الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأدب مع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم

الأدب مع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم

الأدب مع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم

لا يُتصور ممن يدعي حب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا أن تنطلق جوارحه بطاعته واتباعه ، فليس حبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ مجرد كلمات مدائح خالية من الاتباع والعمل ، بل باتباعه فيما أمر به ، والتأدب مع أقواله وأحاديثه ، واتخاذه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قدوة في الظاهر والباطن ، والعبادات والأخلاق ، قال الله تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }(الأحزاب: من الآية21)، وقال : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }(آل عمران:31) ..

كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ أعظم وأجَّل في نفوس الصحابة من أن يلغوا إذا تحدث ، أو ينشغلوا عنه إذا تكلم ، أو يرفعوا أصواتهم بحضرته ، وإنما كانوا يلقون إليه أسماعهم ، ويحضرون عقولهم وقلوبهم ، ويحفزون ذاكرتهم ، فعن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ في وصف حال أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ عند سماع قوله وحديثه - صلى الله عليه وسلم ـ قال : ( وإذا تكلم أطرق جلساؤه ، كأنما على رؤوسهم الطير ، فإذا سكت تكلموا )(الترمذي) ..
وفي ذلك دلالة على السكون التام ، والإنصات الكامل من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ هيبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وتعظيما له ، وإجلالا لحديثه ..

ومع كمال هيبة الصحابة للرسول - صلى الله عليه وسلم - وشدة تعظيمهم له ، لم يكونوا يترددون في مراجعته - صلى الله عليه وسلم - لاستيضاح ما أُشْكِل عليهم فهمه ، حتى يسهل حفظه بعد ذلك والعمل به ، ومن ذلك حديث حفصة ـ رضي الله عنها ـ قالت : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إني لأرجو ألا يدخل النار أحد إن شاء الله ممن شهد بدرا والحديبية ) ، قالت : قلت يا رسول الله، أليس قد قال الله : { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً }(مريم:71) ، قال : ( ألم تسمعيه يقول : { ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً } (مريم:72))(ابن ماجه)..

وكانت أسئلة الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقصد العلم والعمل ، لا الشهرة والجدال ، لِما علموا من كراهة النبي - صلى الله عليه وسلم - للمسائل التي لا يُحتاج إليها ، ولما سمعوا من تحذيره من كثرة السؤال .. فعن الزهري عن سهل بن سعد قال : " كَرِه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المسائل وعابها " .
قال النووي : " .. المراد : كراهة المسائل التي لا يُحْتاج إليها ، لاسيما ما كان فيه هتك ستر مسلم ، أو إشاعة فاحشة أو شناعة على مسلم أو مسلمة .. قال العلماء: أما إذا كانت المسائل مما يحتاج إليه في أمور الدين ـ وقد وقع ـ فلا كراهة فيها " ..

وقد التزم الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ بترك السؤال عما سكت عنه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فلم يتكلفوا السؤال عما سكت عنه حتى لا يؤدي السؤال عن ذلك إلى إيجاب ما لم يوجبه الشرع ، أو تحريم ما لم يحرمه ، فيكون السؤال قد أفضى إلى التضييق على المسلمين ، كما قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ }(المائدة : من الآية101) .. وحذر الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مثل ذلك ، فعن سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن أعظم المسلمين جُرْما(ذنبا) من سأل عن شيء لم يُحَّرَّم، فحُرِّم من أجل مسألته )(البخاري) .

وكان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ إذا سمعوا شيئا من النبي - صلى الله عليه وسلم - وحملوا عنه علما ، جلسوا فتذاكروه فيما بينهم ، تأكيدا لحفظه ، وتقوية لاستيعابه وضبطه والعمل به .. وقد بقى مبدأ المذاكرة قائما بين الصحابة حتى بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - ، فعن علي بن الحكم عن أبي نضرة قال : " كان أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا اجتمعوا تذاكروا العلم .." ..

ومن الأدب مع قوله وحديثه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما يقول ابن القيم : " أن لا يُسْتشكل قوله ، بل تستشكل الآراء لقوله ، ولا يعارض نصه بقياس ، بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه ، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولا ، ولا يوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد " ..

وكذلك من الأدب مع أحاديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ معرفة قدرها ، والعمل بها ، وعدم تقديم قول أحد عليها ، فقد قال الله ـ عز وجل ـ عن كلامه وحديثه ـ صلى الله عليه وسلم : { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى }(النجم 3 : 4) .. ومن ثم كان أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ إذا أراد أن يحدث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " هلموا إلى ميراث نبيكم " ..

وقال مالك : " جاء رجل إلى ابن المسيب فسأله عن حديث وهو مضطجع فجلس وحدثه ، فقال له الرجل : وددت أنك لم تتعن ، فقال : إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنا مضطجع " ..
وقال مصعب بن عبد الله : كان مالك بن أنس إذا حدث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ توضأ وتهيأ ولبس ثيابه ثم يحدث .. قال مصعب : فسُئِل عن ذلك فقال : إنه حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ..

وذكرالسيوطي عن الشافعي أنه روى يوما حديثا وقال إنه صحيح ، فقال له قائل : أتقول به يا أبا عبد الله ؟ ، فاضطرب وقال : " يا هذا أرأيتني نصرانيا ؟ ، أرأيتني خارجا من كنيسة ؟ ، أرأيت في وسطي زنارا ؟ ، أرْوِي حديثا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا أقول به !"..

ومن أقوال الإمام الشافعي في الأدب مع حديث وسنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أجمع المسلمون على أنه من استبان له سنة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يحل لأحد أن يدعها لقول أحد ". وقال : " إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقولوا بقول رسول الله ، وهو قولي " .. وقال : " إذا صح الحديث فهو مذهبي " ، " كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم عند أهل النقل بخلاف ما قلت ، فأنا راجع عنه في حياتي وبعد موتي " .

ومن أقوال الإمام أحمد بن حنبل في ذلك : " لا تقلدني ، ولا تقلد مالكا ، ولا الشافعي ، ولا الأوزاعي ، ولا الثوري ، وخذ من حيث أخذوا " .
وقال : " من رد حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فهو على شفا هلكة " .

هكذا كان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وسلف وعلماء الأمة يتأدبون مع أحاديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حياته وبعد وفاته ، ولا يقدمون قول أحد على قوله إن ثبت وصح عنه ، وهذا من تمام حبه والأدب معه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ..
قال ابن القيم : " ومن الأدب مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أن لا يُتقدم بين يديه بأمر ولا نهي ، ولا إذن ولا تصرف حتى يأمر هو وينهى ويأذن ، كما قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } (الحجرات:1) ، وهذا باق إلى يوم القيامة ولم يُنْسَخ ، فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته ، ولا فرق بينهما عند ذي عقل سليم .." ..

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة