الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحملة المفخخة : خريطـة عالـم ما بعـد أفغانسـتان

813 0 406

جمرات عديدة تومض هنا وهناك، غير الجمرة الخبيثة التي لم تتحول إلى وباء بعد ، وهذه الجمرات لاح وميضها وما افضت إليه من حرائق في العديد من الامكنة خلال الأيام العشرة الأولى التي شهدتها الحملة العسكرية الأميركية ضدافغانستان فقد قتل مائتا نيجيري في اشتباكات دينية، وبالرغم من ان التوتر على هذا الصعيد ليس جديدا، الا انه كان بحاجة إلى جمرة توقظه،
وقتل ثلاثة من الفلسطينيين في مواجهة مع الشرطة بينهم طفل في الثالثة عشرة من عمره (عبد الله الافرنجي) بعد عام من التناغم بين الشارع الفلسطيني والسلطة الوطنية حتى بدا عام الانتفاضة الفائت، كما لو انه عام عسل بين الطرفين، وفي باكستان لم يهدأ الجمر بعد وقد يواصل الاشتعال، ويؤدي إلى مضاعفات غير محسوبة،
هذا اضافة إلى جمرات أخرى تشتعل وتخبو في العديد من البلدان العربية والإسلامية . وقد لا يكون تصنيف الجمر بين خبيث وطيب مناسبا في لحظات كهذه، لا تحتمل اي تصنيف حاسم، أو استرضائي، فالحراك الدولي في ذروته، والعرب والمسلمون جزء من هذا العالم المتحرك ، لكنهم يفترقون عن سواهم بانهم (الهدف)، لهذا فهم منهمكون في تبرئة انفسهم من ( التشدد والتطرف ) سواء حملت هذه الصفات مفهوم الإرهاب أو كانت على تخومه، والحرب التي لم تزل في فصلها الأول وعزفها المنفرد في سماء افغانستان، قد تتفرع وتتمدد فتطال مناطق أخرى، وهذا ما توحي به على الاقل تصريحات أميركية ترشح من هذه الجهة أو تلك . والعراق هو أول ما يتبادر إلى ذهن المراقبين ، لكثرة القرائن التي تومئ إليه.
وقد يكون القلق الناجم عن الصدمة قد فتر قليلا لكن الحيرة التي اعقبت ذلك القلق لا يستهان بها، وقد تكون المسؤولة عن هذا الصمت المشوب بالتوتر في الكثير من البؤر الدولية خصوصا في اشدها التهابا وهو الشرق الأوسط !.
وقد كان التلويح الانجلو/أميركي بالدولة الفلسطينية مهدئا أوليّا ، ما دام الثمن لانضمام العرب إلى التحالف حتى لو كان مشروطا، هو هذا الاعتراف بدولة طال انتظارها، وتعرضت إلى تحريم إسرائيلي كان مدعوما بالفيتوهات.
وليس من هدفنا في هذا المقام مناقشة وعد الدولة سواء كان صادرا عن بلير البريطاني أو بوش الأميركي فتلك مسألة ليست طارئة، بل لها «مسودات» سياسية ودبلوماسية، تضمنها على سبيل المثال خطاب كلينتون في فلسطين، وأوصت بها عدة مواقف وتصريحات .
الجديد الذي يستحق المناقشة في هذه المسألة هو مساحة الدولة، ومقوماتها، ونسبة المحرر من اراضيها، خصوصا وان الاستيطان يستأنف الآن بقوة فيماتستأنف الحكومة الإسرائيلية سياسة الاغتيال والتصفية الجسدية لكوادر فلسطينية من مختلف الفصائل.
وما صدر عن الولايات المتحدة ولندن بشأن الدولة الموعودة، جاء متزامنا مع اطروحة سياسية غربية تهدف إلى تليين وتطرية المواقف مع العرب والمسلمين ، بعد ان بثت وسائل الاعلام المصورة والمسموعة أنباء عن مضايقات ومطاردات يتعرض لها أميركيون من اصل عربي ، أو مسلمون لمجرد انهم يحملون اسماء تصنفهم دينيا وعرقيا.
ويبدو ان الشارع العربي ، كان حسب التصورات الأميركية بحاجة إلى تهدئة، فحاولت تقديمها عبر عدة اقراص ، وان كانت اقل بكثير من المضادات الحيوية اللازمة والمطلوبة لمقاومة الالتهاب الذي يحدثه الاحتلال في مفاصل فلسطين، وفي كل ما هو على قيد الحياة والمقاومة فيها،
وما يسهل رصده الآن، هو هذا الاشتباك العربي - العربي، على صعيد النخب والساسة، أما العسكريون فهم خارج هذا المدار السجالي لارتباطهم العضوي والوثيق بالقرارات السياسية للدول التي ينتسبون إليها.
صراع النخب العربيةواشتباكهاكماتعلنه الفضائيات والصحافة والصالونات السياسية ايضا، يقسم هؤلاء إلى ثلاث فئات على الأقل:
فئة تجازف بحرق آخر قارب على شاطئ المواجهة وترى بالحرب المعلنة ضد ما يسمى الإرهاب دفاعا عن العقلانية والاعتدال، والبعض يذهبون إلى ما هو ابعد ؛ بسبب خصوصيات محلية تبلغ حد الاستثنائية، فيرون بتدمير قلاع ومعاقل ما يسمى الإرهاب، ما هو اشبه ببوليصات تأمين ضد كل ما يهدد سلمهم الاهلي واستقرارهم الاجتماعي والسياسي،
وقد لا يكون خطاب هذه الفئة صريحا بحيث يعلن بالفعل احراق آخر القوارب، لكنه بمجمل ما يقوله ويستشهد به ويساجل حوله ينتهي إلى تلك الحصيلة!.
والفئة الثانية وسطية كالعادة تتذرع بالليبرالية والاعتدال لكي تمسك العصا من المنتصف ، فهي ضد ( الإرهاب )لكنها مع الاطفال والمدنيين الافغان، وهي مع الإسلام المشروط بالاعتدال . هذه الفئة تحاول اصطياد نسر وعصفور بخطاب واحد، النسر هو النظام السياسي، والعصفور هو الرأي العام المدني فاقد الحول والقوة، لكن استمرار الحرب ، وتصاعد وتيرتها، وتمدد اهدافها قد يبدد هذا الهامش فيكون المطلوب في لحظة حاسمة هو موقف حاسم.
والفئة الثالثة، لا تفرق بين إسلام وآخر ؛ بل تراه كلا متكاملا ، وما يبدو تشددا لدى طرف ما، هو اجتهاد يجب التعامل معه بمنهج نقدي لا يصل حد النبذ والتكفير والادانة

