الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مفهوم الشخصية الاعتبارية وعقيدتها

مفهوم الشخصية الاعتبارية وعقيدتها
2613 0 50

تعد الشخصية الاعتبارية الفاعل الأكبر في مختلف نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في هذا العصر، حيث تمثل أكبر الأوعية المالية، كالدول الوطنية، والشركات التي تتحكم في الاقتصاد على المستويين المحلي والدولي، والتي تؤول في نهايتها إلى ملكية الأشخاص الطبيعيين، المكلفين بالتكاليف الشرعية، بل يتوارثها الأبناء والأحفاد جيلا بعد جيل؛ لأنها تعمر عادة أكثر من عمر الإنسان الطبيعي.
لذلك فقد أصبح الحديث عن الشخصية الاعتبارية ضرورة ثقافية بالإضافة إلى ضرورتها العلمية والعملية، لأن الشخصية الاعتبارية في زماننا هي المهيمنة على الحياة في مختلف مجالاتها، السياسة والاقتصادية والاجتماعية وحتى الرياضية والترفيهية، بل لا نبالغ لو قلنا إن عالم اليوم هو ملك لعدد من كبريات الشخصيات الاعتبارية، حيث أصبح جل الأشخاص الطبيعيين مجرد عمالاً أجراء عند تلك الشخصيات الاعتبارية التي تعود ملكيتها النهائية لعدد معين من الأشخاص الطبيعيين.
وإن كان لعلم القانون السبق في تأصيل نظرية الشخصية الاعتبارية، وبيان خصائصها ... إلخ؛ إلا أن للفقه الإسلامي السبق في تأصيل وجود الشخصية الاعتبارية ابتداء، فقد أسست كيانات مستقلة لمجموعة الأموال كبيت المال، وبيت الزكاة، والوقف.

 

مفهوم الشخصية الاعتبارية
بعد النظر في معاجم اللغة وتعاريف أهل القانون يمكننا القول إن الشخصية الاعتبارية هي: (مجموعة من الأشخاص أو مجموعة من الأموال يستهدف بها تحقيق غرض معين، ويعترف القانون لها بالشخصية القانونية، وبالتالي تصبح قابلة لأن تثبت لها الحقوق وتجب عليها الواجبات، وينظر إليها مجردا عن الأشخاص المؤسسين لها أو الأموال المكونة لها)، وللشخص الاعتباري جميع الخصائص والحقوق التي يتميز بها الشخص الطبيعي إلا ما كان منها ملازما لصفة الإنسان الطبيعية، وذلك في الحدود التي قررها القانون، فله اسمه الخاص، ويتمتع بالأهلية في الحدود التي يعينها سند إنشائه أو التي يقررها القانون، وله حق التقاضي, وموطن مستقل، وجنسية، ويكون له من يمثله في التعبير عن إرادته.
وتنقضي الشخصية القانونية للشخص الاعتباري إذا انقضى الأجل المحدد في سند إنشائه، أو إذا تحقق الغرض الذي تأسس من أجله، أو إذا استحال تحقيق الغرض الذي تأسس من أجله، أو إذا لم يباشر نشاطه ضمن مدة محددة في القانون بعد إنشائه، أو إذا تم حله بإرادة الأشخاص المكونين له، أو إذا صدر حكم قضائي بحله.

التأصيل الشرعي لعقيدة الشخصية الاعتبارية في الإسلام
فطر الله الإنسان خلقة على الألفة الاجتماعية؛ فهو يحب العيش في جماعة، كما يقال إن الإنسان بطبعه اجتماعي، ودين الإسلام هو دين الفطرة، التي فطر الله الناس عليها، لذلك تميزت رسالة الإسلام بعدد من الخصائص التي تميزت بها عن بقية الأديان.
ومن تلك الخصائص، خصيصة الشمول؛ والتي ذكرها الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه (الخصائص العامة في الإسلام)، ومن معاني الشمول في الإسلام أنه لا يدع جانبا من جوانب الحياة الإنسانية إلا كان له فيه موقف، قد يتمثل في الإقرار والتأييد، أو في التصحيح والتعديل، أو في الإتمام والتكميل، أو في التغيير والتبديل، وقد يتدخل بالإرشاد والتوجيه، أو بالتشريع والتقنين، وقد يسلك سبيل الموعظة الحسنة، ويتجلى كمال الإسلام بتلازم وشمول عقيدته وشريعته وأخلاقه، كتجلي وحدة الجسد المتكون من الفؤاد والعقل والجوارح.
فالعقيدة بمثابة القلب وبصيرته، والشريعة بمثابة العقل وحكمته، والأخلاق بمثابة الجوارح وعملها؛ إذ العقيدة هي الإيمانيات والمعتقدات، وهذه اتفق عليها كل الرسل، فما من نبي إلا وقد قال لقومه (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) ومع العقائد كانت الشرائع التي تنظم حياة الناس فتحل لهم ما يحله الله، وتحرم عليهم ما حرمه، وتأمرهم بما يحب الله، وتنهاهم عما يبغضه.

