الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

شبهات حول حجية خبر الآحاد

شبهات حول حجية خبر الآحاد
11783 0 1019
سبق في مقال ( شبهات حول حجية السنة ) أن منكري السنة على قسمين ، قسم أنكرها صراحة ودعا إلى نبذها بالكلية سواءً أكانت متواترة أم آحادية زعماً منهم أنه لا حاجة إليها وأن في القرآن غنية عنها ، وقسم لجأ إلى التشكيك في بعض أنواعها حين فشل في الطعن فيها كلية فرأى الحجية في نوع منها دون غيره ، فردوا الأخبار التي لم تصل إلى حد التواتر زعماً منهم أنها لا تفيد اليقين ، ورفضوا العمل والاحتجاج بها .

وكانت المعتزلة من أوائل من أثار هذه القضية ، وذلك ليتسنى لهم العبث في النصوص وردِّ ما يحلو لهم منها ، فأسقطوا بذلك جملة من الأحاديث الصحيحة الثابتة التي تعارض ما ابتدعوه في أبواب الدين ، وسدُّوا جميع الطرق أمام معرفة الله وأسمائه وصفاته ، وفي مقابل ذلك أحالوا الناس على أمور وهمية ومقدمات خيالية سمُّوها - بزعمهم - قواطع عقلية وبراهين يقينية قدَّموها على نصوص الوحي ، وحاكموا النصوص إليها .

وقد تكلم علماء الإسلام على هؤلاء المنكرين لحجية خبر الآحاد وفنّدوا شبهاتهم وأباطيلهم في أدلة واضحة بينة لا تحتمل الردَّ أو التأويل وكلُّها توجب العمل بحديث الآحاد والاحتجاج به ، وكان من أوائل العلماء الإمام الشافعي رحمه الله الذي عقد فصلاً طويلاً في كتابه " الرسالة " تحت عنوان " الحجة في تثبيت خبر الواحد " ، فكان خير من تكلم في هذه المسألة ، وجميع من كتب بعده عيال عليه .

وقد تعلق هؤلاء المشكِّكون بعدد من الشبه الواهية التي زعموا أنها تؤيد ما ذهبوا إليه في ردِّهم لخبر الواحد وعدم قبوله .

من ذلك قصة ذي اليدين الثابتة في الصحيح حين توقف النبي - صلى الله عليه وسلم - في قبول خبر ذي اليدين لما سلَّم على رأس الركعتين في إحدى صلاة العشاء فقال له ذو اليدين : " أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ " ، قالوا فلم يقبل خبره حتى أخبره أبو بكر و عمر ومن كان في الصف بصدقه ، فأتمَّ عليه الصلاة والسلام صلاته وسجد للسهو ، ولو كان خبر الواحد حجة لأتمَّ - صلى الله عليه وسلم - صلاته من غير توقف ولا سؤال .
ثم قالوا : وقد روي عن عدد من الصحابة عدم العمل بخبر الآحاد ، فقد ثبت أن أبا بكر ردَّ خبر المغيرة بن شعبة في ميراث الجدَّة حتى انضم إليه خبر محمد بن مسلمة ، وثبت أن عمر ردَّ خبر أبي موسى في الاستئذان حتى انضم إليه أبو سعيد ، وكان علي لا يقبل خبر أحد حتى يحُلِّفه سوى أبي بكر ، وردَّت عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله إلى غير ذلك من الروايات .

وكلُّ ما ذكروه من شبه في الحقيقة ليس فيها دليل على ما ذهبوا إليه من عدم الاحتجاج بخبر الواحد ، والإجابة عنها في غاية الوضوح لمن كان يعقل .

فأما توقف النبي - صلى الله عليه وسلم - في خبر ذي اليدين ، فلأنه توهم غلطه حيث استبعد أن ينفرد بمعرفة هذا الأمر دون من حضره من الجمع الكثير ، ولذا قال له - صلى الله عليه وسلم - ( لم أنس ولم تقصر الصلاة ) ، وكان هذا اعتقاده - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يُكَلَّف الإنسان بقبول خبرٍ مع اعتقاده خطأه ، فلما وافقه غيره ارتفع احتمال الوهم عنه ، فَقَبِلَه - صلى الله عليه وسلم - وعمل بموجب الخبر عندما تبين له عدم الوهم ، وبعبارة أخرى كان يقين ذي اليدين معارضاً ليقين النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يمكن تقديم أحدهما إلا بمرجح خارجي وهو شهادة الصحابة الباقين .

