الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

د. حبيب المطيري في حوار عن أدب الطفل

8997 1 753

     تستحوذ قضايا الطفل على نصيب وافر من الاهتمام خصوصـًا في السنوات الأخيرة ، وأحد أبرز مجالات الاهتمام كان "أدب الطفل" ، ولكن الآداب الموجهة للطفل تعاني من بعض المشكلات ربما يعود ذلك إلى كون عالمنا العربي حديث عهدٍ بهذا اللون من الآداب الذي يحتاج إلى كثير من الخصوصية على مستوى المفاهيم ، وعلى مستوى اللغة ، بالإضافة إلى طريقة المعالجة والصياغة . المشكلة الكبرى في أدب الطفل : كيف نتقمص شخصيته ونفكر بطريقته لنصل إليه ؟ كيف يمكن أن ننشىء وحدة متناغمة بين الأديب والطفل بحيث يفكر الأديب من خلال عالم الطفل (الخاص) مع استحضاره لوعي الأديب (العام) ليعالج مشاكله ويوجه اهتماماته دون أن يلغي طفولته ؟
    حول هذه القضايا وغيرها كان لنا حوار مع د. حبيب بن معلا اللويحق المطيري ، نائب رئيس المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامية العالمية ، وأستاذ النقد الأدبي المساعد في جامعة محمد بن سعود في الرياض ، وهذه مجريات الحوار :

- كيف بدأت قصتكم مع أدب الطفل ؟
   - كنت في صغري قارئًا نهمًا ؛ أقرأ كل قصة تقع تحت يدي ، وكنت أتوحّد مع كل قصة عاطفيًا بشكل غريب ، ومما أذكر في هذا أنني قرأت قصة عن ساحر فرنسي يتحكم في مصير الكون من خلال قطعة لحم بقري متعفّنة ، فأورثتني هذه القصة خللاً عاطفيًا وخوفًا دام أيامًا متعددة ، كنت خلالها فريسة الرعب ، فلما كبرت قليلاً شعرت أن القصة المكتوبة للطفل تحتاج إلى دراسة عميقة تكشف مكنوناتها ، ولهذا توجهت إلى قسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي في الدراسات العليا لكي أدرس أدب الطفل في (الماجستير) و(الدكتوراه) ، وقد تم هذا بحمد الله حيث درست في الأولى (القصة) وفي الثانية (المسرحية) دراسة تناولت الجوانب العقدية والتربوية والمسلكية والفنية واللغوية في هذه الآداب المقدمة للطفل العربي ، وأما في مجال الإبداع فلي - ولله الحمد - ديوان شعري مكتوب للأطفال ، ولي مجموعة قصصية أيضًا ، وفي الطريق أعمال إبداعية أخرى بإذن الله .

- ما مفهوم الأدب الإسلامي للأطفال ؟ وهل ثمَّة علاقة بين الأدب والتربية ؟
   - الأدب الإسلامي للأطفال هو الذي حقق الشروط الإبداعية الفنية التربوية ، واهتم بالمضمون ؛ بحيث يكون هذا المضمون نابعًا من التصور الإسلامي لكل ما يتعلق بالعقيدة في الله - عز وجل - وما شرعه ، ومن التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان ، وذلك يكون بشروط عديدة منها :
    1- خلوّه من أي مخالفة شرعية عقدية أو تربوية مسلكية واردة في سياق الإعجاب أو في سياق محايد ، أو يتوقع أن تؤثّر في وجدان الطفل .
    2- سلامته من كل ما لا يناسب عالم الأطفال من آراء وأحكام وأقوال ؛ كالحديث عن بعض قضايا القدر أو أحكام الكبار الخاصة .
    3- حمله لفكرة تربوية ؛ بحيث لا يكون أدبًا عبثيًا لا نفع منه .
    4- سلامته من التهويل والإيغال في الخيال وبُعده عن إثارة الشكوك في ذهن الطفل المتلقي .
    5- موافقته للمراحل العمرية للطفل ؛ بحيث يُفْصَل الأدب المكتوب للطفل في مرحلة الطفولة المتأخرة عن ذلك الذي كُتب له في مرحلة الطفولة المبكرة وهكذا.
وأما عن علاقة الأدب بالتربية فهي وثيقة ؛ ذلك أن الأدب يمارس دورًا تربويًا خطيرًا ، وله قدرة تغييرية فريدة ، ولكن لا يجب أن تغلب التربية الفنّ والإبداع ، بل يكونان كجناحي طائر .

