الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أثر المقاصد في دفع التعارض بين الأحاديث

أثر المقاصد في دفع التعارض بين الأحاديث
491 0 20


من وظائف المقاصد الشرعية توجيه دلالات النصوص، وقد تقدم بيان ذلك مستقلا، وبهذا المقال نوضح وظيفة أخرى للمقاصد وهي دفع التعارض بين النصوص النبوية، فقد يلوح في ذهن المجتهد تعارض ظاهري بين النصوص، فيعمل على الجمع بينها، مستصحبا معه تحقيق المصالح المقصودة للشارع، فيعينه ذلك على حمل النصوص المتعارضة على وجه تأتلف فيه المعاني ولا تتعارض مع المصالح المقصودة للشرع.

ومن أمثلة ذلك: ما روى مسلم في صحيحه عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحد الرجلين: يا رسول الله، أمِّرْنا على بعض ما ولاك الله عز وجل، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: «إنَّا والله لا نولِّي على هذا العمل أحدا سأله، ولا أحدا حرص عليه».

وقد ورد ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمَّر من طلب الإمارة: حيث قال زياد ابن الحارث بن صداء: "وكنت سألته قبل أن يؤمرني على قومي، ويكتب لي بذلك كتابا، ففعل".

قال ابن القيم: "يؤخذ منه جواز تأمير الإمام وتوليته لمن سأله ذلك إذا رآه كفئا، ولا يكون سؤاله مانعا من توليته، ولا يناقض هذا قوله في الحديث الآخر: «إنا لن نولي على عملنا من أراده».

ثم وجه ابن القيم التعارض المتوهم بين الحديثين توجيها مقاصديا، فقال:  فإن الصدائي إنما سأله أن يؤمره على قومه خاصة، وكان مطاعا فيهم محببا إليهم، وكان مقصوده إصلاحهم ودعاءهم إلى الإسلام، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم أن مصلحة قومه في توليته فأجابه إليها، ورأى أن ذلك السائل إنما سأله الولاية لحظ نفسه ومصلحته هو فمنعه منها، فولى للمصلحة ومنع للمصلحة فكانت توليته لله ومنعه لله. انتهى من زاد المعاد

من الأمثلة: حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف - رضي الله عنهما - قال: "مرضَتْ مسكينةٌ فأُخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمرضها -، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعود المساكين ويسأل عنهم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن ماتت فلا تدفنوها حتى أصلي عليها»، فتوفيت فجاءوا بها إلى المدينة بعد العتمة، فوجدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نام، فكرهوا أن يوقظوه، فصلوا عليها ودفنوها ببقيع الغرقد، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بالذي كان منها، فقال:« ألم آمركم أن تؤذنوني بها؟ »، فقالوا: يا رسول الله جئناك فوجدناك نائما، فكرهنا أن نوقظك ليلا، فقال: « فانطلقوا»، فانطلق يمشي ومشوا معه حتى أروه قبرها، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصفوا وراءه، فصلى عليها وكبر أربعا". 

فقد تعارض في أذهانهم الأمر لهم بإيذانه، مع ما تقرر في نفوسهم من التزام كمال الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإيثار راحته وعدم إزعاجه ليلا، وهذا نظر مقاصدي عال من الصحابة رضي الله عنهم، وعدم الإنكار النبوي عليهم يضفي على مسلكهم الإقرار بصوابية هذا التفكير الجامع بين النصوص ومقاصدها، بغض النظر هل هم أصابوا أو أخطأوا في عين هذه المسألة.

ومن أمثلته: حديث البراء بن عازب، قال: كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطا فأفسدت فيه، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها: «فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل» رواه أبو داود.

يعارضه حديث أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «العجماء جرحها جُبَار» أخرجاه في الصحيحين.

و"العجماء " هي كل الحيوان سوى الآدمي، وسميت البهيمة عجماء لأنها لا تتكلم و"الجُبَار" الهدر.

فالحديث الأول قضى فيه بتضمين العجماء، وفي الحديث الثاني إخبار بأنه لا ضمان عليها في أي حال من الأحوال.

فجمع الجمهور بين الحديثين بتخصيص "حديث العجماء جُبار" بما إذا كان الإتلاف حصل ليلا، إذ على صاحب البهيمة حفظها، ويبقى العموم فيما سوى ذلك.

