الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

 المشهد الثقافي كما يراه جمال سلطان

1936 0 691


اتسم المشهد الثقافي العربي خلال القرن المنصرم بالتنوع الذي طال المرجعيات والمناهج والرؤى ، وخاصة في ظل الاحتكاك بالغرب وحداثته ، واستفزاز الاستعمار ، الأمر الذي جعل العلاقة مع الغرب ملتبسة ، ومن ثم لم تحسم حتى الآن .
الأستاذ جمال سلطان المشرف العام على مجلة المنار الجديد- القاهرة ، يقدم تصوره للمشهد الثقافي العربي في حوارنا معه على هامش مهرجان " الجنادرية " في الرياض .

س : كيف ترون المشهد الثقافي بعد مسيرة قرن طرح خلالها العديد من المشاريع المختلفة ؟
ج:بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على النبي وآله ، المشهد الثقافي العربي سواء في شقه الإسلامي أو غير الإسلامي لم يختلف كثيراً عن ذلك المشهد منذ مائة عام ، وأذكر عندما كنا نفكّر في إصدار مجلة المنار الجديد ، ذهبنا نستقصي تاريخ الصحف والمجلات العربية ، ووقفنا عند المنار التي أصدرها الشيخ رشيد رضا رحمه الله في عام 1898م ، ففوجئنا بأن الافتتاحية التي كتبها حوت من الأفكار والطموحات نفس ما نفكّر فيه الآن من طرح ، لدرجة جعلتنا نتجه إلى هذه الافتتاحية التي كتبها الشيخ منذ مائة عام لتكون هي افتتاحية المنار الجديد .
   الأفكار لم تتغير كثيراً ؛ لأنه لم يكن هناك نمو طبيعي للأفكار وعملية تراكم للمعرفة والتطورات ، وإنما كانت هناك دوامات من الفوضى والعشوائيات ، كان سببها الأساس هو الأفكار الوافدة ، وعدم قدرة العقل الإسلامي على الاستجابة لها وتناولها والتعاطي معها بالشكل الذي يلائم ، فبعضهم أخذها كلها وبعضهم رفضها كلها ، وبعضهم أخذ أشياء وأبقى أشياء ، كل هذه الأمور أحدثت حالة من الفوضى ، ولم تتح لعملية النمو الفكري والنمو الحضاري ونمو الوعي أن تتم بشكل متزن وبشكل معقول ، لذلك أقول إن المشهد الثقافي لم يتغير كثيراً .
   نحن - حتى الآن - لا نزال نسأل أسئلة الهوية ، ومسألة العلاقة مع الغرب ، ومسألة عمل المرأة ، ومسألة الحريات العامة ، وقضايا الاجتهاد ، وهذا يعني أننا لم نتحرك كثيراً ، وذلك كظاهرة عامة ، ولكن خلال ثنايا هذه الفوضى اكتسب الفكر الإسلامي ما يكفي من حصانة تتيح له فرصة الظهور في المستقبل بشكل أكثر اتزانـًا وأكثر قدرة على التأثير إن شاء الله .

س: طرحت مشاريع متنوعة جدًا ومختلفة في المناهج ؛ مثل المشاريع العلمانية والمشاريع الماركسية والقومية سابقـًا ، كيف ترون نهاية هذه المشاريع؟
   بعد كل هذه الفوضى يبقى المشروع الإسلامي هو الأبرز ، ولا يزال هو المشروع المنوط به مستقبل هذه الأمة ، والمأمول فيه أن يحقق مستقبلاً أرشد وأفضل لهذه الأمة ، وهذه هي شواهد الواقع ، وعلى سبيل المثال لو حدثت أي انتخابات ، أين تذهب أصوات الناس وما هي توجهاتهم ، في أي محاضرة أو ندوة ؟ انظر إلى توجهات الناس ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى يمكن القول إن الماركسية والليبرالية كلاهما سقط الآن سقوطـًا عميقـًا ، وربما كان سقوط الماركسية أوضح ، ولكن حتى الليبرالية أعلنت سقوطها من خلال سلسلة من التراجعات على صعيد التنظيم الاجتماعي ، وإدخال بعض المقومات الاشتراكية في المجتمع الليبرالي ، مثل مسألة الضمان الاجتماعي وملكية الدولة لبعض المؤسسات الكبرى ، وأشياء من هذا القبيل ، إلى الحد الذي جعل بعض المفكرين في الغرب يتحدثون الآن عما يسمى بالطريق الثالث ، وذلك يعني أن هذين الطريقين قد فشلا واستنفدا دورهما ولم يعد هناك مجال ليصنعوا أشياء في المستقبل ، لذلك طرحت فكرة البحث عن طريق ثالث ، وأنا أعتقد أن الإسلام سيكون له دور كبير في المستقبل أو الدور المحوري ليس فقط في العالم الإسلامي وإنما في العالم الغربي .