- ما مفهوم الأديب الإسلامي في نظركم ؟
   - الأديب الإسلامي : هو ذلك الأديب المبدع المرهف الحسّ ، الذي يقدّم إبداعًا جميلاً مؤثرًا فريدًا خلاّقًا لا يجرُّ عليه الوبال في الآخرة ، بل يكون حسنة من حسناته عند مولاه … هذا هو الأديب الإسلامي باختصار فطري ميسّر .

- كثير ممن كتب للطفل لم يستطع الوصول إليه ، ما السبب برأيكم ؟
    - هذا سؤال ذكي ، ولمعرفة الإجابة عليه عليك أن تعلم أن كثيرًا ممن يكتب للطفل يكتب بعقليته هو ومفهوماته ولا ينزل إلى مستوى الطفل وقدراته الإدراكية والمعرفية واللغوية ؛ ولهذا نجد هذا الخلل ماثلاً في أغلب كتابات الأدباء العرب الذين يكتبون للطفل.

 - ما مكانة الكتابة للطفل من موقع الفكر الإسلامي ككل ؟
       - تنظيريًا يمكننا أن نقول إنها من أسمى ما يمكن ، فالطفل أنجح مشروع مستقبلي للأمة على الإطلاق ، أما واقعيًا فإننا نقف على تقصير واضح بيّن يحتاج سَدُّه إلى سنوات من الجهد المضني .

- هل ثمة مشكلات يواجهها "أديب الطفولة" أو تواجهونها أنتم بشكل خاص ؟
    - من أهم مشكلات (أديب الطفولة) : التمويل ؛ فكل أديب مهتم بهذا نجد أن لديه أعمالاً إبداعية ولكن لا يستطيع طبعها لضيق ذات اليد ؛ ولهذا فإن مما أوصيت به في توصيات رسالتي (الماجستير) و(الدكتوراه) ضرورة التنظيم المؤسسي للأعمال الإبداعية المقدمة للطفل مع الاهتمام بالمبدعين وإقامة الجوائز والمسابقات والاهتمام بالنشر إخراجًا وتوزيعًا وحجمًا .

- نلاحظ أن الجهود المبذولة للأطفال لا تزال ضئيلة إذا ما قورنت بغيرها ، ما السبب ؟ وكيف يمكن أن نتخطّى ذلك ؟
       - نعم أنا أوافق على هذا ولعل مردّه إلى أن الأمة لم تدرك إلى اليوم أهمية هذا المشروع (الاستراتيجي) ، فلا تجد لأدب الطفل اهتمامًا في عالمنا الإسلامي كما هو عند أمم الكفر ؛ ولهذا لا بد من الوعي أولاً بأبعاد المشكلة وعظم شأنها وخطورة نتائجها ، ثم يأتي بعد ذلك تبيين سُبُل التغيير ، والحل الناجع في هذا أن يتبنى القرار السياسي هذا المشروع الحضاري الضخم ، ويعهد للأنظمة المؤسسية إقامة المؤتمرات والندوات الفكرية الثقافية التي تناقش سُبُل إيقاظ الأمة تجاه الخطر الداهم الذي يواجه ناشئتها ؛ عن طريق الكتابات والمنتجات الإعلامية والترفيهية القادمة من أمم الكفر ، ثم يُصاغ بعد ذلك ميثاق عمل مؤسسي متكامل لأدب الطفل الإسلامي .
       أما والحالة هذه - في عالمنا اليوم - فلا أقل من أن يحرص المرء على تشجيع الإبداع الإبداع النقي ، ومنع الإبداع الملوّث … من الوصول إلى أبناء المسلمين وفي هذا حفظ لجزء من الأمانة .

- ألا تلاحظون أن بعض الكتابات للطفل - إن لم يكن الكثير منها - يغلب عليها "جديّة الكبار" ، وكذلك "وعورة الألفاظ" ، و"ضخامة المعنى" بشكل لا يتناسب مع مستوى الطفل الفكري ؟
      - سؤال ذكي - أيضًا - وسبب هذا يعود إلى عدم إطلاع كثير من كُتّاب أدب الطفل على الدراسات العلمية التي تهتم بالفروقات المعرفية والإدراكية واللغوية بين المراحل العمرية المختلفة ؛ ككتابات (بياجيه) - مثلاً - ، وكذلك عدم إطلاع كثير منهم على الكتب التي تهتم بمعجم الطفل ، وتتناول بالدراسة التطبيقية والتجارب العلمية قدرة الطفل على التفريق بين الألفاظ التجريدية والألفاظ الحسيّة ، كل هذا وغيره يجعل عددًا كبيرًا من كُتّاب الطفل لا يستحقون - أبدًا - أن يكونوا كتّابًا للطفل .