وقد لا تكون هذه الفئات الثلاث هي مجمل المشهد البانورامي لكنها على الاقل تمثل الظاهرات الثلاث التي تطفو على سطح الاعلام ، والفضائيات ، والمساجلات السياسية والثقافية،
وما ينبغي التنبيه إليه، هوان التعامل مع اللحظة الراهنة يسقط من حسابه العديد من الممكنات التي قد تتولى الايام القادمة تحقيقها - وعلى نحو انفجاري - فالمبررات التي طرحتها الولايات المتحدة لاقتحام افغانستان قد لا يضاف إليها سوى القليل كي يتم استخدامها في استهداف العراق، خصوصا بعد التلويح بان قوات برية لاحدى الدول المتاخمة للعراق والطامعة فيه قد يتم تسريبها داخل حدوده.

والسيناريوهات المبالغ فيها التي تبث الآن حول احتلال آبار النفط في الجنوب العراقي ، لتمويل المعارضة أو استباحة الشمال ، تغفل عدة حقائق ، منها :
== ان العراق رغم احواله الراهنة التي لا يحسد عليها ليس كعكة رخوة تمضي فيها السكين بلا مصدات ، فلكي يتم احداث تغييرات جذرية في العراق قد يكون الثمن باهظا، يضيف إلى ما يكابده الشعب العراقي من حصار وعذابات انسانية جرعة ثقيلة غير قابلة للامتصاص. أما الموقف العربي شبه الاجماعي على عدم السماح بتقسيم العراق، أو التفريط به فهو موقف لم يتعرض حتى الآن لامتحان جدي يقيس منسوب فاعليته وصدقيته واستراتيجيته ايضا، فالعالم العربي المبهظ بعدة ارتهانات دولية والذي يشمر عن سواعده للحيلولة دون وقوع انفجارات محلية في هذا الجزء أو ذاك ، قد يجد نفسه في لحظة حرجة، ولا يقوى على ترجمة أقواله ومواقفه النظرية المجردة إلى مواقف عملية وميدانية، ونحن لن نستبق الاحداث، لكن ترجيح بعض المواقف، ممكن الآن، ما دامت المقدمات والقرائن تعين المراقب على ذلك.
وما قد يطرأ في طريق الحملة أو بسببها داخل الولايات المتحدة أو في الدول المتحالفة معها ضد (الإرهاب) قد يقلب المائدة، فالجمرة الخبيثة لم تكن في الحسبان ، وهي تنذر بالتحول إلى ظاهرة وبائية، ما دامت قد بلغت الكونغرس ذاته، وهو من اعتى القلاع الأميركية.
ان حالة الهلع التي اقترنت بالجمرة والمساحيق التي تسببها، بدأت تتسع، وتهدد الجميع، هذا اضافة إلى ان أكثر من 78% من الأميركيين - حسب احصائية نشرتها النيوزويك -يتوقعون المزيد من اعمال الإرهاب في المدن الأميركية وناطحات السحاب فيها .
نعم، قد يكون من الاستباق الحديث عن تفاقم في الصراع على اختلاف مجالاته وحلباته في العالم، لكن الرائحة المنبعثة من هذا الكوكب لا تبشر بأي خير، فالسلام في خطر، سواء كان بين اعداء راديكاليين أو بين خصوم الايديولوجيا .
ومجمل ما آل إليه المشهد الدولي يدفع الناس إلى المزيد من التشاؤم، فالبؤر المتفجرة التي كانت على وشك ان تهدأ، عاودت التفجر بعنفوان اشد، وما كان هاجعا من الجمر في الرماد أومض حتى الاشتعال واحراق الاصابع. ان اضافة ما يسمى الانظمة الشمولية والدكتاتوريات إلى الإرهاب ، يفضي بشكل ميكانيكي إلى تحويل هذه النظم والدكتاتوريات إلى اهداف جديدة للحملة العسكرية التطهيرية. لكن :
الا ينطوي هذا المشروع على تناقض جوهري؟
وهل ستتحول الولايات المتحدة عبر هذا الاخضاع متعدد الصيغ إلى نظام كوني شمولي؟
