الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الجمع بين حديث: (ففيهما فجاهد) وحديث: (وإذا استنفرتم فانفروا)

الجمع بين حديث: (ففيهما فجاهد) وحديث: (وإذا استنفرتم فانفروا)

الجمع بين حديث: (ففيهما فجاهد) وحديث: (وإذا استنفرتم فانفروا)

قد يكون الجهاد فرضاً على الكفاية وقد يكون على التعيين حسب الظروف والأحوال، وفي السنة ما يدل على اشتراط إذن الوالدين للخروج للجهاد، بل وجواز التخلف عن الغزو؛ قياماً بحقهما، وبالمقابل في السنة ما يدل على لزوم النفرة للجهاد مطلقاً، والنهي عن التخلف عن الغزو، فما وجه التوفيق بين هذه النصوص؟

بوَّب الإمام البخاري في "صحيحه" فقال: "باب: لا يجاهد إلا بإذن الأبوين" وروى حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: جاء رجل للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: أجاهد، قال: (لك أبوان)؟ قال: نعم قال: (ففيهما فجاهد).

وفي رواية مسلم: "أبايعك على الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله تعالى، فقال له: (فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما). ولا شك أن هذا الحديث يتعارض مع النصوص الآمرة بالجهاد والنفير من غير تقييد بإذن الوالدين، كحديث ابن عباس عند البخاري، ففيه: (وإذا استنفرتم فانفروا) فحمل العلماء ذلك على الحال الذي يكون الجهاد فيه غير متعين، ووقعت الكفاية بغيره.

قال ابن المنذر: النهى عن الخروج بغير إذن الأبوين ما لم يقع النفير، فإذا وقع وجب الخروج على الجميع، وذلك بين فى حديث أبى قتادة في "مسند" الإمام أحمد: (أن رسول الله بعث جيش الأمراء، فذكر وصية زيد بن حارثه، وجعفر بن أبى طالب، وابن رواحة، أن منادى رسول الله نادى بعد ذلك: إن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: (أيها الناس! اخرجوا، فأمدوا إخوانكم، ولا يتخلفن أحد). فخرج الناس مشاة وركاباً فى حر شديد) فدل قوله: (اخرجوا، فأمدوا إخوانكم) أن العذر فى التخلف عن الجهاد هو ما لم يقع النفر (وهو الاستنفار العام إذا دعا الإمام لذلك) بدليل قوله: (وإذا استنفرتم فانفروا).

قال الإمام البربهاري في شرح السنة: "هذا في جهاد التطوع، لا يخرج إلا بإذن الوالدين، إذا كانا مسلمين، فإن كان الجهاد فرضاً متعيناً فلا حاجة إلى إذنهما، وإن منعاه عصاهما وخرج". وقال النووي: "هذا كله إذا لم يحضر الصف ويتعين القتال، وإلا فحينئذ يجوز بغير إذن". وللقرطبي رحمه الله كلام يطبق فيه هذا الكلام على واقع عصره، وأن حديث اشتراط إذن الوالدين إنما يكون في جهاد التطوع، ولا يكون في حال تعين الجهاد ولزومه "وذلك في وقت استيلاء العدو، وغلبته على المسلمين؛ كحال هذا الزمان، فلا يخفى على من له أدنى بصيرة أن الجهاد اليوم أوكد الواجبات، وأفضل الأعمال؛ لما أصاب المسلمين من قهر الأعداء ، وكثرة الاستيلاء، شرقاً وغرباً.

فإذا كان القرطبي -رحمه الله- يحكم بتعين الجهاد في عصره في القرن السابع فماذا نقول نحن في هذا الزمن، الذي تمكن العدو فيه من بلدان المسلمين وصارت حرمات المسلمين مهدورة في كثير من الأقطار والأمصار، فالقول بترك الجهاد انشغالاً بحق الوالدين أو انتظار إذنهما تفريط عظيم.

وبهذه النقول عن أهل العلم يتبين أن هذا الحديث لا يعارض النصوص الأخرى الموجبة للنفير والخروج في سبيل الله، فيعمل به في حال كون الجهاد من باب التطوع، أو من باب فرض الكفاية، الذي يسقط بغيره.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة