الوضع لا يطمئن

3893 0 337

قرأت لأحد الأعيان هذه التغريدة "الوضع ما يطمن".. كذا وبدون توضيح، وبعد محاولات لفكّ رموز التغريدة من خلال تتبع السياق والتعليقات، تبيّن أنه يقصد مباراة لكرة قدم!!

لن أنزع الحدث من سياقه وأنتقده، فهذه ليست طريقة أهل الإنصاف؛ بل سأجعله في سياقه وأعلق عليه.

إن العبادة ـ وهي عبادة ـ إذا غالى فيها المتعبد وتعدّى فيها حدود الشرع، صارت أمراً مبتدعاً لا يقرّه كتاب ولا سنّة، فما بال بعض الناس غالى في لعبة كرة القدم، متابعةً وتشجيعاً، وتحليلا، وتهنئة، وتعزية حتى استنزفت العقول إلى درك سحيق من الغثائية!!

وسوم تصل إلى العالمية، وسقف الاهتمام في الخليج وبلاد العرب والمسلمين "مباراة لكرة القدم". والقضايا الأكبر والأهم منسية ومهملة!!

وليت هذا الاهتمام يبدأ مع المباراة وينتهي معها، بل يسبقها ويلحقها، كالسلسلة المتعاقبة، وكالحالّ المرتحل، وموالاة ومعاداة، وانتصارات وهمية، وقدوات زائفة، وهجوم ودفاع، بل وخصومات تشتعل بها البيوت، والمجالس، والمجموعات، ووسائل التواصل.. فضلا عمن خلعت الحياء، وصارت عاشقة لذاك اللاعب أو جامعة لصوره، وما أكثرهن في بيوت المسلمين!!

كبار في السن تحمّر أعينهم بسبب حكم المباراة وأنه أضاع ضربة جزاء على فريقهم
وإلى ديان يوم الحشر نمضي .. .. وعند الله تجتمع الخصوم!!

وآخرون ينقلبون وحوشاً على أهليهم وأطفالهم وأعمالهم بسبب خسارة الفريق المظفّر لإحدى جولاته ومعاركه!!!
فوا أسفاه على تلك الرؤوس!!
وأتعب من ناداك من لا تجيبه .. .. وأغيظ من عاداك من لا تشاكل

هذا كله في جانب والجانب المظلم المقابل له هو التعصب وسيل الشتائم، واللعائن، لذلك اللاعب والحكم، والمدرب، والمحلل، والمقدم، ويتعدّى اللعن إلى لعن الأباء والأمهات!!

أذكر مرة حين كنت في أحد مطاعم مانشستر العربية، وصادف ذلك مباراة شهيرة لفرق عالمية.. صبرت أول الأمر، لكن لم أستطع، لقد أصبح الشباب في حالة من هيستيريا العفن اللفظي على أي كرة تُلعب، أو فرصة تضيع، وحين أنكر عليهم بلطف وأبين لهم بأن يعطوا الموضوع حجمه، يعتذرون، لكن سرعان ما يعودون لما نهو عنه!! وكأنهم تطبعوا بذلك، والله المستعان
ومن البلية عذل من لا يرعوي .. .. عن غيّه وخطاب من لا يفهم

لقد فعلت كرة القدم ما فعلته الخمر برؤوس السكارى، وانظروا إلى الدموع الساخنة، والصدور المكتنزة بالزفرات بسبب الركلات، وإلى آخر يصرخ بحرقة "إلى متى"؟
إلى متى والفريق يذوق أصناف الذل والهوان والمحسوبية الظالمة!! إلى متى وأبطال الفريق يتعرضون للظلم التحكيمي وللإصابات الرياضية!!
بل والله (إلى متى) تهدر العقول والجهود والأوقات، وتراق الأموال بين الأرجل، وتستنزف الأحلام والأخلاق على لعبة!!
وإلى متى تصنع القدوات الوهمية!! وإلى متى يتصدر المشهد عوير وكسير وثالث ما فيه خير!!
أمور يضحك السفهاء منها .. .. ويبكي من عواقبها اللبيبُ

وتجد لهؤلاء كلّ هذه الحماسة والجَلَد والحُرْقَة والتآزر في كرة القدم، ومع هذا تراهم في مآسي المسلمين وقضاياهم المصيرية وكأن الأمر لا يعنيهم!! أليس هذا مرض!! أليس هذا اختلال في الموازين؟!
لماذا حين أصفه وأمثالي لكم نُتَّهم بالتشدد والتنطع!! أليست المواساة من الإيمان، ومن لم يهتم بأمر المسلمين ليس منهم!!
إضرب برجلك كي تحـوز قبولا .. .. وتكون في هذا الزمــان جـليلا
هذا زمان الرِجْلِ لا زمن الحجا .. .. ذبلت زهور ذوي العقول ذبولا
فلأنت من قوم تسوَّد فيهم .. .. اللاعبون رياضة والضاربون طبولا

أمةٌ مهزومة حتى حينما تلعب تُهزم، حتى في التصنيف العالمي بعيدة عن الصدارة؛ ومع هذا يفرحون بأيّ انتصار، وبأي تأهل، ويكتبون الأشعار والمعلقات، ويعقدون الندوات والبرامج؛ تسطيرا للملاحم الكروية، وتخليدا للأمجاد التليدة، ويحتفلون ويبذّرون الأموال في مشهد ليس من المعروف قطعا.

ولو أُنفقَ على البحوث العلمية عشر معشار الجهد والمال، والإعلام، والوقت الذي يُنفق على هذا السفه الكروي؛ لكان الحال غير الحال.
أهلكتَ مال الله في غير حقِّــــه .. .. على نهركِ المشؤوم غير المباركِ

أنا لا أطالب بالمثالية المستحيلة، ولا أن ينكفئ الناس على المحاريب تعبدا وتألهاً؛ ولا أن ينسوا نصيبهم من الدنيا؛ بل عليهم أن لا ينسوا نصيبهم من الآخرة، وأن يضعوا الأمور في جحمها وسياقها؛ لتستقيم الذائقة؛ ويُكف الأذى؛ وتكون الرياضة تربية للعقل قبل الجسم؛ لكن من يتابع الإعلام الرياضي ـ سيما الكروي منه، وما تفرزه وسائل التواصل الاجتماعي ـ حُقَّ له أن يقول: "بصراحة الوضع ما يطمن"، لأنه أصبح مقرفاً قبيحاً؛ وهكذا نهايات الغلوّ ولو في لعبة!!
لعل عتبك محمود عواقبــه .. .. فربما صحّت الأجساد بالعلل
 

مواد ذات الصله



تصويت

رمضان مدرسة يتعلم فيها المسلم الكثير من المعاني والقيم ، ما هو بنظرك أهم قيمة نتعلمها في مدرسة رمضان؟

  • الإخلاص والصدق والأمانة
  • المواساة وحب العطاء
  • قيادة الذات
  • الوحدة و المساواة
  • غير ذلك