س: ظهر في التيار الإسلامي من يسمي نفسه تيار الوسط أو الوسطية فما موقفكم منه ؟
   ج: مسألة التيار الوسطي يتنازعها أناس كثيرون كل ينسب الوسطية لنفسه ، بعض الحكومات تقول إنها تمثل الوسط ، وبعض الجماعات وبعض التيارات العلمية تدعي نفس الشيء ، ولكن الحقيقة أن القاعدة التي تتحرك فيها الصحوة الإسلامية والدعوة الإسلامية الآن هي قاعدة السلفية ، ولكن الذي لا شك فيه أنه لم تعد السلفية التقليدية ، وإنما أصبحت أكثر انفتاحـًا على الواقع ، وأكثر مواجهة لتحدياته ، وأكثر تعاملاً مع ما يطرح من أفكار جديدة يستفاد منها أو لا يستفاد ، وحتى اتجاهات التيارات السلفية بمفهومها الحرفي الآن ، مثل : الكويت أو اليمن أو المغرب أو غيرها ، أصبحوا يشاركون في الانتخابات ، ويشاركون في العمل السياسي إذا رأوا فيه مصلحة للدعوة الإسلامية ، وأنا أعتقد أنه في المستقبل سوف يكون هناك قدر من التخفف من هذه الفروق الفاصلة ما بين جنبات العمل الإسلامي وتياراته ؛ لأنه في الحقيقة هناك قدر كبير من التكامل فيما بينهم ، ولكن تأتي المشكلة عندما ينظر كل واحد إلى الآخر باعتباره خصمـًا له أو مصادمـًا له ، ولكن في الحقيقة هم متكاملون في أعمالهم .

س: الملاحظ أن كثيراً من المشاريع تلتقي مع قضايا المجتمع المدني والديمقراطية ، هل هذا هو الحل في رأيكم ؟
   ج: مسألة المجتمع المدني هي محاولة لاستيراد مصطلح جديد وتعبير جديد غربي الأصول ، وقد اختلفت التفاسير لمعنى المجتمع المدني ؛ بعضهم يرى أنه ضد المجتمع العسكري ، وبعضهم يرى أنه يعني توسعـًا في نشاط المنظمات غير الحكومية ، ولكن يقصد من ذلك البحث عن الحرية ، والبحث عن مجتمع يسوده القانون ، والبعد عن الحكم العسكري الذي أساء إلى العالم العربي وإلى صورته ، وأساء إلى الإنسان ، ودمَّر كثيراً من شخصيته وحيويته في العالم العربي ، وجعله مجرّد آلة ، وجعله شيئـًا مسحوقـًا ممحوقـًا لا قيمة له ، هذا هو القصد من البحث عن الحرية والبحث عن قيمة الفرد في مواجهة جبروت الدولة وهذه مسألة مهمة جداً .

س: ما المشروع الذي تتبنونه ولماذا المنار الجديد ؟
   ج: المشروع الذي نتبناه الآن - وفي مصر تحديداً - أننا نريد أن نُجري مصالحة بين الإسلاميين وبين العمل السياسي ؛ لأن الحركة الإسلامية في مصر - إذا استبعدنا الإخوان المسلمين - كانت تقف موقفـًا سلبيـًا من العمل السياسي ، وهذا جعلها تخسر كثيراً في وعيها بتوازنات القوى في المجتمع ، وفي وعيها بآليات السلطة وعملها وغير ذلك ، فهناك خسائر كثيرة حدثت ؛ وكان السبب في الإحجام عن المشاركة السياسية توجه شرعي بأن المشاركة في الحياة السياسية تعني دعمـًا لنظم غير شرعية في فترة من الفترات ، أو اعترافـًا بمشروعية قيام الحكم على غير شريعة الله ، فكنا بحاجة إلى تغيير هذه الرؤية ، وإثبات أنه ليس بالضرورة عندما تعمل في ظل حكومة معينة أو نظام حكم معين أنك تؤمن بكل ما يطرحه ذلك النظام ، وإنما أنت تعمل في حدود المتاح ؛ لكي تحقق أو تنادي أو تعمل على تغيير الأمور إلى الأفضل ، وفي هذا السياق كانت مجلة المنار الجديد ، وقد قصدنا فيها أن تبشر بهذه الرؤية الجديدة وهذه المصالحة وهذه النقلة الجديدة للحركة الإسلامية ، والأمر الآخر من رسالة المنار أو دورها هو العمل على إيجاد جو من الحوار بين العمل الإسلامي ، وتشجيع قيمة الحوار بين التيارات الإسلامية المختلفة ؛ لأن بعض المجلات أو بعض الصحف الإسلامية تعبّر عن مناهج ورؤى ، وأحيانـًا فصائل وتنظيمات ، فمسألة الحوار محدودة وأقصد الحوار الحقيقي والجاد .

س: كيف ترون شكل العلاقة بين المجتمع المدني والأنظمة التي لا تزال قوية رغم كل التغييرات التي حدثت ؟
   ج: الأنظمة قوية ؛ لضعف المجتمعات ، وضعف الشعوب وضعف إرادتها وضعف وعيها ، وعندما تنشط الشعوب كقوى وينمو وعيها وتُعاد إليها روح العطاء والرغبة في التغيير ، عند ذلك سيكون هناك التوازن المطلوب ؛ لأن المسألة ليست مسألة إضعاف السلطة ، السلطة القوية مطلوبة أيضـًا ، ولكن المجتمع القوي مطلوب أكثر من السلطة القوية ، على الأقل نحن نريد سلطة قوية ومجتمعـًا قويـًا ، أما إذا كانت السلطة قوية والمجتمع ضعيفـًا يحدث الاستبداد والقهر ، وإذا كان العكس فهذا يسبب الخلل والفوضى مثل ما يحدث في أندونيسيا على سبيل المثال .

س: وسائل الاتصال الغربية تطورت جداً في ظل ثورة التكنولوجيا وآخرها الإنترنت ، هذه الوسائل ساهمت بقوة كبيرة في إعادة تشكيل الوعي وتشكيل الهوية الثقافية العربية ، والذي يعقد مقارنة بين قرن مضى وبين الآن يجد الكثير من المفارقات حتى ظهر ما يسمى بالإمبريالية الإلكترونية . كيف ترون ذلك؟
   ج: التطورات الجديدة لا شك أنها فرضت تحديات على العالم الإسلامي الآن ، فمسألة اختراق الأفكار والقيم والأخلاقيات المختلفة للواقع الإسلامي والمجتمع وحتى للبيوت أصبحت مسألة سهلة جداً من خلال ما يسمى الهوائيات والإنترنت إلى غير ذلك .
   لذلك لا بد من أن يتنبّه الدعاة والمثقفون الوطنيون إلى ذلك ، ويبدؤوا في تخفيف غلواء الجدل الفكري ، والنخبوية ؛ لتوجيه قدر من طاقاتهم وفعلهم الثقافي والدعوي إلى الناس ، إلى خلايا المجتمع الأساسية ، صحيح أنه يمكن تحجيم بعض الآثار من خلال رقابة ، لكن هذه الفترة محدودة لن تدوم ؛ لذلك لا بد من إنتاج بدائل تستوعب الناس ، ثم إحداث حالة من الوعي في خلايا المجتمع البسيطة تستطيع من خلاله أن تقدّر هذه المخاطر وتتعقبها .

