الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

"إيباك" .. تاريخ ودروس

/content/img/logo.png
1803 0 413

في عام 1996 أصدرت جامعة فيرجينيا الأمريكية رسالة دكتوراة للباحثة كارول سيلفرمان بعنوان "الصورة في مقابل الحقيقة .. جماعات المصالح العرقية في عملية السياسة الخارجية: دراسة حالة للإيباك" تدرس أسباب صعود الإيباك، وهي لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية وأسباب قوتها كمنظمة تقوم بعمل الضغط السياسي (اللوبي) لمصلحة إسرائيل، وذات كلمة مسموعة ومؤثرة على صانع القرار السياسي الأمريكي.
أهم ما في الدراسة هو نظرتها الشاملة لأسباب قوة جماعات المصالح الأمريكية، إذ ترفض الدراسة فكرة أن قوة الإيباك أو أي جماعة مصالح أمريكية أخرى تنبع من عامل واحد أو عاملين، مثل أسطورة اعتماد الإيباك على قوة أصوات وتبرعات الناخبين اليهود الأمريكيين كمصدر وحيد لقوتها.
وفي المقابل تنظر الدراسة إلى قوة جماعات المصالح الأمريكية كنتاج لتفاعل مجموعة متعددة من العوامل المهمة، مثل طبيعة القضايا التي تدافع عنها جماعات المصالح وهوية من يتخذ القرار بخوص هذه القضايا داخل مؤسسات صناعة السياسة الأمريكية، وطبيعة البيئة السياسية والإعلامية التي تعمل فيها جماعات المصالح، وخصائص جماعة المصالح المؤسساتية وطبيعة قيادتها، والاستراتيجية التي تتبناها المنظمة في عملها السياسي والإعلامي.

**مجال التأثير ***
بالنسبة لعامل صانع القرار ترى الرسالة أن الإيباك - أسست في عام 1951 - أكثر قدرة على التأثير في أعضاء الكونجرس مقارنة بمسؤولي الإدارة الأمريكية، وذلك لأن الإدارة الأمريكية تتميز بسلطاتها الكبيرة في مجال صناعة السياسية الخارجية والتي يصعب التأثير عليها أحيانا، بينما يسهل - نسبيًّا - التأثير على أعضاء الكونجرس بحكم كونهم أكثر تأثرا بالضغط الجماهيري والإعلامي الداخلي، ولذا تفضل الإيباك أن تمارس ضغوطها على الكونجرس، كما تحب أن تعطي قضايا السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط أبعادًا داخلية.
وتقول الدراسة: إن البيت الأبيض أكثر قدرة على تحدي قوة الإيباك إذا كان لدى الإدارة الرغبة في ذلك، وإن كان هذا لا يعني أن علاقة الإيباك مع البيت الأبيض هي في شد دائم؛ فبعض الإدارات (مثل إدارة الرئيس الأمريكي السابق ردونالد ريجان كما ذكرت الدراسة) فتحت أبوابها أمام الإيباك.
ولذا تعلمت الإيباك أن تتجنب أن تضع نفسها في مواجهة مع الإدارة الأمريكية حتى لا تتعرض لخسارة قضاياها أو تتعرض لإهدار حجم كبير من مواردها وطاقاتها في معارضة الإدارة.

**البيئة السياسية:***
وبالنسبة لعامل البيئة السياسية تقول الدارسة: إن البيئة السياسية ومكوناتها (الرأي العام، وآراء النخبة السياسية الحاكمة، ومعتقدات الرئيس وكبار مساعديه، وقوة الجماعات المعارضة) تمثل حدودًا خارجية لقدرة أية جماعة مصلحة على النجاح، ولذا سعت الإيباك دائما إلى بناء تأييد الرأي العام الأمريكي لإسرائيل كورقة ضغط تستخدمها ضد السياسيين المؤيدين أو المعارضين لها على حد سواء، وقد ساعدها على ذلك ضعف النشاط العربي في هذا المجال.
وتقول الدراسة: إن غالبية الشعب الأمريكي لا يبالي بقضايا السياسة الخارجية، ولكن هناك أقلية سياسية معينة تساند إسرائيل بقوة، وفي المقابل هناك أقلية محدودة جدا تساند قضايا العرب، وتقول الدارسة التي صدرت في عام 1996 إن انتفاضة عام 1987 وتطورات عملية السلام ونهاية الحرب الباردة لا بد وأن تكون صاحبة تأثير مهم على الرأي العام الأمريكي وموقفه في قضية الشرق الأوسط، ولذا لا ينبغي على الإيباك أن تعتقد أن تأييد الرأي العام الأمريكي لإسرائيل هو شيء مطلق لا يمكن أن يتغير.

**الخصائص المؤسساتية لجماعات المصالح***
بالنسبة للعامل الثالث المؤثر في قدرة جماعات المصالح الأمريكية على تحقيق أهدافها فهو الخصائص المؤسساتية لجماعات المصالح نفسها، وتقول الدراسة: إن موارد المؤسسة: كمصادرها المالية، وسمعتها، ومهاراتها السياسية، والجماهير المساندة لها، هي جميعها عوامل مهمة تؤثر على قدرة جماعات المصالح على تحقيق أهدافها.
وبهذا الخصوص ترى الدراسة أن الإيباك كمؤسسة مرت بثلاث مراحل تطور أساسية ارتبطت بتغير مديريها التنفيذيين، وهم كينان (1951-1974) وموريس أميتي (1974-1980) وتوم دين (1980-1993).

**كينان .. وبناء العلاقات الشخصية***
كينان، الذي كان أحد أعضاء الوفد الإسرائيلي بالأمم المتحدة، ترك عمله كمسؤول إعلامي في الوفد الإسرائيلي، وقرر العمل كعميل للضغط السياسي الداخلي لمصلحة قضايا اليهود الأمريكيين، وتميز كينان في سنوات إدارته للايباك بقدرته الكبيرة وتركيزه على بناء العلاقات الشخصية مع صناع القرار السياسي وبناء سمعته وسمعة مؤسسته كمصدر لا ينضب من المعلومات عن قضايا الشرق الأوسط وكخبير يستشهد به في جلسات الكونجرس.
في الوقت نفسه فضل كينان العمل خلف الكواليس بهدوء، والتركيز على بناء العلاقات الشخصية، والبعد عن حملات العلاقات العامة عالية الصوت في الوقت الذي اعتمد فيه على شبكة من النشطين اليهود المساندين لمنظمات يهودية أخرى من خلال علاقته وتنسيقه مع هذه المنظمات.

**موريس وتوم .. وزيادة عضوية الإيباك***
أما موريس أميتي وتوم دين فقد اعتمدا على منهج أكثر جرأة في الضغط السياسي واهتموا بزيادة عضوية الإيباك وفتح عضويتها أمام غير اليهود، ساعدهم على ذلك تغير المناخ السياسي في الولايات المتحدة بعد حرب فيتنام وتطورات الستينيات التي دفعت بمجموعة كبيرة من الشباب إلى الأوساط السياسية الأمريكية وفي الكونجرس، الذين كانوا أكثر رغبة في التعبير عن رؤيتهم ومصالحهم بصوت عال.

**الموارد المالية:***
بالنسبة للموارد المالية فقد بدأت الإيباك عملها في عام 1951 بميزانية قدرها خمسين ألف دولار أمريكي وبعدد قليل جدا من الموظفين، بينما وصلت ميزانيتها عام 1992 إلى 15 مليون دولار أمريكي وتعدى عدد موظفيها 150 موظفا.
نجحت الإيباك في رسم وترويج صورة إيجابية عن نفسها تصور إيباك على أنها مصدر مستمر للمعلومات وكقوة سياسية مؤثرة على نتائج صناديق الاقتراع.

**استراتيجيات العمل السياسي***
بالنسبة لعامل استراتيجيات العمل السياسي تقول الدراسة: إن أحد أهم مصادر نجاح الإيباك هو قدرتها على اختيار أجندة عمل تحتوي على قضايا يمكن تحقيق الفوز فيها، وقدرة الإيباك على تغيير مسارها مع تغير البيئة السياسية المحيطة بها.
بتعبير آخر: إن الإيباك كانت تتعمد اختيار قضايا يمكن تحقيق النجاح فيها ما دامت مرتبطة بإسرائيل، وإنها ابتعدت عن القضايا شديدة الصعوبة التي يصعب تحقيق النصر فيها، كما عملت الإيباك بالتنسيق مع أعضاء الكونجرس المساندين لإسرائيل، وتركت لهم مهمة تحديد القضايا التي يفضلون العمل على تأييدها لمصلحة إسرائيل، ثم كان يأتي دور إيباك لمساندة هذه القضايا.

**الدروس المستفادة ***
لو حاولنا قراءة أهم نتائج الدراسة السابقة وما تعنيه بالنسبة للمسلمين والعرب في أمريكا لأمكننا قول التالي:
1) تطور الأقليات الأمريكية وقدراتها يحتاج لفترة كافية من الوقت، فقد تعرضت الدراسة في بدايتها لحياة اليهود في أمريكا في النصف الأول من القرن العشرين وكيف سعوا في العشرينيات من القرن العشرين إلى بناء قوتهم السياسية بعد أن زاد أعداد اليهود من أبناء الجيل الثاني المولودين في الولايات المتحدة، لكن وعلى الرغم من سعيهم هذا فشلوا خلال الحرب العالمية الثانية في الحيلولة دون وقوع الهولوكوست، مما دفعهم بعد الحرب إلى التوحد والتركيز على بناء قوتهم السياسية للحيلولة دون وقوع كوارث أخرى في حق أبناء ديانتهم.
2) توحد مؤسسات اليهود الأمريكيين في عملها لم يحدث فقط بسبب رغبتهم في التوحد بقدر ما كان نتيجة لنضج المؤسسات التنظيمي والسياسي، بمعنى أن المنظمات اليهودية الأمريكية فشلت في البداية في التوحد عندما كانت جديدة وصغيرة وغير واضحة التخصص، لكن مع زيادة نضجها وإدراكها لتخصصها زادت قدرتها على التنسيق والعمل مع بعضها مع استحالة تحقيق التوحد الكامل أو إنهاء الخلافات الداخلية بينها.
3) اعتماد المنظمات اليهودية الأمريكية السياسية على قيادات متمرسة في العمل السياسي داخل مؤسسات صنع السياسة بالولايات المتحدة كان ضرورة لصعودها ونجاحها، وبالطبع يتطلب بناء هذه القيادات أن ينخرط أبناء الجماعات العرقية الأمريكية في مؤسسات صنع السياسة الأمريكية وأن يعملوا بها لسنوات عديدة حتى يكتسبوا منها خبرة العمل السياسي وبناء العلاقات السياسية مما يؤهلهم للعودة إلى المؤسسات السياسية التي تدافع عن مصالح جماعتهم الدينية أو الإثنية لمساعدتها على بلوغ مكانة سياسية مرموقة.
4) تطور مؤسسات العمل السياسي والإعلامي لا يحدث بين يوم وليلة، بل يحتاج لسنوات طويلة من العمل والكفاح وإثبات المكانة، مع العلم بأن إمكانات التطور السياسي والإعلامي أكثر وفرة خلال الفترة الحالية بسبب التغييرات الناتجة عن ثورة الاتصال والمعلومات التي تسهل عمل جماعات الضغط السياسي والإعلامي، لكن تظل الحاجة إلى قيادات متمرسة تستطيع الاستفادة من الموارد المتاحة واستغلالها في خدمة قضاياها.
5) وفي النهاية يجب القول إن نشر ثقافة الديمقراطية والعمل السياسي والمشاركة السياسية بين أبناء جماعة ما، هو أمر ضروري لنجاح هذه الجماعة في عملها السياسي والإعلامي، وذلك لأن إدراك أبناء هذه جماعة لأهمية العمل السياسي الديمقراطي الحر يعد شرطا ضروريا لا بديل له لتشجيع مشاركتهم في العملية السياسية، وهو ما يتطلب تنشئة الجيل الجديد من المسلمين في أمريكا على قيم العمل السياسي الديمقراطي الحر.
6) فهم دور المنظمات المسلمة والعربية الأمريكية وامكاناتها السياسية في الولايات المتحدة يتطلب استعمال منظور شامل يأخذ في اعتباره العوامل المختلفة التي تؤثر على عمل جماعات المصالح الأمريكية ودور عنصر الزمن والفترة الطويلة التي تحتاجها الأقليات الأمريكية المختلفة لتثبيت وجودها على الأرض الأمريكية وإثبات قوتها على الصعيد السياسي.
ـــــــ
* مدير الشؤون العربية بكير

مواد ذات الصله



تصويت

يعاني العالم العربي اليوم من أوضاع خطيرة تهدد وحدته و استقراره، ترى هذا في كثير من بلدانه، برأيك ما هو أهم ما نحتاجه في هذه المرحلة للخروج من هذه الأزمات الخطيرة ؟

  • ثقافة التسامح و العيش المشترك.
  • القضاء على الفساد والاستبداد.
  • الحرية و العدالة الاجتماعية.
  • نبذ الخلاف والطائفية والحزبية.
  • كل ما سبق.