة، ووصف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أوصافاً ملؤها الإهانات، وجبريل وعدد من الصحابة، في خليط من الخيال والتاريخ الإسلامي والسيرة النبوية الشريفة. وقد أثارت وقتها ضجة كبرى دخلت فيها الأوساط السياسية والفكرية والأدبية، وثارت الجماهير الإسلامية غاضبةً من أقصى العالم الإسلامي الهند والباكستان وأندنوسيا وبنغلاديش، إلى الأقليات الإسلامية في الغرب، وصدرت وقتها فتوى الخميني المعروفة بقتله، وإذا كنا لسنا بصدد مناقشة قتله، فإن من المناسب القول هنا إنه بالرغم من أن الرواية تتعرض بالتشويه والعبث والإساءة والإهانة للمقدسات الإسلامية إلاّ أن بعض الأدباء والكتّاب في العالمين العربي والإسلامي كانوا يغالطون الجماهير المسلمة ببيانات تستنكر وتقول: «إن الفكر يجب أن يناقش بالفكر»! وأي فكر هذا الذي تتضمنه رواية أدبية تستخدم أقذع الألفاظ وأسوأها في نبي الإسلام وقراءته!.
في نهاية التسعينيات نشر الروائي السوري هاني الراهب روايته «مشيت خطاً على الرمال» منتقداً فيها الخليج العربي ومتوسلاً بالطريقة نفسها التي استعملها رشدي ، أي استخدام أسماء الصحابة والنبي وحتى الآيات القرآنية بطريق السخرية والاستهزاء على لسان شخصيات الرواية، وكان حلم «الراهب» ـ قبل أن يتوفى بالسرطان العام الفائت ـ أن يكون مثل سلمان رشدي، لكن ذلك لم يتحقق له.
وفي العام الماضي، ثارت قضية رواية «وليمة لأعشاب البحر» التي يتعرض فيها الروائي السوري حيدر حيدر بألفاظ بذيئة تصف القرآن والإسلام بإهانات بالغة الشدة، أغضبت الجماهير المسلمة في مصر، وفي أنحاء أخرى من العالم الإسلامي وصدرت الفتاوى بشأنها.
وقبل أحداث أيلول بشهر واحد نشر الفرنسي ميشيل هويلبيك الروائي الفرنسي روايته «المنصة» التي تتضمن سيرة شخصية لموظف في وزارة الثقافة، الذي يفقد والده «الذي لا يعني له شيئاً على الإطلاق» حسب تعبيره، ويبحث حالاً، فيقرر القيام برحلة سياحية ليمتع حواسه ويتلذذ، وفي سفره مع مجموعة سياحية، يتعرف على شخص عربي معه على السفينة، وهناك يحاول هولبيك أن يعلم نفسه الحقد والكره له، ويسرد في روايته سيلاً من الشتائم والأوصاف القذرة التي يلصقها بالمسلمين الذين يصفهم بـ «حقراء الصحراء»!.
أثارت رواية هويلبيك استهجان الأوساط الثقافية في العالم العربي والإسلامي وفي بعض الأوساط الثقافية الغربية وفي الأوساط المسلمة في أوروبا، لكن هويلبيك كان مسروراً لهذا الضجيج الذي أحدثه على حساب كرامة الآخرين!.
وبعد أحداث أيلول بأقل من شهر ينال ف. أ. س نايبول (الهندي الأصل) البريطاني الذي عرف في رواياته بكرهه الشديد للإسلام والمسلمين وتعتبر روايته «حتى نهاية الإيمان» التي صدرت عام 1998م الإعلان الأبرز لموقفه العدائي من العالم الإسلامي!!.
وصف نايبولي الإسلام بأنه أسوأ من الاستعمار، لأنه يلغي ذات الفرد (رواية خارج الإيمان: رحلات إسلامية بين الناس المعتنقين). وأن الإسلام من بين المشكلات الأسوأ التي يعاني منها العالم الثالث وأن الكارثة العظمى التي شوهت تاريخ الهند كانت دخول الإسلام إليها، ويختلف عن غيره من المؤلفين في أنه لم يقم بزيارة واحدة للعالم الإسلامي، بل بزيارتين لكي يتيقن من كرهه العميق لذلك الدين وأهله وأفكاره، بل إنه في بعض رواية يحاول أن يتعلم كيف «يحقد على المسلمين» أين كانوا.
هل منح نايبول لجائزة نوبل للآداب لهذا العام ليس سوى استمرار وانخراط في ذلك الهوس العدائي الغريب للإسلام؟ ويبدو أن الأمر أصبح كما يقول البروفيسور أدوارد سعيد: «إذ لا يمكن لأحد اليوم أن يؤلف كتاباً مشابهاً عن المسيحية أو اليهودية فإن الإسلام لا يزال يعتبر صيداً حلالاً» في منظور الغرب!!.
في كل الأحوال الإحساس بوضعية الأقليات المسلمة في الغرب كان يلعب دوراً أساسياً لدى هؤلاء جميعاً ففيما بدأ الإحساس بخطر الأقليات المسلمة المتزايدة بشكل غير محسوب، يتزايد شعور أبناء الأقليات المسلمة بالرفض والنبذ، وهكذا يضحي بانتمائهم لدينهم وثقافتهم قرباناً للغرب ، من أجل أن يحتضهم ويدمجهم فيه، إذا كان هذا صادقاً على سلمان رشدي، فإنه يصدق بطريقة قريبة بالنسبة لنايبيولي الذي ركب موجة العداء هذا ليغذيها ويدمج نفسه بالغرب . فيما يصدق ذلك أيضاً بالنسبة للغربيين من أمثال هويلبيك، حيث لعب على أوتار هذه القضية.

لكن إذا كان هذا شأن هؤلاء الذين يعيشون في الغرب، فما شأن العرب الذين يكتبون في بلادهم ما يمس الإسلام والثقافة الإسلامية بكثير من البذاءة والإهانة؟
هؤلاء أيضاً لديهم رغبة في الانتماء لهذا الغرب والإعلان عن هذا الانتماء في مواجهة أمة برمتها تشكل أكثر من ربع العالم!.
وإذا كان الغرب قد اختلف حول سلمان رشدي، فقدم عددا من أعضاء الأكاديمية السويدية المشرفة على جائزة نوبل استقالتهم عندما رفضت اللجنة عام 1989م أن تتعاطف مع رشدي ، فإن اللجنة نفسها كافأت نايبول وصفقت له طويلاً غير مكترثة بما يعنيه ذلك بالنسبة للمسلمين في أكثر الظروف حساسيةً، بل راكبةً موجة العداء والكراهية ذاتها!.

هل يمكننا بعد هذا أن نقرأ الأحداث خارج نظرية المؤامرة؟ بالطبع ذلك ممكن، ولكن أصبح علينا منذ الآن أن نفكر جدياً بكل رؤية تآمرية في قراءة الأحداث، وأن نتريث طويلاً قبل أن نردها.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة



تصويت

تربية الأبناء على أسس سليمة تكفل لهم حياة متزنة نفسيا وجسديا من أهم واجبات الآباء و الأمهات. بحسب ما تراه ماهي أبرز الأخطاء الشائعة التي تقع في تربية الأبناء؟

  • القسوة المفرطة.
  • التدليل الزائد.
  • الانشغال الدائم و عدم التواصل الكافي.
  • النزاع الدائم أمام الأطفال.
  • غير ذلك.