- ما هي سمات أدب الأطفال ؟ وما هو دور الخيال فيه ، وكذلك الموسيقا الشعرية ؟
   - أهم سماته : مناسبته للمراحل العمرية للطفل ، ونقاء مضمونه ، وجمال لفظه وضوحه وسلاسته ، وبعده عن التهويل المبالغ فيه ، ثم روعة الحبكة والجذب والتشويق - وبالذات في القصة والمسرحية - ، أما الخيال فهو ضرورة من ضرورات الأدب ؛ فلا أدب بلا خيال ، ولكن الخيال المحمود هو ذلك الخيال التصويري المعقول الذي يحلّق بالطفل في أجواء محبته بحيث يُعْمِل عقله وفكره في هذه الأحداث وتتملّك عاطفته ، أما شطحات الخيال ؛ كالقوى الغيبية الكونية المختلقة التي تتحكم بالأقدار من دون الله ، أو السحرة والشياطين المرعبين الذين يُصَوَّرون بصور مخيفة يقشعر لها بدن الطفل ، أو غير ذلك من شطحات أخيلة - الكتّاب التجاريين - فهذا كله زيغٌ وضلال ، ولا ينبغي إقراره في أدب الطفل .

 - ما هي الموضوعات التي تناولتموها في أدبكم ، وما أبرز الموضوعات التي ترونها جديرة بأن تُبحث للطفل ؟
       - تناولت القصة والمسرحية نقدًا ، والقصة والمسرحية والقصيدة إبداعًا ، ولا زال المجال مفتوحًا لكتابات نقدية في معجم الطفل وبنائه اللغوي ومناسبة الأدب للمراحل العمرية من خلال دراسة معيارية وصفية تطبيقية ، كما أن باب الإبداع مفتوح على مصراعيه للكتبة المجيدين .

- ما هي نظرتكم إلى ما هو موجود من أدب الطفل ؟ وما هي أهم السلبيات ، وكذلك الإيجابيات ؟ وهل يمكن تسمية كتّاب برعوا في أدب الطفل ؟        - أدب الطفل الموجود فيه الغث وفيه السمين وإن كان غثه أكثر من سمينه ؛ ولهذا يحتاج أدب الطفل ها هنا إلى مزيد من الاهتمام ، بالإكثار من الكتابات الإبداعية التي تحاول أن تملأ الساحة وتقطع الطريق على الكتابات الوافدة ، وترقية الإبداع بالدراسات النقدية الرصينة ، ويمكننا أن نعدّ من الكتاب المبدعين في أدب الطفل : أحمد نجيب وعبد التواب يوسف في بعض إنتاجهما ، وأحمد مختار البرزة ، ومحمد موفق سليمة ، وعبد الودود يوسف وداود العبيدي ، وخولة درويش وغيرهم .

- علمنا أنكم أول من حصل على دكتوراه في أدب الطفولة في السعودية . كيف تنظرون إلى هذه الخطوة ضمن سياق المملكة ؟ وهل يعتبر هذا نقلة نوعية في سياق أدب الطفولة في السعودية ؟  
   - لا شك في أن هذا يعد نقلة لا بأس بها ، ولكنني أقول مع الأسف إن الاهتمام بالآداب المكتوبة للطفل عندنا في المملكة ضعيف جدًا ، ولم يصل إلى جزء مما وصلت بعض الدول العربية ، ولكنني أرجو أن يكون هذا سبيلاً إلى مزيد من الاهتمام والتأصيل والإبداع .

مواد ذات الصله



تصويت

التيسير معلم من معالم الشريعة ومقصد من مقاصد الإسلام "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" وما خُيّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما. ترى ما السبب في ميل بعض الناس إلى التشدد والغلو؟

  • الجهل
  • تلبيس الشيطان
  • طبائع شخصية ونفسية
  • كل ما سبق