الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ماذا يفعل العرب بشأن فلسطين ؟

  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:20/05/2001
  • التصنيف:قضايا سياسية
  •  
1937 0 384
ينتابني حزن عميق وأنا أكتب هذه السطور مثل كثير من المراقبين الغربيين الذين يدرسون الشرق الأوسط ، شغل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني اهتمامي طوال فترة حياتي العملية ، وبذلت دائمـًا قصارى جهدي لتقديم رؤية متوازنة إلى الرأي العام في أوروبا وأمريكا ، لكنني أحسست في الأشهر الأخيرة بوطأة التغيرات في مسار الأحداث وثقلها الساحق ، فقد أصبح الوضع كابوسـًا يستعيد فيه المرء من دون انقطاع أسوأ فصول الماضي : أعمال القتل الثأرية ، والأمهات المنتحبات ، والمنازل المدمرة بالجرافات ، وصيحات المطالبة بالانتقام بجوار القبور .
وما يزيد الأمور سوءًا أن الكلام المخادع للناطقين باسم الدول العربية والتردد العام الذي تبديه الأنظمة العربية يعيدان إلى الذاكرة أيضـًا بشكل مخيف الكثير من الأزمات الفلسطينية السابقة .
يترك هذا الوضع أولئك الذين يريدون أن يقدموا أفضل عرض ممكن للموقف مجردين من المعلومات التي كانت ستجعل السياسات الفلسطينية والعربية أكثر صدقية ، فهناك من جهة الإجماع المعتاد في الجانب الإسرائيلي ، ووسط مؤيدي إسرائيل ، الذي تتكررت فيه بلا انقطاع أفكار تافهة ـ الإدعاء بأن الرئيس ياسر عرفات رفض أحسن عرض حتى الآن ، وحقيقة أنه بدأ القتال ويديمه في الوقت الحاضر ، وصواب رفض الجنرال " أرييل شارون " المشروع بالتفاوض حتى يتوقف العنف ـ وتُصدَّق على نطاق واسع ، هذا إذا كانت المقالات الافتتاحية للصحف الأمريكية والأوروبية دليلاً يمكن اعتماده .
من الواضح أن الحكومة الإسرائيلية تقول وتفعل ، ومن الواضح لماذا تقول وتفعل ذلك.
وفي الجانب القابل ، سواء من السلطة الفلسطينية أو الأنظمة العربية ، لا يوجد أي توجيه مناسب لتوضيح ما يفعلونه ، ولماذا ؟ ، فهو قد يكون شيئـًا جيدًا أو سيئـًا ، لكن من يدري ؟
كيف يمكن للمرء أن يجيب عن أسئلة بسيطة مثل ماذا ينوي الرئيس " عرفات " القيام به ؟ ، هل توجد لديه استراتيجية سياسية ؟ ، وإذا كان الأمر كذلك فما هي ؟ ، أو ماذا فعلت الأنظمة العربية حقـًا لمساعدة الفلسطينيين ؟ ، ولماذا لم يبذل أحد أي جهد لعرض الدعم العربي لسكان " غزة " و " الضفة الغربية " بصورة أفضل ؟
دعونا نفترض على سبيل المثال ، أن أحد أفراد مجموعة التقت لمناقشة المرحلة الراهنة من النزاع وجّه سؤالاً بسيطـًا كالآتي : هل عرضت أي من الدول الغنية بالنفط نقل طفل فلسطيني جريح واحد من مستشفيات قطاع " غزة " التي تعاني الإنهاك وشح التمويل ، إلى مستشفياتها في منطقة الخليج المجهزة بشكل جيد بالمعدات والطاقم الطبي لغرض العلاج ؟ ، أنا شخصيـًا لن أعرف كيف أجيب ، ويثير هذا بدوره سؤالاً آخر : إذا كانت الدول الغنية بالنفط قدمت مثل هذا العرض ، فلماذا لم نُبلَّغْ به نحن في أمريكا ؟ ، وإذا لم تفعل ذلك فما هو السبب ؟
بالطبع استقبلت كل دول الخليج جرحى فلسطينيين وساعدتهم كما ساعدت أُسرهم ، علمت بذلك فيما بعد ، حين أمضيت وقتـًا أتصفح مواقع الإنترنت ، كما عثرت على صحف عربية تتحدث عن ذلك ، لكن هذه ليست القضية الأساسية ، فلا أنا ولا أي من الطلبة العرب الذين سألتهم كنا نعرف ما قد يكون الجواب ، وإذا كنا لا نعرف لأننا لم نقرأ عنه ، أو لأننا لم نُبلغ به من جانب السفارات العربية في " واشنطن " ، فماذا سيكون لدينا لأن نقول أو نفعل سوى أن نلزم الصمت ؟
صحيح في إمكان المرء دائمـًا أن يلوذ بمقارنات كبيرة ، فأنا لم أسمع أيضـًا أن أي منظمة في أوروبا أو أمريكا عرضت أن تنقل جوًا أطفالاً مصابين من قطاع " غزة " ، وربما كان وزراء الصحة العرب يدركون أن مثل هذا العرض ، إذا قُدم ، سيُمنع قسرًا من جانب الإسرائيليين ! ، لكن مثل هذه الأساليب الملتوية والافتراضية إلى حد كبير للإجابة ليست في الواقع أجوبة إطلاقـًا ، وتبقى بالتالي بديلاً رديئـًا لرد يستند إلى معلومات ملموسة يمكن أن تجعلنا أقرب إلى الحقيقة .
يتملكني الإحساس بأن هذا الوضع هو الأسوأ إطلاقـًا حتى الآن ، بقدر ما يتعلق الأمر بتقديم موقف عربي يتمتع بصدقية .
فلا تتوافر معلومات مناسبة ، ولا يوجد أي دعم مالي لمطبوعات تعاني مصاعب ، مثل : " ميدل إيست ريبورت " التي بذلت أقصى ما بوسعها لعرض مواقف طرفي النزاع طيلة ما يقرب من أربعين عامـًا ، ولا توجد أي رؤية ، وأي تحفيز للخيال ، وأي محاولة لتجاوز الكلام المكرر لناطقين يبدو واضحـًا تمامـًا أنهم يتمنون أن تختفي المشكلة فحسب .
لا يعني هذا الحطّ من شأن العمل الجيد للمراسلين الذي بذلوا قصارى جهدهم لتغطية الانتفاضة الثانية من كلا الجانبين ، كما لا يعني أولئك الذين بذلوا جهدًا استثنائيـًا لتوفير أدلة صلبة بشأن تأثير استخدام ذخيرة حية من جانب الجنود الإسرائيليين ، وهو لا يشمل بالتأكيد أشخاصـًا مثل : " إدوارد سعيد " أو الرئيس السابق " نيلسون مانديلا " في إجابته البارعة على " توم فريدمان " ، الذين أظهروا كيف أنه مازال في الإمكان احتلال موقع التفوق الأخلاقي في هذا الوضع المرير .
لكن تبقى على رغم ذلك فجوات هائلة في الاطلاع والمعطيات لا يمكن أن يسدها إلاَّ أولئك الأكثر انغماسـًا في الأحداث ، لذا نرجوكم أيها السادة أعضاء السلطة الفلسطينية ، والناطقين باسم الحكومات العربية ، أن تزودوا أولئك الذين يريدون تقديم صورة متوازنة ، أولئك الذين يريدون أن يتمكنوا من الإجابة عن كل الأسئلة الصعبة المتعلقة بتكتيكات الفلسطينيين أو غياب الدعم العربي ، بشيئ يستندون إليه .
وأعتقد أنه ليس من المبالغة القول بأنكم تدينون بذلك للكثيرين من ذوي النوايا الطيبة الذين يضطرون منذ وقت طويل إلى النهوض بدورهم تجاه قضية الشرق الأوسط ، على رغم عدم توافر المعطيات الكافية .
مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة " هارفرد "
المصدر : " الحياة " .
التاريخ : 17/5/2001م .

مواد ذات صلة



تصويت

قالوا: إذا أردت أن تسقط حضارة أمة فعليك بهدم الأسرة والتعليم وإسقاط القدوات وتشويهها، فما هي بنظرك أكثر تلك الوسائل أثرا ؟

  • إهمال التعليم
  • التفكك الأسري
  • تشويه الرموز والقدوات
  • لا أدري

الأكثر مشاهدة اليوم

قضايا سياسية

ماذا يفعل العرب بشأن فلسطين ؟

ينتابني حزن عميق وأنا أكتب هذه السطور مثل كثير من المراقبين الغربيين الذين يدرسون الشرق الأوسط ، شغل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني اهتمامي طوال فترة حياتي العملية ، وبذلت دائمـًا قصارى جهدي لتقديم رؤية متوازنة إلى الرأي العام...المزيد