قال الشافعي كما نقل عنه ابن حجر وغيره: أخذنا بحديث البراء لثبوته ومعرفة رجاله ولا يخالفه حديث "العجماء جُبَار"؛ لأنه من العام والمراد به الخاص فلما قال "العجماء جبار"، وقضى فيما أفسدت العجماء بشيء في حال دون حال دل ذلك على أن ما أصابت العجماء من جرح وغيره في حال جبار، وفي حال غير جبار. أ.هـ

وقد جمع بعض الفقهاء بين الحديثين جمعا يراعي فيه حفظ مصالح الناس مراعاة للأعراف والعوائد، وذلك أنهم قالوا إن صاحب البهيمة يضمن في حال دون حال، ومرد ذلك إلى العرف، فقد اختلف العرف في تحديد وجوب حفظ البهيمة ليلا أو نهارا، وبهذا الجمع تتحقق المصلحة، ويحمل كل نص على ما يحقق مقصود الشرع، إذ لا يمكن أن نعطي حكما عاما اليوم بأن ما أتلفته البهيمة بالنهار لا ضمان عليه، فيؤدي هذا القول إلى مناقضة قصد الشارع بإهدار أموال الناس.

ومن أمثلته: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أمسك كلبا، فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط، إلا كلب حرث أو ماشية» ، قال ابن سيرين، وأبو صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إلا كلب غنم أو حرث أو صيد».

فزيادة أبي هريرة "أو حرث" تعارض العموم الوارد في الحديث، مما جعل بعضهم ينكرها، وهي زيادة محفوظة جعلت بعض الشراح يجمع بينها وبين النهي العام بحمل النهي على كراهة اتخاذ الكلاب في غير حاجة ولا منفعة، فجعل المعنى في استثناء كلب الصيد والماشية هي المنفعة، وجلب مصلحة المكلف، وليس المقصود خصوص كلب الصيد والماشية، وفي هذا الجمع اتكاء على المصالح بشكل واضح. 

قال ابن عبد البر في الاستذكار: "ويدخل عندي في معنى الصيد والزرع والماشية جواز اتخاذ الكلاب في البادية جملة؛ لأن الأغلب من أمرها الزرع والماشية والصيد لجلب المنافع ودفع المضار تجد ذلك في البادية والحاضرة والله أعلم". أ.هـ

ومن أمثلته: حديث ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره» رواه البخاري في صحيحه، وقد ورد في صحيح مسلم عن رافع ابن خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كسب الحجام خبيث».

ففي الحديث الأول جواز أخذ الأجرة على الحجامة، ففي حديث عكرمة قال ابن عباس: "ولو علمه خبيثا لم يعطه"، وفي حديث ابن سيرين قال ابن عباس "ولو كان به بأس لم يعطه"، وأما الحديث الثاني فيدل على خبث أجرة الحجام، وقد جمع العلماء بين هذه الأحاديث بوجوه كثيرة، والذي نقصده هو بيان دور المقاصد في الجمع بينها، يتبين ذلك من قول الجمهور الذين حملوا الحديث الثاني على كراهة التنزيه، لما في فعل الحجامة من إعانة المسلم لأخيه، وحاجة المريض إلى ذلك، فالقول بالتحريم سيؤدي إلى المنع من حاجي يتعلق به كمال حفظ النفس، وهذا ملحظ مقاصدي تأتلف به النصوص ولا تختلف.

وقد نقل ابن حجر في فتح الباري عن ابن الجوزي "أن أجرة الحجام إنما كرهت لأنها من الأشياء التي تجب للمسلم على المسلم إعانة له عند الاحتياج له، فما كان ينبغي له أن يأخذ على ذلك أجرا".

فهذه خمسة أمثلة لبيان أصل الفكرة، وإلا فإن كتب شروح الحديث مليئة بمثل ذلك، وقد كتبت البحوث الكثيرة في بيان دور المقاصد الشرعية في دفع التعارض بين النصوص النبوية، فاستحضار المقاصد حال النظر في النصوص المتعارضة مسلك الأئمة السابقين، سوء في ذلك المقاصد الجزئية للنصوص أو المقاصد العامة للشريعة، فذلك هو اللائق بمن تصدى للنظر في مختلف الحديث، وإهمال هذه الأبعاد المقاصدية يجعل النظر قاصرا، والفهم مجتزءا، علاوة على توسيع دائرة التعارض بين النصوص وتعميق اختلافها على بعضها.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة