الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حدث في مثل هذا الأسبوع (4 - 10 رجب)

حدث في مثل هذا الأسبوع (4 - 10 رجب)
901 0 87

وفاة شيخ قراء حماة سعيد بن عبد الله المحمد 5 رجب 1425هـ (2004م)
الشيخ سعيد بن عبد الله المحمد الحموي شيخ قراء حلب، من العلماء الراسخين والقراء المتقنين، نذر وقته وجهده لعلوم القرآن العظيم والقراءات القرآنية أكثر من نصف قرن في حماة ثم في مكة المكرمة، قرأ عليه وأخذ عنه القراءات أسماء لامعة وناصعة في مجال تعليم علوم القرآن والقراءات من جميع البلدان الإسلامية.
امتاز بدماثة الخـلق، وقوة الحجة، والبصيرة النيرة، والكرم الفياض، والوقار والتواضع، كما عُرف بكثرة محفوظاته وعلو همته يقرئ الطلاب صباح مساء بصبر وأناة وتحمل في المسجد أو بجامعة أم القرى أوفي منزله العامر بمكة المكرمة.
كان موسوعة في العلوم، فإلى جانب علمه بالقرآن والقراءات، كان مرجعا في التفسير والفـقه والحديث، بحرا في علوم اللغة وآدابها، يطرب لسماع الشعر ويحفظ الكثير من الأشعار والمتون، وقد نظم العديد من القصائد والمنظومات التي تدل على تمكنه في لغة الضاد لغة القرآن الكريم.
اسمه ونشأته
اسمه: سعيد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مصطفى ابن الشيخ عبيد بن الشيخ صالح الحسي نسبة لمنطقة الإحساء في المملكة العربية السعودية، منشأ أسرة الشيخ والتي غادرها أجداده قبل ثلاثمائة عام تقريباً، واستوطنوا شمال سورية في قرية (تادف) قرب حلب، ثم انتقل قسم منهم واستوطنوا شرق محافظة حماة وهم أسرة الشيخ، واستوطن قسم منهم غرب محافظة حمص.
ولد الشيخ سعيد في قرية الجنان التابعة لمدينة حماة في شهر رمضان المبارك عام 1341هـ الموافق 1923م، وفي عامه السادس كف بصره إثر علاج شعبي لعينيه.
بدأ تعليمه من عامه السابع بعد أن كف بصره، فقرأ القرآن وحفظه على شيخه الشيخ عارف النوشي في قرية الجنان، وبعد حفظه للقرآن انتقل إلى مدينة حماة في عام 1934 والتحق بدار العلوم الشرعية، في مدينة حماة -التي حولت إلى مدرسة ثانوية - حيث درس بها العلوم العربية والشرعية والقراءات والتجويد.
شيوخه:

1- المقرئ الشيخ نوري أسعد الشحنة حفظ على يديه منظومة الشاطبية، وقرأ عليه القراءات السبع من طريق الشاطبية.
2- المقرئ الشيخ عبد العزيز محمَّد علي عيون السود الحمصي قرأ عليه ختمة بالقراءات الثلاث المتممة للعشر من طريق الدرة، ثم قرأ عليه أجزاء من القرآن من طريق الطيبة، وأجازه بها وبكل القرآن من طريق الطيبة.
3- الشيخ توفيق الصباغ الشيرازي. درس عليه ألفية ابن مالك، في النحو، ومتن أبي شجاع في الفقه، والرحبية في الفرائض، وألفية ابن مالك، وجواهر البخاري وغيرها.
4-الشيخ عارف القوشجي، درس عليه علم الصرف.
5- الشيخ زاكى الدندشي، درس عليه الفقه الحنفي قرأ عليه متن نور الإيضاح، والقدوري.
6- الشيخ محمود العثمان، درس عليه مبادئ علم الأصول وقرأ عليه مختصر المنار.
7- الشيخ سعيد زهور علي، تلقى عنه جانباً من الأدب العربي.
8- وقرأ تفسير النسفي على الشيخ مصطفى علوش.
9- الشيخ علي العثمان قرأ عليه عدة كتب منها: كتب في الفقه الحنفي، وتحفة الفقهاء، وتاريخ أيام العرب، وحفظ الكواكبية في الفقه الحنفي.