الكرة الآن في الملعب الأميركي ، على الاقل من حيث اجادة استخدام الطواعية الدوليةوقبول معظم دول العالم بالانضواء تحت المظلة التي ترفعها واشنطن، فالافراط في أمركة العالم وعزل الحرب ضد ما تسميه أميركاالإرهاب عن شرعيتها الدولية بالمعنى الفعلي لا البروتوكولي سيؤدي - حتما - إلى عدة ممانعات، قد تبدأ من القشرة الرقيقة لبعض البلدان الاقل تماسكا، لكنها تقبل التفشي والتمدد حتى تشمل عدة قارات. ويبدو ان الاستراتيجية الأميركية التقليدية لاستخدام المعارضات ضد نظم معادية لم تتغير نوعيا، حتى لو طرأ عليها تبدل شكلي. فتمهيد الطريق إلى كابول وتعبيدها أمام المعارضة في الشمال هو موقف تقليدي في الاجندة العسكرية الأميركية،
ان الولايات المتحدة التي ضغطت لقبول تركيا في الحلف الاطلسي عام 1951 بموجب مادة استثنائية (الخامسة) اعلنت يومها ومن خلال البنتاغون انها إنما تهدف إلى خلق بديل تركي يفتدي نصف مليون جندي أميركي في حال المواجهة مع الاتحاد السوفييتي السابق.
والآن يجري احياء وتمديد صلاحية تلك المادة رغم ان الاعداء تبدلوا - وكذلك الحلفاء - فدخول قوات تركية في الشمال العراقي وتوغلها هو تجسيد حي لتلك المادة الاستثنائية التي بررت دخول تركيا إلى الحلف .
ومن قالوا ان الخرائط السياسية مهددة بالقضم واعادة الترسيم، لم يجانبوا الحقيقة، حتى لو اضافوا من خيالهم السياسي مبالغات تلبي رغائبهم، وتكرس الاسقاطات السياسية والنفسية التي تحركهم، فالعالم القادم الذي قال بريجنسكي في احد مقالاته انه سيبقى أميركيا لثلاثة عقود على الاقل لم يعد طيعا بهذا القدر، وادت احداث سبتمبر الماضي إلى التشكيك بعدة توقعات ونبوءات سادت في اواخرالقرن العشرين

ان مجرى التاريخ ليس مستقيما أو محررامن الكمائن والافخاخ بحيث يستجيب لنظريات واستراتيجيات نرجسية لم تقم وزنا للآخر ورأت فيه مجرد صدى لصوتها، أو ضاحية من ضواحي امبراطوريتها. واذا كان الاسبوعان الأولان منذ بدء الحرب الجديدة قد شهدا تفجرات وتناقضات في العديد من الساحات، ومنها باكستان وفلسطين ونيجيرياوسواها، فان الاسابيع القادمة تخفي ما هو أعظم، مما يضاعف من الهلع، ويجعل السؤال الأميركي المؤجل عن سبب كراهية العالم لواشنطن عاجلا، ومطروحا بقوة عبر استطلاعات للرأي العام، لا تتردد المنابر في نشرها!.
واذا كان هناك ما يمكن تجنبه، رغم ان الحرب قد اندلعت، فهو اقلاع الولايات المتحدة عن مفهوم خاطئ ، يفسر كراهية العالم لها باعتبارها الغنية والقوية التي ينفر منها الفقراء والضعفاء أو انها (المحسود) الذي يترقب الحاسدون انهياره بشماتة.
ان شيئا من النقد الذاتي قد يعين الولايات المتحدة على المزيد من فهم نفسها والعالم خارجها ايضا، فهي اذ تدخل هذه الحقبة المأساوية من تاريخها الذي بدا معصوما طوال عقود عليها ان تعترف بشرطها الأرضي، وقابليتها للتأثر بما يحدث في هذا العالم، بمعزل عن عواطف الحب والكراهية، فالشعوب لا تكره وتحب كما يفعل الافراد، ان لها حسابات وطنية وقومية تتجاوز العواطف إلى المصالح التاريخية!.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة



تصويت

تربية الأبناء على أسس سليمة تكفل لهم حياة متزنة نفسيا وجسديا من أهم واجبات الآباء و الأمهات. بحسب ما تراه ماهي أبرز الأخطاء الشائعة التي تقع في تربية الأبناء؟

  • القسوة المفرطة.
  • التدليل الزائد.
  • الانشغال الدائم و عدم التواصل الكافي.
  • النزاع الدائم أمام الأطفال.
  • غير ذلك.