س: الملاحظ أن الإسلاميين لم يستغلوا بشكل جيد خطبة الجمعة ، وهي فرصة عظيمة ، في حين أن التيارات غير الإسلامية تطمع في نصف ساعة تخاطب فيها الجمهور ؟
   ج: هذا الأمر لا نريد أن نظلم فيه الإسلاميين ؛ لأن هناك قيوداً تفرض على الدعاة والخطباء ، وفي بعض الدول تأتي توجيهات صريحة .

س: أنا لا أتكلم عن التوجيهات وإنما عن الخطيب نفسه ، جل الخطباء ليسوا على المستوى المطلوب .
   ج: هذه المشكلة يمكن حلها بإقامة ندوات تثقيف عملية خاصة للخطباء ؛ لأن المسألة ليست في الأسلوب ، هم عندهم الأسلوب ، ولكن كيف نعطيهم الفكرة التي يستطيعون من خلالها رصد الأحداث ذات الأهمية في المنطقة .

س: المواقع الإسلامية كثيرة على الإنترنت لكن الخطاب الإسلامي لم يتغير ، أكثر ما هنالك أدخل الإسلاميون خطابهم التقليدي إلى وسائل معاصرة .
   ج: لا بد أن نقدّر أن هناك مشكلة نفسية عند الإسلاميين ، حيث كان واحدهم لا يستطيع أن يعبّر عن نفسه ، ولا يتكلم بصراحة ، ولا يكون له حرية الكلام ، وإذا أراد أن يكتب فعن طريق منشور سري ، أو يهمس في بعض الجلسات المغلقة ، فالآن فتحت له آفاق واسعة ، فبعضهم لا يصدق ؛ لذلك نجد بعض الشباب العرب يتكلم بما يشبه الجنون ، كلام فيه إباحية وإجرام ، وهذه مرحلة ضرورية ، بعد ذلك ومع مرور الوقت ، واستيعاب أنه يستطيع أن يعبّر عن رأيه بوضوح ، بعد ذلك تبدأ مسألة عودة الوعي وعودة الرشد ، ويبدأ التفكير كيف نستفيد استفادة عقلانية راشدة وفعالة من هذه الآلة الجبارة الجديدة ؟ .

س: الملاحظ أن بعض المواقع الإسلامية درجت على الخطاب باللغة الإنجليزية ، فإذا كنا لم نفلح في مخاطبة الإنسان العربي ، فكيف نفلح في مخاطبة الإنسان الغربي ، أنا أرى أننا نصدّر همومنا ومشاكلنا إلى الآخر الغربي .
   ج: ليس بالضرورة أن يكون تصديراً للمشاكل ؛ لأن هناك مساحة واسعة من العطاء العلمي والشرعي يشترك فيه العرب وغير العرب ، ولكن القضايا التي فيها مشكلات وإرباك للفكر العربي هذه التي لا بد أن يتم حصرها أولاً ، ثم تتم تنحيتها بعد ذلك عن عقلية الإنسان الغربي ؛ مثل مسألة الاختلافات الفقهية ، والخلافات المعقدة في العقيدة ، والاختلاف في الأسماء والصفات.. الخ . وأيضـًا تنحية الخلافات بين الفصائل المختلفة ، وذلك لا يتم إلا عن طريق تنمية الإحساس بالمسؤولية ، وأن يستشعر الإنسان أنه يعمل لله ، وأن ولائه لله وحده وليس لاتجاه معين ، فالولاء لله والدين يحتّم مراعاة أهمية الدعوة والخطاب الذي يوجّه لهؤلاء الذين يعيشون خارج الجسد الإسلام

مواد ذات الصله



تصويت

يعاني العالم العربي اليوم من أوضاع خطيرة تهدد وحدته و استقراره، ترى هذا في كثير من بلدانه، برأيك ما هو أهم ما نحتاجه في هذه المرحلة للخروج من هذه الأزمات الخطيرة ؟

  • ثقافة التسامح و العيش المشترك.
  • القضاء على الفساد والاستبداد.
  • الحرية و العدالة الاجتماعية.
  • نبذ الخلاف والطائفية والحزبية.
  • كل ما سبق.