وكان يحضر دروس الشيخ محمد الحامد في جامع السلطان، في فقه أبي حنيفة، وفي التفسير والحديث الشريف.
ومن شيوخه من خارج المعهد الشرعي: الشيخ محمد سعيد الجابي، والذي كان الشيخ سعيد العبد الله محباً له معجباً به، متابعاً لنهجه القويم.
الشيخ طالب والطالب شيخ
أخذ الشيخ سعيد العبد الله عن الشيخ عبد العزيز عيون السود بحمص القراءات الثلاث المتممة للعشر، وكان لقاؤه بالشيخ عبد العزيز في عام 1945م، وبعد أن انتهى من القراءات الثلاث المتممة للقراءات العشر رجع إلى حماه، واستقبله شيخه الشيخ نوري أسعد الشحنة فرحاً به، مستبشراً بما حمله من إجازة بالقراءات الثلاث.
لم يكن الشيخ نوري قد تلقى عن أشياخه سوى القراءات السبع، والتي أقرأها للشيخ سعيد العبد الله وأجازه بها، لذا كان سروره عظيماً بهذه القراءات الثلاث، والتي طلب من تلميذه أن يجيزه بها بعد أن قرأها عليه، وكان له ذلك، حيث ضرب الشيخ نوري أروع الأمثلة في التواضع وعدم الأنفة من أن يتلقى العلم عن تلميذه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
محفوظاته
عرف الشيخ سعيد بكثرة محفوظاته ومن أعظم محفوظاته: القرآن الكريم، بالقراءات العشر، وبالطرق الثلاث: الشاطبية والدرة والطيبة، وهي قصائد نظمها أصحابها في القراءات ليسهل على الطالب حفظها ومراجعتها والرجوع إليها، وبعضها تجاوز الألف بيت.
وحفظ منظومة السخاوي في متشابه القرآن، وتقع في أكثر من (400) بيت، والرائية في علم الرسم (عقيلة أتراب القصائد) للإمام الشاطبي، والجزرية والتحفة في التجويد، وناظمة الزهر في علم الفواصل، وألفية السيوطي والبيقونية في علم مصطلح الحديث، كما كان يحفظ كتاب: اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان في الحديث، وكان يحفظ المعلقات السبع.
وفي الفرائض حفظ متن الرحبية والسراجية في الفرائض، وفي الفقه حفظ متن أبي شجاع في فقه الإمام الشافعي، والكواكبية (الفرائد السنية) في الفقه الحنفي.
وفي اللغة والنحو والصرف حفظ ألفية بن مالك والأجرومية، ومنظومة الجوهر المكنون في الثلاثة الفنون (المعاني والبيان والبديع).
أما محفوظاته من الشعر قديمه وحديثه فقد كان يحفظ الشيء الكثير منه حاضرا في ذاكرته، ومتى شاء أسعفته بما يريد، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
حياته العملية
- في عام 1950م تم تعيين الشيخ مدرساً للقرآن الكريم والقراءات والتفسير والتجويد في مدرسة دار العلوم الشرعية، والتي تخرج منها قبل عشر سنوات.
استمر في التدريس في الثانوية الشرعية، وكان معه من المدرسين الشيخ عبد الله الحلاق مديراً، والفقيه الشافعي الشيخ خالد الشقفة، والفقيه الحنفي الشيخ زاكي الدندشي، والشيخ محمد علي الشقفة، والشيخ أحمد سلطان، والأستاذ صلاح المراد، والأستاذ مصطفى الهبرة، رحمهم الله جميعاً رحمةً واسعة
- بعد وفاة الشيخ نوري أسعد الشحنة (بحدود عام 1950م) تبوأ الشيخ سعيد منزلة شيخه، وبايعه علماء حماه شيخاً للقراء بلا منازع، وقد تقدم أنه جمع إلى جانب علوم القرآن والقراءات إلماماً واسعاً بكافة العلوم الشرعية، مع خلقٍ رفيع، وذوق رائع، وروح سامية جعلته محبباً إلى جميع من عرفوه من أهل العلم وغيرهم.