نشأة الشخصيات الاعتبارية العقدية
تنشأ الشخصية الاعتبارية العقدية الربانية ابتداء بنداء رباني، فقد بعث الله للناس رسلاً مبشرين ومنذرين، برسالات سماوية تخاطب البشرية كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون) (سورة البقرة: 21)، أو تخاطب قوماً بعينهم، كقوله تعالى: ( وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ) (سورة هود: 84)، وحي يوحي به الله إلى رسله، ودعوة الناس عامة، أو أقوام خاصة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى.
فالمؤمنون برسالة الله، هم نواة الشخصية الاعتبارية العقدية الجديدة المؤمنة بدين الله المنزل، عندها يخاطبهم الله بالتكاليف الربانية بصفتهم العقدية الإيمانية، كقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (سورة البقرة:183)، فعندما خاطبهم الله بمسمى (الإيمان) الذي ميزهم عن بقية الناس كان هذا بمثابة القانون الرباني بالاعتراف بالشخصية الاعتبارية العقدية للدين المنزل، هذه الشخصية التي أصبحت الأخوة في الدين هي رابطها الأول بين أفرادها كأشخاص طبيعيين، لذلك فشخصيتهم العقدية تعتبر صناعة ربانية، حيث تنشأ للمؤمنين شخصيتهم الاعتبارية الخاصة بنداء رباني، يميز شخصيتهم الاعتبارية عن بقية الناس.
وقد تخرج الشخصية الاعتبارية العقدية الربانية إلى الوجود من بطن شخصية اعتبارية عقدية مشركة، عندما يبعث الله الرسل إلى كيانات عقدية كبرى، كما بعث الله سيدنا موسى وسيدنا هارون إلى فرعون وقومه، قال تعالى مخاطباً سيدنا موسى وأخاه هارون عليهما السلام: (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ * قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ *وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ)(سورة طه: 47)، ففي قوله تعالى: (فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) دلالة واضحة إلى الدعوة إلى إخراج بني إسرائيل من سطوة الشخصية الاعتبارية لدولة فرعون، لتنشأ شخصية اعتبارية عقدية جديدة للمؤمنين بدعوة موسى عليه السلام.
فبعد أن تنشأ الشخصية العقدية النشأة الربانية (الشرعية) تدخل في صراع شديد مع الشخصيات الاعتبارية السابقة لها والتي قد نالت الاعتراف القانوني – حسب القوانين العرفية التي تتعارف عليها البشرية في كل زمان ومكان – فالعادة أن لا تقبل أي شخصية عقدية – خاصة الشخصيات العقدية الشركية – بأي شخصية عقدية جديدة، فالصراع الذي حدث بين من آمنوا بسيدنا موسى وبين فرعون وقومه خير مثال، وكذلك ما حدث بين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وكفار قريش من حروب حتى نصر الله المسلمين على كفار قريش، إلى أن وصلوا إلى صلح الحديبية الذي يعتبر النصر القانوني للشخصية الاعتبارية لدولة المسلمين الأولى.

بعد ذلك تجسدت الشخصية الاعتبارية العقدية للدولة الإسلامية عملياً في أول دستور لها (صحيفة المدينة)، على أسس بناء الشخصية الاعتبارية العقدية التي نظمت العلاقة بين المسلمين أولاً، وبين المسلمين وغيرهم من ساكني المدينة من اليهود وغيرهم ثانياً.
هذه الشخصية الاعتبارية التي تمثل أمة الإسلام، بنيت عليها أحكامُ شرعية، منها على سبيل المثال: قول النبي صلى الله عليه وسلم:"المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم "
فاعتبر النبي صلى الله عليه وسلم، ما يعطيه أحد من المسلمين للمحارب طالب الأمان من ذمة وتأمين، سارياً على جماعتهم وملزماً لهم كما لو صدر منهم جميعاً، فقال الفقهاء لا يجوز بعد ذلك قتل من أعطي الأمان ولا قتاله بحجة أن معطي الأمان ليس صاحب سلطان، وإن كان للإمام إذا رأى أن إعطاء الأمان ليس في مصلحة المسلمين السياسية أن ينقضه بعد إنذاره، ويؤدب معطيه.