وأمَّا ما أوردوه من أن عدداً من الصحابة لم يعمل بخبر الآحاد ، فإن الثابت الذي لا شك فيه أن الصحابة رضي الله عنهم مجمعون على العمل بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم آحادًا كان أو غير آحاد - ، فإذا روي عنهم التوقف في بعض الأخبار فإن ذلك لا يدل على عدم الاحتجاج والعمل به ، بل قد يكون لغرض آخر كطروء ريبة ، أو احتمال الوهم ، أو سدِّ ذريعة أو مزيد رغبة في التثبت والاحتياط إلى غير ذلك من الأغراض .

فردُّ أبي بكر رضي الله عنه لخبر المغيرة في ميراث الجدَّة لم يكن ردَّاً منه لخبر الآحاد ، ولكنه توقف فيه إلى أن يأتي ما يؤيده ويزيده تثبتاً من وجود هذا التشريع في الإسلام ، وهو إعطاء الجدَّة السدس ، خصوصاً وأنه لم ينص عليه في القرآن فكان لا بد للعمل به وإقراره من زيادة في التثبت والاحتياط ، فلما شهد محمد بن مسلمة أنه سمع ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتردد أبو بكر في العمل بخبر المغيرة ، ومع أن شهادة محمد بن مسلمة لم ترفع الخبر عن كونه آحاداً ، إلا أن أبا بكر لم يتردد في قبوله والعمل به .

وأما ردُّ عمر رضي الله عنه لخبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان فإن أبا موسى أخبره بالحديث عقب إنكاره عليه ،فأراد عمر التثبت والاحتياط في الرواية سدَّاً للذريعة ، لئلا يفضي ذلك إلى التوسع في الحديث عن رسول الله ، خصوصاً ممن نشأ حديثاً في الإسلام أو دخل فيه ، ولذلك قال عمر لأبي موسى : " أما إني لم أتَّهِمك ولكنه الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ، ومثل ما قيل في قصة أبي بكر يقال في قصة عمر ، فلم تخرج رواية أبي موسى عن كونها آحاداً حتى بعد أن انضم إليه أبو سعيد إلا أن عمر رضي الله عنه أراد أن يعطي درساً في التثبت والاحتياط .

وقد قبل عمر رضي الله عنه أخباراً أخرى هي من قبيل الآحاد ، فقد روى أبو داود أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول : " الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا " حتى قال له الضحاك بن سفيان كتب إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أوَرِّث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها " فرجع عمر إلى الحديث .

وقبل رضي الله عنه خبر عبد الرحمن بن عوف في أمر الطاعون ، وغيرها من الأخبار ، مما يدل على أن عمر رضي الله عنه لم يرُدَّ الخبر لكونه آحاداً .

ومثل ذلك يقال في كل ما ورد من هذا القبيل ، فالصحابة إذاً لم يتوقفوا في الاحتجاج بخبر الآحاد والعمل به ، بل أجمعوا على قبوله كما سبق ، وتوقُّفِ بعضهم أحياناً لبعض الأسباب ليس توقفاً عن العمل به ، قال الآمدي : " وما ردوه من الأخبار أو توقفوا فيه إنما كان لأمور اقتضت ذلك من وجود معارض أو فوات شرط ، لا لعدم الاحتجاج بها في جنسها مع كونهم متفقين على العمل بها " والله الموفق .

مواد ذات الصله



تصويت

يعاني العالم العربي اليوم من أوضاع خطيرة تهدد وحدته و استقراره، ترى هذا في كثير من بلدانه، برأيك ما هو أهم ما نحتاجه في هذه المرحلة للخروج من هذه الأزمات الخطيرة ؟

  • ثقافة التسامح و العيش المشترك.
  • القضاء على الفساد والاستبداد.
  • الحرية و العدالة الاجتماعية.
  • نبذ الخلاف والطائفية والحزبية.
  • كل ما سبق.