وبدأ طلاب العلم يتوافدون على جامع الدلوك لأخذ علم التجويد وعلوم القرآن الكريم ممن أتقنه وحذق فيه، وكان لكل طالب عنده ختمة مستقلة، يبدأ الطالب بالقراءة من الفاتحة إلى الناس، والشيخ يستمع له ويصحح له أداءه وأحكامه ومخارج حروفه، فإذا ما آنس منه جودة في القراءة وحسناً في الأداء أجازه بالقراءة والإقراء.
ولم يكن يتقيد بوقت من نهار أو ليل، حيث كان يصلي الفجر إماماً في جامع الدلوك، ثم يأتي غرفته يستقبل الطلاب يسمع لهم ويقرئهم، وينتهي وقت الاستماع عنده مع انتهاء آخر طالب من التلاوة، حتى تلقى عنه جمع غفير، وخلق كثير، وكان هناك وقت مخصص للنساء، واستمر على هذا الحال حتى نهاية عام 1980 م.
- أسس معهد الإمام الشاطبي للقرآن والقراءات والدراسات القرآنية في مدينة حماة وتخرج فيه أفواج من الطلاب، ودرّس فيه التفسير والقراءات سنوات طويلة.
إلى مكة المكرمة
وفي عام 1980م، الموافق 1401هـ ارتحل إلى الديار المقدسة، فطاب به المقام في مكة، حيث استقر فيها.
وعيّن مدرساً للقرآن والقراءات في جامعة (أم القرى)، وأصبح بيته مركزاً علميا، نهل منه طلاب العلم ومحبو القرآن من جميع البلدان الإسلامية، وبعد أن كان فضله مقصوراً على مدينة حماة، أصبح له طلاب من شرق المعمورة وغربها، وأخذ منه الإجازة في القراءات المئـات، يقرئ صباح مساء في منزله العامر بمكة المكرمة بعد انتهائه من الجامعة.
وكما كان في مدينة حماة دأب الشيخ في مكة المكرمة على بذل جميع وقته لطلاب العلم وأهل القرآن الكريم، فيبدأ باستقبال القراء من بعد صلاة الفجر إلى أن يحين وقت الذهاب إلى الجامعة، فإذا ما عاد منها استراح قليلاً، فما أن يصلي العصر حتى تبدأ مجموعات الذين يقرؤون عليه بالتوافد، كلٌّ في موعده المحدَّد، وحدد أوقاتا مخصصة للنساء ليقرأن عليه أيضا.
علو الهمة
في عام 1408هـ أدخل الشيخ المستشفى لإجراء عملية لاستئصال المرارة، وخرج من المستشفى لقضاء فترة النقاهة في بيته بحي العزيزية، وجاء محبوه وزملاؤه المدرسون بالجامعة وتلامذته يعودونه في بيته، وكان من جملة العُوَّاد رئيس قسم القراءات بالجامعة، فقال له الشيخ: أستأذنك وحتى لا يحرم الطلاب من الفائدة أن يحضروا إلى بيتي خلال فترة النقاهة أثناء إجازتي المرضية، لكي يتابعوا المنهاج الجامعي المقرر عليهم في القرآن والقراءات، أدهش هذا الكلام الحاضرين جميعاً، حتى حال المرض والنقاهة لا يكف الشيخ عن البذل والعطاء، ووافق رئيس القسم على هذا الطلب، ثم نتج عن ذلك أن أُعفى الشيخ من تجشم صعوبة الذهاب إلى الجامعة إلا في أيام الاختبارات، وجعل الطلاب بدلاً من أن يذهبوا للجامعة يأتون منزل الشيخ لمتابعة منهاجهم العلمي.
واستمر الأمر على هذه الحال حتى أُعفي الشيخ من منصبه بسبب تجاوزه السن وذلك في شهر صفر الخير من عام 1418هـ.
بعض المجازين من الشيخ في القراءات:
1- الشيخ العلامة نوري بن أسعد الشحنة، أجيز من الشيخ سعيد بالثلاث المتممة للعشر من طريق الدرة، وهو شيخ الشيخ سعيد في القراءات السبع .
2- الشيخ حسين خالد عشيش (العشر من طريقي الشاطبية والدرة).
3- الشيخ محمد نبهان حسين مصري (العشر من طريقي الشاطبية والدرة) ، أستاذ القراءات بجامعة أم القرى .