بعد توضيح مفهوم الشخصية الاعتبارية وكيفية نشأتها، وإثبات وجود التلازم بين العقيدة والشريعة في الإسلام، وبيان شمول رسالة الإسلام التي احتوت كل مجالات الحياة، وكل ميادين النشاط البشري، فقد تبلور لدينا مفهوم عقيدة الشخصية الاعتبارية والتي يمكننا أن نرتب عليها حقوق وواجبات مادية ومعنوية تمس حياة الناس، فلا يعقل أن يترك هذا الموضوع دون هداية تشريعية تستنبط من خلال شريعة الإسلام الخاتمة.
فقد أصبح واقع الحال يثبت التكاليف الشرعية للشخصيات الاعتبارية المسلمة في شتى مناحي الأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ففي المجال السياسي، نصت معظم دساتير الدول المسلمة على أن دينها هو الإسلام، وأن الشريعة الإسلامية هي مصدر تشريعاتها، فالأساس الأول من الأسس التي قام عليها دستور دولة قطر- مثلاً- نص على ما يلي: إن الإسلام هو دين الدولة وعقيدتها، وهو المكون الأساسي لحضارتها، والمصدر الخصب الذي لا ينضب على مر العصور لتشريعاتها وقوانينها، (الدستور الدائم لدولة قطر: ص44)، وفي المجال الاقتصادي وجدت المصارف الإسلامية، والشركات التجارية الملتزمة بأحكام الشريعة، وكذلك في المجال الاجتماعي تشكلت المؤسسات والجمعيات الخيرية التي أصبحت الجهاز المنظم للربط بين أغنياء الأمة وفقرائها.

بعد تشخيص واقع الشخصيات الاعتبارية المسلمة، وخاصة ما ألزمت به من واجبات شرعية، من خلال فتاوى المجامع الفقهية، كحرمة الربا، ووجوب الزكاة، وغيرها من التكاليف الشرعية، التي لا تجب إلا على الشخصية الاعتبارية المسلمة التي لا تنفك شريعتها عن عقيدتها، يمكننا استخلاص تعريف عقيدة الشخصية الاعتبارية كما يلي: "تنبثق عقيدة الشخصية الاعتبارية من عقيدة وإرادة أصحابها الطبيعيين، باعتبار وجودها وفق تشريعاتهم الملازمة لعقيدتهم"
- فقولنا: (تنبثق) أي تظهر، والانبثاق يكون من داخل الشيء نفسه، وليس من خارجه، فانبثاق عقيدة الشخصية الاعتبارية من عقيدة أصحابها؛ لأن وجود الشخصية الاعتبارية هو نتيجة التصرفات العملية للأشخاص الطبيعيين، أي أنها تندرج -حتما- تحت فقه المعاملات بالنسبة للمسلمين، واختيار مصطلح (الانبثاق) ليكون معبراً عن مصدر تلك العقيدة، أي أن الشخصية الاعتبارية وليدة عمل الأشخاص أو الشخص الطبيعي المسلم، وعمل الشخص الطبيعي المسلم محكوم بالشريعة المفصلة في فقه المعاملات، وبما أن التلازم لا ينفك بين عقيدة المسلم وشريعته، فالشريعة الإسلامية - فقه المعاملات- التي تعطي الشرعية لوجود الشخصية الاعتبارية تلزم اصطحاب العقيدة الإسلامية لتلك الشخصية - التي تعود ملكيتها للشخص الطبيعي المسلم - نظراً لحتمية تلازم العقيدة والشريعة في الإسلام.
فمن الأدلة على انبثاق وتبعية عقيدة الشخصية الاعتبارية لعقيدة أصحابها الطبيعيين ما ورد من أحاديث نبوية تهول من عظم تولي المناصب العامة، تلك المناصب التي تمثل الشخصية الاعتبارية للأمة أو لإحدى الشخصيات الاعتبارية التابعة لها؛ كالولايات والنواحي والأوقاف وغيرها - منها قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر رسالة دكتوراه" الصندوق العالمي للزكاة، أسسه العقدية وآثاره الاقتصادية" جامعة محمد الخامس الرباط 2018م

مواد ذات الصله



تصويت

التيسير معلم من معالم الشريعة ومقصد من مقاصد الإسلام "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" وما خُيّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما. ترى ما السبب في ميل بعض الناس إلى التشدد والغلو؟

  • الجهل
  • تلبيس الشيطان
  • طبائع شخصية ونفسية
  • كل ما سبق

الأكثر مشاهدة اليوم

اقرأ في إسلام ويب

الإعجاز المقاصدي في مصطلحات تشريعات الزكاة وأثره في حفظ كرامة الفقراء

تأتي فريضة الزكاة لتمثل التطبيق العملي (المالي) المترجم للإيمان القلبي بالألفة التي هدى الله بها أمة المسلمين،...المزيد