4- الشيخ الدكتور / عبدالله بن حامد السليماني (العشر من طريقي الشاطبية والدرة) .
5- الشيخ أمين إدريس فلاته (العشر من طريقي الشاطبية والدرة) أستاذ القراءات وعلومها بجامعة أم القرى .
6- الشيخ فؤاد جابر المصري(العشر من طريقي الشاطبية والدرة)، أستاذ القرآن الكريم بجمعية تحفيظ القرآن بالطائف.
7- الشيخ محمد عبد الحكيم بن سعيد العبد الله(ولد الشيخ) (العشر من طريقي الشاطبية والدرة)، متخصص بالقراءات وعلومها.
8- الشيخ عبدالباري بن سعيد العبد الله(ولد الشيخ) (العشر من طريقي الشاطبية والدرة)، ماجستير بالدراسات الإسلامية.
9- الشيخ محمد حمود الأزوري(العشر من طريقي الشاطبية والدرة)، أستاذ بقسم القراءات بجامعة أم القرى .
10- الشيخ إبراهيم بن عبد الرحمن حافظ (العشر من طريقي الشاطبية والدرة).
11- الشيخ نواف بن سعيد المالكي (العشر من طريقي الشاطبية والدرة)، أستاذ بجامعة الملك خالد بأبها.
12- الشيخ محمد بن علي الغامدي (العشر من طريقي الشاطبية والدرة) مدرس القرآن الكريم بالهيئة الملكية بينبع .
13- السيد أحمد السيد عبدالرحيم (العشر من طريقي الشاطبية والدرة)، مدرس القراءات بجماعة تحفيظ القرآن الكريم ببيشه .
14- الشيخ وليد محمد جمعه بستاني (العشر من طريقي الشاطبية والدرة)، أمين المكتبة القطرية بمكة المكرمة وصهر الشيخ.
15- الدكتور محمد على صبحي الهنداوي (السبع من طريق الشاطبية) ولم يكمل الختمة
16- عبد الرحمن الأشقر (القراءات السبع من طريق الشاطبية)
17- الشيخ عمر بن محمد السبيل رحمه الله إمام الحرم المكي (عدة قراءات).
18- الشيخ محمد حاتم طبشي (عدة قراءات).
19- الشيخ فائز عبد القادر شيخ الزور رحمه الله (عدة قراءات).
20- الدكتور يحيى عبد الرازق غوثاني (عدة قراءات).
21- الشيخ عبد الودود حنيف، قرأ عليه القرآن بقراءة عاصم براوييه حفص وشعبة من الشاطبية.
مؤلفاته
ليس للشيخ مؤلفات كثيرة لأن جُلَّ وقته كان يصرفه في الإقراء والتدريس والتعليم، أما أهم كتبه فهي:
1- القول المنيف في رسم المصحف الشريف.
2- منظومة نشر العطر في بيان المد والقصر، وتقع في أكثر من أربعمائة بيت.
3- نظم كتاب صريح النص في الكلمات المختلف فيها عن حفص، للشيخ علي الضباع.
4- نظم كتاب تهذيب الألفاظ لابن السكِّيت، وهو كتاب في مترادف اللغة، في أكثر من 3000 بيت.
5- منظومة بيان طرق الطيبة ومراتب المدات للقراء العشرة.

وفاته
في يوم الخامس من رجب من عام 1425 ازداد مرض الشيخ فتمَّ نقله إلى المستشفى، والتي مكث فيها ثلاثة أيام في العناية المركزة، اختاره الله بعدها إلى جواره، لكنه قبل الوفاة بلحظات طلب ماء زمزم فشرب ثم تشهَّد مرتين، ثم أسلم الروح إلى بارئها عن عمر يناهز الثمانين عاما، كان ذلك بعد ظهر يوم الثلاثاء الثامن من رجب 1425هـ، الموافق 24 من أغسطس 2004م، وصلي عليه في المسجد الحرام، وشيعه المئات من تلاميذه ومحبيه، ودفن في مقبرة الشرائع بمكة المكرمة، رحمه الله وغفر له وأكرم مثواه وجعل الفردوس الأعلى مستقره ومأواه.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة